|
ابواب التآخي |
نهر دجلة ..فيضانات واحداث
د علي العكيدي
وادي الرافدين هي تلك الأرض الواقعة في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة
التي يشكلها العالم القديم وقد سمي الإقليم الرابع بإقليم بابل كما يقول
الخطيب البغدادي (1) لأهمية بابل في التاريخ باعتبارها اقدم مدينة بنت على
الأرض كما جاء في تاريخ الخميس للديار بكري المتوفي (966هجرية) (2) ووادي
الرافدين سمي كذلك كون النهرين الخالدين دجلة والفرات يخترقانه ، الأول من
الشمال والثاني من الشمال الغربي حتى يصبان كما يعلم الجميع في القرنة بعد
أن يمرا بأرض شاسعة أظافا لها عبر التاريخ اشياءا كثيرة ساعدت على نشوء
اقدم الحضارات في التاريخ .
وإذا كان الفرات الذي ينبع من الجنة (3) يمر في غرب العراق إلى جنوبه فان
دجلة يخترق العراق من شماله إلى جنوبه مارا بالعاصمة بغداد والتي أنشأها
الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عام 145هجرية .. يقول الحميري عندما أراد
أبو جعفر المنصور (ت158 هجرية )أن يبني مدينة بغداد وبعد إن سال كثيرا عن
المكان وتأكد من أن الأرض اسمها بغداد وتعرف على خصائصها من قبل مستشاريه
وقف قائلا ( هذه والله المدينة التي أعلمني أبي محمد بن علي أني ابنيها و
أنزلها وينزلها ولدي من بعدي ، ولقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية والإسلام
حتى يتم تدبير الله تعالى وحكمه فيّ وتصح الروايات وتبين الدلالات
والعلامات ،تأتيها الميرة في الدجلة والفرات من واسط والابلة والأهواز
وفارس وعمان واليمامة وما يتصل بذلك ،وكذلك ما ياتي من الموصل وديار ربيعه
وأذربيجان وأرمينية والرقة والشام والثغور ومصر والمغرب واصفهان وكور خرا
سان فالحمد لله الذي ذخرها لي واغفل عنها كل من تقدمني والله لابنينها ثم
اسكنها أيام حياتي ويسكنها ولدي من بعدي ثم لتكونن اعمر مدينة في الدنيا )(
4) هذا ما جاء على لسان أبو جعفر المنصور ليلة بناءه لبغداد أما ما يتعلق
بدجلة فدجلة نهر عظيم يحمل بين أمواجه سر الوجود وجمال الألفة وخضرة تسر
النفوس وحياة امتدت إلى آلاف السنين كانت مفعمة بالنشاطات البشرية الخالدة
التي أضافت للمكان عبر الزمن المستغل إلى أقصاه أشياء وأشياء ، .ومع كل ما
تقدم فان دجلة الذي عشق ارض العراق وامتد بطوله الفارع فوق تضاريسها عاشقا
ولهانا كان له بين الفينة والأخرى لحظات غضب يعبر فيها عن تطرفه مرة وقوة
تعلقه أخرى ينبع دجلة من جبال أرمينية الرابعة وهي منطقة شم شاط وقالي قلا
وخلاظ وار جيش (5) ثم يمر بعد ذلك في قرية الثمانين وهي القرية التي بناها
النبي نوح (ع) لسكان سفينته بعد نهاية الطوفان وكان عددهم ثمانون شخصا
فسميت قرية الثمانين ثم بعد ذلك يمر بالموصل ثم إلى بغداد ويجتمع مع الفرات
في القرنة ثم منطقة الابلة جنوب العراق ثم الخليج العربي .
وقد نقل ابن الفقيه الهمداني عن احمد بن محمد الحاسب قوله (أمر المتوكل
بتسهيل أبواب دجلة من الموصل إلى بغداد وقلع الحجارة التي في الطريق لها
الأبواب ،فقيل له يا أمير المؤمنين إن عمك المأمون قد كان أمر بمثل ما أمرت
فقيل له أن الله عز وجل إنما جعل هذه الصخور في هذه المواضع ، وان كان فيها
بعض الضرر على المجتازين ،لما في ذلك من الصلاح لعباده وعمارة بلاده من جهة
معاشيهم ،وذلك إنها ترد حمية المياه عن حافتي دجلة ومقامها مقام الشكور
ويحتاج إليها أيضا لينظم الماء ولا يتفرق فيحمل على الأنهار ولولا هذه
الحجارة لقصر الماء دجلة حتى تنحط ،واضر ذلك بالناس وبطلت العمارة فامسك
عما كان هم به ) (6)
ومن هنا فان التدخل بمجرى دجلة كان واضحا وتنظيم الواقع ألا روائي وإنشاء
السدود والترع والعمل على تجنب الفيضانات كان أمرا طبيعيا إلا إن كل ذلك لم
يكن ليمنع فعل يقوم فبه النهر يؤدي إلى فيضان منسوب المياه على الجوانب مما
يؤثر سلبا على حياة الناس لأيام أو أسابيع ،يقول المرحوم الأستاذ ميخائيل
عواد في كتابه صور مشرقة من حضارة بغداد بان الناس في بغداد وخلال شهر
نيسان من كل عام لا حديث لهم سوى حديث الفيضان فقد هلعت قلوب العراقيين من
أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب بحدث فيضان نهر دجلة وبات الناس في بغداد وفي
كثير من المدن والقصبات والضياع المعرضة لخطر الفيضان يوجسون خيفة مما قد
يصيبهم من جراء غضبه . وقد طغت مياهه وخرجت عن حدودها وسدودها وانفجرت إلى
السهول والمزارع والبساتين المحيطة بجانبيه بل تعدت إلى كثير من الأمكنة
العامرة المسكونة . ويحدثنا التاريخ إن جملة فيضانات داهمت هذه البلاد في
العصور السالفة وكان دجلة بين زمن وزمن ،يداعب بعنف مدينة بغداد وأول ذكر
لفيضان نهر دجلة بعد بناء بغداد وتدفق مياهه إلى ما يجاورها وتعيدها إلى
كثير من المحال والدور كان في سنة عشرين ومائتين للهجرة .ثم توالت أحداث
الفيضانات وكوارث الغرق من بعد ذلك التاريخ فلم تمر سنة إلا ويحل الغرق
ضيفا ثقيلا على بغداد فيمعن في التخريب والتشريد (7)
إذا هذا هو الفيضان الأول الذي حدث بعد قيام بغداد بحوالي سبعون عاما وذلك
أثناء خلافة المعتصم بن هارون الرشيد .. ونتيجة للأثر السلبي الذي تركه
فيضان دجلة فان علماء العراق واختصاصي المياه والأرواء قد توصلوا في عام
293هجرية وذلك بعد إن فاضت دجلة فيضانا كبيرا أخر حتى خربت بغداد قبل ذلك
التاريخ بعام واحد فقط أي عام 292هجرية أثناء خلافة المكتفي بالله بن
المعتضد (289-295هجرية) توصلوا إلى صناعة جهاز يعرف به مقدار الزيادات
والنقصان في ذلك الزمان وقد نصب هذا الجهاز لأول مرة عام 293كما أشرنا وكان
طوله خمسة وعشرين ذراعا وطريقة عمله تتضح من خلال علامة الأذرع الموجودة
على جانبيه من جهة وعلى بعد كل خمسة اذرع من جهة أخرى حيث توضع علامة
حديدية تعرف من خلالها مبالغ الزيادات (8)
يقول السيوطي في تاريخ الخلفاء وفي سنة 466 هجرية أثناء خلافة القائم بأمر
الله بن القادر (422-467هجرية )كان الغرق العظيم في بغداد حيث زادت دجلة
ثلاثين ذراعا ولم يقع مثل ذلك قط ،وهلكت الناس والأموال والدواب وركبت
العوائل في السفن أما صلاة الجمعة فأقيمت في الطيار مرتين ،أما الخليفة فقد
اخذ يتظرع إلى الله ليخلص بغداد من مآسي الفيضان ،أما الخليلي في موسوعة
العتبات المقدسة فينقل عن مصادر التاريخ ما تعرض له المشهد الكاظمي حيث غرق
هو الآخر اثر غرق بغداد إذ هاجمه الفيضان بعد أن خربت البيوت المحيطة به
ودخل الماء من الشبابيك إليها وكذلك دخل الروضة المقدسة وهدم الأبنية التي
فيها ثم بعد ذلك نقص الماء وزال الخطر (9) وفي سنة 569هجرية زادت مياه دجلة
مرة أخرى وحدث فيضان كبير بحيث غرقت بغداد بأكملها حيث تم إقامة صلاة
الجمعة خارج سورها وذلك أثناء خلافة المستظيءبأمر الله (566-575هجرية)وفي
زمن الناصر لدين الله (575-622هجرية )حدث الفيضان الأكبر والاهم في تاريخ
الدولة العباسية وذلك سنة 596هجرية ، يوم الأحد العاشر من شهر رمضان حيث
وصل الماء إلى حدود اثنتين وعشرين ذراعا وكانت زيادة متقدمة على التي حدثت
في السنوات السابقة لها منذ بناء بغداد حيث تفاقم الآمر كثيرا وخرج الناس
وظربوا الخيام على تلال الصحراء وكان ذلك الغرق العظيم المشهور في تاريخ
بغداد ، تلاه وفي زمن الناصر لدين الله أيضا غرقا آخر وذلك عام
614هجريه(10)
وعليه فان شدة الفيضانات وما تركته من آثار سلبيه كانت واحدة من أسباب
انهيار الدولة العباسية .حيث انطمرت الأنهار و في الوقت الذي تزيد فيه
مناسيب المياه أثناء سقوط الأمطار وذوبان الثلوج ، تهدد الفيضانات مناطق
العراق ومنها بغداد على وجه الخصوص ومن نتائج ذلك تلف المزروعات والموارد
الاقتصادية للدولة بما فيها الثروة الحيوانية فينعكس ذلك سلبا على واقع
الأسعار فترتفع لقلة المحصول والمعروض بشكل عام وبذلك تحل الكوارث
الاقتصادية والاجتماعية والصحية مما يعيق تقدم الدولة ، هذا فضل على إن
الدولة نفسها كانت مشغولة من خلال خلفائها الضعفاء بغير ما يريده الناس مما
ساعد الطامعون على غزوا بغداد .... وقد تحدثت مصادر التاريخ عن فيضانات
كبيرة ومؤثرة حصلت في أواخر سنوات الدولة العباسية وهي الاعوام654،652،647
أي قبل دخول المغول حيث غرقت بغداد وتهدمت الدور والمساكن وخاصة في مناطق
الخالص والراشدية والعباسية.
الهوامش
1-الخطيب البغدادي ،آبى بكر احمد بن علي ،(ت،463هجرية )تاريخ بغداد أو
مدينة السلام /ج1 المدينة المنورة ،ص 23
-2الديار بكري ،الشيخ حسين بن محمد (ت،966هجرية )تاريخ الخميس في أحوال
انفس نفيس ج1 مؤسسة شعبان ،بيروت ص64
3-يقول ابن الفقيه الهمداني ،(روي عن كعب الأحبار قوله : إن نهر النيل هو
نهر العسل في الجنة ودجلة نهر اللبن ،والفرات نهر الخمر ،وسيحان نهر الماء
)ابن الفقيه الهمداني ،محمد بن اسحق ،بغداد مدينة السلام ،تحقيق الدكتور
صالح احمد العلي ،وزارة الإعلام ،بغداد 1977 ،ص116
-4الحميري ،محمد بن عبد المنعم ،(ت ،727هجرية )الروض المطار في خبر الأقطار
،تحقيق إحسان عباس .مؤسسة ثامر للثقافة ،ص110
5-ابن الفقيه ، المصدر السابق ،ص 116
-6نفسه
-7عواد ،ميخائيل ، صور مشرقة من حضارة بغداد في العصر العباسي ،منشورات
وزارة الإعلام ، بغداد 1981،ص121
-8نفسه
9-الخليلي ،جعفر ،موسوعة العتبات المقدسة ، قسم الكاظمين ،ج1،ط1،دار
التعارف ، بغداد ،1967م،ص166
-10السيوطي ،جلال الدين بن عبد الرحمن ،(ت،911هجريه)،تاريخ الخلفاء ،مؤسسة
المختار للنشر ،ص480 وما بعدها ، وانظر أيضا ، عواد ، المصدر السابق،ص122 |
الليبرالية بين ضبابية المفهوم وتناقض التفسير
وكالات..
اختلفت التفسيرات لمفهوم الليبرالية، كما اختلفت أنواع الليبرالية باختلاف
طرق تفكير منظريها ومطبقيها، حتى يحار المرء في فهمها وتحديد موقف محدد
منها، وأطلق عليها بأنها أيدلوجية قابلة للتأويل، تجيد المراوغة والتحول
وتوظف المفاهيم الإنسانية الكبرى والقيم النبيلة من أجل تحقيق منافع مباشرة
اقتصادية بالأساس. اشتقت كلمة ليبرالية من ليبر liber وهي كلمة لاتينية
تعني الحر. الليبرالية حاليا مذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي داخل المجتمع،
تهدف لتحرير الإنسان كفرد وكجماعة من القيود السلطوية الثلاثة (السياسية
والاقتصادية والثقافية)، وقد تتحرك وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها
تتكيف الليبرالية حسب ظروف كل مجتمع، وتختلف من مجتمع غربي متحرر إلى مجتمع
شرقي محافظ. الليبرالية أيضا مذهب سياسي واقتصادي معاً ففي السياسة تعني
تلك الفلسفة التي تقوم على استقلال الفرد والتزام الحريات الشخصية وحماية
الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية والإصلاحات
الاجتماعية.
المنطلق الرئيس في الفلسفة الليبرالية هو أن الفرد هو الأساس، بصفته الكائن
الملموس للإنسان، بعيداً عن التجريدات والتنظيرات، ومن هذا الفرد وحوله
تدور فلسفة الحياة برمتها، وتنبع القيم التي تحدد الفكر والسلوك معاً.
فالإنسان يخرج إلى هذه الحياة فرداً حراً له الحق في الحياة أولاً. ومن حق
الحياة والحرية هذا تنبع بقية الحقوق المرتبطة: حق الاختيار، بمعنى حق
الحياة كما يشاء الفرد، لا كما يُشاء له، وحق التعبير عن الذات بمختلف
الوسائل، وحق البحث عن معنى الحياة وفق قناعاته لا وفق ما يُملى أو يُفرض
عليه. بإيجاز العبارة، الليبرالية لا تعني أكثر من حق الفرد ـ الإنسان أن
يحيا حراً كامل الاختيار في عالم الشهادة، أما عالم الغيب فأمره متروك في
النهاية إلى عالِم الغيب والشهادة. الحرية والاختيار هما حجر الزاوية في
الفلسفة الليبرالية، ولا نجد تناقضاً هنا بين مختلفي منظريها مهما اختلفت
نتائجهم من بعد ذلك الحجر، سواء كنا نتحدث عن هوبز أو لوك أو بنثام أو
غيرهم.
هوبز كان سلطوي النزعة سياسياً، ولكن فلسفته الاجتماعية، بل حتى السلطوية
السياسية التي كان يُنظر لها، كانت منطلقة من حق الحرية والاختيار الأولي.
لوك كان ديموقراطي النزعة، ولكن ذلك أيضاً كان نابعاً من حق الحرية
والاختيار الأولي. وبنثام كان نفعي النزعة، ولكن ذلك كان نابعاً أيضاً من
قراءته لدوافع السلوك الإنساني (الفردي) الأولى، وكانت الحرية والاختيار هي
النتيجة في النهاية. وفي العلاقة بين الليبرالية والأخلاق، أو الليبرالية
والدين، فإن الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عن دائرته
الخاصة من الحقوق والحريات، ولكنها صارمة خارج ذلك الإطار. أن تكون متفسخاً
أخلاقياً، فهذا شأنك.
ولكن، أن تؤذي بتفسخك الأخلاقي الآخرين، بأن تثمل وتقود السيارة، أو تعتدي
على فتاة في الشارع مثلاً، فذاك لا يعود شأنك. وأن تكون متدينا أو ملحداً
فهذا شأنك أيضا.
وأما في الاقتصاد فتعني تلك النظرية التي تؤكد على الحرية الفردية الكاملة
وتقوم على المنافسة الحرة واعتماد قاعدة الذهب في إصدار النقود..أهم شعار
في الليبرالية هو: دعه يعمل دعه يمر. ويسمى الليبراليون بالحرييين فقد
ارتبطت الليبرالية بالحرية الإقتصادية. خصائص الليبرالية
الليبرالية عكس الراديكالية لا تعترف بمرجعية مقدسة؛ لأنها لو قدست أحد
رموزها إلى درجة أن يتحدث بلسانها، أو قدست أحد كتبها إلى درجة أن تعتبره
المعبر الوحيد أو الأساسي عنها، لم تصبح ليبرالية، ولأصبحت مذهبا من
المذاهب المنغلقة على نفسها. مرجعية الليبرالية كم يزعم مؤيدوها هي في هذا
الفضاء الواسع من القيم التي تتمحور حول الإنسان، وحرية الإنسان، وكرامة
الإنسان، وفردانية الإنسان. الليبرالية تتعدد بتعدد الليبراليين. وكل
ليبرالي فهو مرجع ليبراليته. وتاريخ الليبرالية المشحون بالتجارب
الليبرالية المتنوعة، والنتاج الثقافي م أو حاول الإلزام، سقط من سجل
التراث الليبرالي.
مبادئ الليبرالية
تقوم الليبرالية كما يرى المروجون لها على الإيمان بالنزعة الفردية القائمة
على حرية الفكر والتسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقه بالحياة واعتبار
المساواة أساسا للتعاون ومنطلقا لإحترام الأفراد وضمان حريتهم ولا يكون
هناك أي دور للدولة في العلاقات الاجتماعية أو الأنشطة الإقتصادية إلا في
حالة الإخلال بمصالح الفرد و المجتمع.
و تقوم الليبرالية أيضا على تكريس سيادة الشعب عن طريق الاقتراع العام و
ذلك لتعبير عن إرادة الشعب و التخلص من الفساد في المجتمع و احترام مبدأ
الفصل بين السلطات التشريعية و القضائية و التنفيذية و أن تخضع هذه السلطات
للتعديل من أجل ضمان الحريات الفردية و للحد من الإمتيازات الخاصة و رفض
ممارسة السيادة خارج المؤسسات لكي تكون هذه المؤسسات معبرة عن إرادة الشعب
باكمله..
ففي الفكر والنظرية تسمو قيم الحرية والفردية لكن في التطبيق تتلاشى
الحريات ويسود السوق وتهيمن الرأسمالية المتوحشة. ورغم الالتباس والجرائم
الكبرى تجد منظومة الليبرالية لديها من الكبرياء ما يدفعها للزعم بأنها
الحل التاريخي والإجابة الأبدية لأسئلة المجتمع والدولة كما في أطروحة
نهاية التاريخ لفوكوياما، في حين لا يرى فيها نقادها إلا نسقا مثاليا تأكله
آليات الاقتصاد فيستعصي جوهره كرؤية للتحرر والتحقق الفردي على التطبيق.
وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14،
ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير
إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة
كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش
للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق
فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار. لكن الليبرالية
بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في
أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار
واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة.
ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار
Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون"
أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة
جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
ولم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على
أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع
انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع
السوق.
ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار
الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون
النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح
فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول
بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في
إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في
أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول
النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية
والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم
المادي، ولكن العديد من البلدان النامية قاومت الليبرالية لارتباطها بالنظم
الاستعمارية من جهة ولقوة الثقافة السياسية التقليدية في الدول حديثة
الاستقلال التي تناصر الجماعية وليس الفردية؛ ولذلك كانت تربة خصبة لنمو
الاشتراكية والقومية أكثر من الليبرالية الغربية.
ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست
الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة
والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم
دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما
أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال
انتخابات تنافسية.
وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في
الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا
في أوربا الشرقية.
وأنه في بعض الحالات ورثت دول أفريقية وآسيوية الأسلوب الغربي للحكم
الليبرالي من حقبة ما قبل الاستقلال، ولكن بدرجات نجاح متفاوتة، فعلى سبيل
المثال تُعَد الهند أكبر النظم الديمقراطية الحرة في العالم الثالث، لكن في
أماكن أخرى سقطت النظم الديمقراطية الليبرالية؛ بسبب غياب الرأسمالية
الصناعية كأساس اقتصادي وغلبة التحالفات العشائرية، أو بسبب طبيعة الثقافة
السياسية المحلية، ففي مقابل الثقافة السياسية في معظم الدول الغربية
القائمة على أساس وطيد من القيم الليبرالية الرأسمالية مثل حرية التعبير
المطلقة وحرية الممارسة الدينية (أو الروحية الانتقائية العلمانية) والحق
المطلق في الملكية، كمبادئ مستمدة من الليبرالية وراسخة في أعماق المجتمعات
الغربية نادرا ما تواجه أي تحدي أو مسائلة، نجد في دول العالم الثالث مكانة
مركزية للدين واحترام للجماعة وقيمها يحدد مجالات الحرية الفردية، ومكانة
للولاء الأسري والعشائري تحفظ القيم الجماعية.
ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون
الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة
السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري
لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح
ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل
للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم
الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار
والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.
فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة
المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات
الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو
على الأقل تنظيم الاقتصاد.
ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية
والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست
أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا
إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد
تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة،
فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من
الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك
ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد
والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية. |