|
ابواب التآخي |
كلمات تلفظ أنفاسها الأخيرة
قصيدة (المقتلة) للشاعر عبد الهادي فنجان الساعدي من ديوان (نبوءات مبكرة)
كرم الله شغيت
يأتي ديوان (نبوءات مبكرة) للشاعر عبد الهادي فنجان الساعدي الصادر عن دار
المرتضى متأخرا عن الزمن الذي كتبت في النبوءات، ولكونه الإصدار البكر
للشاعر فقد حرص الشاعر على أن يضمنه باقة مختارة من قصائده، وقد ضم تسعا
وعشرين قصيدة مثلت قصيدة ( المقتلة ) حوالي خمس حجم الديوان ،الأمر الذي
يعطيها ميزة مهمة لتمثيله خير تمثيل ، ولو أني قد قمت بتسليط الضوء على
جوانب فنية أخرى في الديوان في مقالة ثانية اهتمت بمفردات النهايات القصوى،
إلا أن هذه المقالة تطمح إلى أن تكشف عن جانب آخر، ألا وهو إدارة الشاعر
للقصيدة الملحمية الطويلة والإمساك بزمامها حتى لا تفلت من يديه، فالعديد
من القصائد الطويلة يمكن أن تظل مجموعة من الأبيات المتراكمة تمثل موقفا
واحدا ،وتكديسا لمزيد من الصور ذات المعنى الواحد والصياغة اللغوية
المختلفة، ما لم يتهيأ لها فنان مقتدر، وقد دفع الشاعر تلك التهم عن قصيدته
بإتباع أساليب عديدة منها/هيكلية القصيدة التي تقوم على تعدد المقاطع
واستقلال كل منها بنص مستعار يتصدره/والتنوع في المواضيع المطروحة،والتي
تصب في مجرى الموضوع الأساس، وهذا يجيب على التساؤل الذي طرحه الأديب جبرا
إبراهيم جبرا بقوله (ما أخطر القصيدة الطويلة على صاحبها وإزاءها سوف
نتساءل هل لدى الشاعر من الصور والمعاني التي لم يسبقه إليها أحد ما يكفي
لطولها؟)/وكذلك الحرص على ربط المواضيع ببعضها و عدم انفراط عقدها /و
اعتماد الشواهد الحية التاريخية والمعاصرة المرتبطة بقضيته، يقول مايكوفسكي
في ملحمته (بأعلى صوتي):( أنا الذي سأتحدث /عن الزمن /وعن نفسي) نعم هذا ما
تحدث عنه الشاعر في (المقتلـة) وفي القصائد التي مهدت لها، تحدث عن زمنه
ونفسه وأحبته وأصدقائه الذين سيجد القارئ لهم مصاديق كثيرة في من
حوله/وأخيرا لابد من الإشارة إلى أدوات التوصيل التي استعملها الشاعر في
طرح قضيته بجعلها ذات فعل مؤثر ومطور للاتجاه الموضوعي العام في القصيدة.
استعراض القصيدة:
1. في البداية صورة مستعارة لنهاية الوقت المحدد لشيء ما فانتصاف الليل
يعني الدخول في اليوم التالي، وما من شيء يأتي.في هذه الصحراء، التي كانت
أنهارا من عسل، وخمر ولبن، وكلها استعارات مصادرها قرآنية. (أما الآن فنهر
واحد) كناية عن الاستبداد الذي أنتج تغيير الحقائق (فالقتلى أضحوا
شهداء)ويصّدق العالم ويردد ذلك لأنهم ببغاء.إذن المقطع الأول تمهيد لخلفية
المقتلة ،وكيف هيأ الطاغوت عقول الناس لتقبل ما يمليه عليهم،ولو أن الشاعر
كان قد مهد لموضوعه بقصيدتين منفصلتين جاءتا قبل قصيدة (المقتلة)، وهما(ما
قبل المقتلة، و بداية المقتلة).وقد ظهر في النص مستويان الأول في قوله
(كانت انهارا من عسل اصفر) والثاني في قوله (أما الآن فنهر واحد).
2.المقطع الثاني يستعير شعار الحركة الهيبية(أعمل حبا لا حربا) ويدين به
عمل الطاغوت الذي هيأ به الناس لتقبل الحرب ويتمنى أن يكون قد هيأهم لصنع
الحب .المستوى الأول في النص الصفات المظهرية السلبية لأفراد الحركة
الهيبية ،والمستوى الثاني استعارات تلك الصفات لتعرية الزيف الذي يملأ
العالم .
3.يرسم صورا شاعرية مقطوعة بالإحساس بالشيء القادم (قد يكون السجن أو
الموت) لقتل اللحظات السعيدة(أي حتى في اللحظات السعيدة والشاعرية هناك
إحساس بالغصة)،إذن فالمستوى الأول للنص هو الصورة الواقعية الحاضرة التي
يعيشها الشاعر والمستوى الثاني هو الإحساس الذي يراود مخيلته وهو مختزن من
صور سابقة غادر فيها عالمه ذا السعادة المبتورة (حيث تركت البهجة تهوي
كقتيل)ص/99.
4.استعارة لأغنية/قصيدة كليوباترة واستبدال بعض مفرداتها بنقيضها (أي حلم
من أغانيك المرار) لتحقيق الغاية الشعرية، واستدعاء شخصية أخرى بعيدة عن
موضوع الأغنية (فرعون) لكنها مرتبطة بها مكانيا وتخدم موضوع القصيدة
الأساسي (الطاغوت).وتتصاعد مستويات النص من الحزن كمستوىً أول(كليوباترة
أنني اليوم حزين) إلى النزيف كمستوىً ثان ٍ(أنني اليوم نزيف).
5.في أغنية إسبانية يعود إلى وصف الحالة النفسية والتأكيد على الشعور
بالكبت وفقدان وسيلة الاتصال وهي تعني العزلة. يقدم المستوى الأول للنص
صفات الأغنية الأسبانية(حزينة تطرب حد اللعنة،صاخبة،تتخذ من الكَيتار أداة
للتوصيل) ثم يستعير في المستوى الثاني أدواتها وصفاتها لوصف الشعور أعلاه
كما حصل مع صفات الهيبيين في المقطع الثاني للنص.
6.يستأنف الشاعر ما بدأه في المقطع الثالث ولكن بصورة أكثر وضوحا وبإيجاز
فهي مرحلة حياتية ومقارنة بين مرحلتين تتشابهان ولكنه فيهما مختلف، فهو في
الأولى طلِـق وحزين بينما لم يعد كذلك في الثانية، وهذا هو المستوى الأول
أما المستوى الثاني لهذه المقارنة في المرحلة الأولى (الأمس)كان الدرب
حزينا وفقيرا واليوم أكثر حزنا وفقرا. وقرارات تراود النفس، المستوى الأول
لها الرغبة بأن يحزم أمره ويموت والثاني يقين بحتمية الموت في دائرة الهلاك
الجماعي( القتل العسفي) وهو إحساس كان يراود الجميع حينها ص/103(يا أيتها
اللحظات الثكلى /إني مقتول ). وشيء من عدم وضوح الرؤيا المستوى الأول له
اليقين بحتمية الموت والثاني عدم معرفة النهاية ص/102 (وأنا موهن ومعلق/لا
اعرف خاتمتي).ويلاحظ هنا التداخل بين مستويات الجزأين الأخيرين من النص
ومجيء( اليقين بحتمية الموت ) في المستوى الأول مرة وفي الثاني مرة أخرى.
7.عودة إلى عدم وضوح الرؤيا والضياع والفراغ وقتل اللحظات، وهو ما عبر عنه
الشاعر بالخواء، المستوى الأول (الخواء الداخلي)يتمثل في حياة الشاعر
ولياليه الخاوية(وحياتي خاوية/أين الجدوى...اللا جدوى) و(خاوية كل ليالي
لعشق المومس)، والمستوى الثاني(الخواء الخارجي)و يتمثل في الطرقات
الخاوية،والطريق هنا هو الخلاص، فأمام جسامة المسؤوليات الشخصية يبرز البحث
عن الخلاص وقد يكون الحل هو الغربة التي يشير إليها ولا يستطيع أن يسميها (
لكني خائف يا ولدي أن أنسى وطني).
8.هنا يشير بوضوح إلى الخلاص الذي سبقه الغائبون في اكتشافه ولم يتبقَّ إلا
طيوفهم فهم إما متغربون أو موتى أو في زاوية من زوايا الأرض التي انقلبت
إلى معسكرات.ويظهر المستوى الأول للنص في تأرجح اليقين بالرؤية (لعلي أرى
أو لن أرى ) ويتطور في المستوى الثاني الى اليقين بعدم الرؤية (لكنني قلت
لن أرى).
9.توجيه الخطاب إلى الحجاج ثم إلى عينه إشارة إلى هيأته (النقاب) التي قال
فيها مقالته المشهورة (أنا ابن جلا )، أما الكوفة والبصرة فتشيران إلى
العراق لأنهما علامتا الدولة ( الحكم)في عصره، إذن هو يتحدث عن الحاكم،
وماذا فعل الحاكم، سيقوم الشاعر بتعداد ذلك في مقطعه هذا...الحرب، تبديد
الثروات، الاستئثار بالسلطة...الخ.والمستوى الأول للنص هو ظهور الحجاج
الشخصية والحدث لإحراز الفائدة الموضوعية في المستوى التالي الذي ضم أفعال
الحاكم.ثم يعود إلى الإشارة إلى فكرة الرحيل التي تراوده وهي حلم الخلاص من
كل هذا ولحظته لابد أن تأتي وفي استعماله للفعل المضارع((اللحظة تأتي لا
ريب))إشارة إلى اليقين0
10.يعود إلى استعمال الفعل المضارع((وتحين اللحظة لابد))وتتوالى الأحداث،
والطاغوت باق بطلا أسطوريا أبديا يخطط لمقتلة أخرى، وهذا هو المستوى الأول
للنص، أما الثاني فهو القلق من الغد والذي راود خيال الشاعر منذ الأسطر
الأولى.
11.في هذا المقطع نحن أمام لوحتين جورنيكا بيكاسو ، وجورنيكا الشاعر،
الأولى لونها أسود وتحكي مقتلة الإنسان ، والثانية نسخة من الأولى أغرقها
الشاعر باللون الأحمر كي تحكي نزيف الأرض والعمر فهو لا يرى اللوحة إلا
نازفة والمقتلة تتسع والأرض تفرغ إلا من طفل الطاغوت الذي لبس ثياب
الأنبياء0إذن لوحة بيكاسو تحكي وهو المستوى الأول للنص ولوحة الشاعر تنزف
وهو المستوى الثاني له، وقد أراد بذلك للوحته أن تتفوق على الجورنيكا عندما
أضاف لها اللون الأحمر0
12.التسبيح للطاغوت كناية عن التقديس والجوقة التي تسبّح تعطي قائمة مفتوحة
للمسبحين وفي هذه الليلة(ليلة الشاعر)، الشاعر ينوء بأحماله....الثلاثين
سنة من عمر الطاغوت، والطفل والزوجة والأهل، وينوء بحمل رغباته الخاصة
وينوء بصمته((تتهدل حنجرتي من كثرة ما اختزنت))، وقلبه يختزن المشاهد
المؤلمة من أفعال الطاغوت وهي اصطناع الأمجاد الزائفة، والمزايدات، وتغيير
الحقائق الذي أشار إليه في المقطع الأول فالقتلى أضحوا شهداء، وبالأوسمة
تصنع الأبطال وتكافأ بها التضحيات وتدفع دية عنها0 تتوزع مستويات النص بين
الطاغوت والشاعر،فالأول للطاغوت: صيرورته ملكا والناس عبيده(ملكا صرت وصار
الكل عبيدك) والثاني قيامه بالتزلف للناس(والملك الضليل يتزلف للناس بأموال
يزيد).أما الأول للشاعر: فهو الأحمال التي ينوء بها(وأنوء بحمل ثلاث قرون
في قلبي) والثاني: التسليم للعاقبة التي وعد الله الظالمين (وسيعلم الذين
ظلموا.....).13و14.ينتقل الشاعر في المقطعين الأخيرين إلى الحديث عن
نموذجين من ضحايا المقتلة قريبين إلى نفسه وهما الشاعر القتيل والأخ (شهيد
بهد ينان).وقد توزعت مستويات النص بين الشاعر والشخصية كل على انفراد،
المستوى الأول للغلام القتيل كيف مات وكيف عاش، والأخ الذي يربض في ربوة من
ربوات الوطن المحتل،والمستوى الثاني للشاعر الذي بدا منفردا ووحيدا ينتظر
من يسمع منه الخبر المجنون.قصيدة (المقتلة) قصيدة ملحمية يختصر فيها الزمن
بليلة واحدة، ويتسع فيها المكان حتى يصبح كل زوايا الأرض، ويضيق حتى يتمثل
بلوحة(ص/110)، وإذا كانت الليلة حاضرة في كل القصيدة فهي على اختصارها
للزمن حبلى بالأحداث وبالمجهول (ص/109)،والأفكار فيها ملغمة والكلمات
متفجرة (ص/116)والشاعر فيها مستلب وغريب (ص/121)ومثقل بالأحزان والمسؤوليات
(ص/115)، يسند رأسه ويفكر (ص/116)، ينتظر أي شبح يرفع عنه الحزن (ص/124)،
يقلقه الغد (ص/110) فيتمنى أن تدوم الليلة حتى موته (ص/122)، وهنا يستطيل
الزمن في أمنيات الشاعر بعد أن كان مختصرا، فقد حاولت القصيدة أن لا تقيد
الليلة بزمان معين بل كانت تمثل كل ليلة ارتبطت بحدث حفرته في ذاكرة الشاعر
فالليلة هي التي يكتب الشاعر فيها عن وحشته ص/121(أكتب هذي الليلة أني
مستلبٌ وغريب) ويتذكر فيها أحبابه ص/201(فشهيد الليلة أكبر من كل
شهيد).و(المقتلة) التي أراد لها كاتبها أن تحكي قصة شعب ينزف قدمت لنا
موضوعا ذا محاور ثلاث:
المحور الأول/الطاغوت : وفيه تحدث الشاعر عن دوره في هذه المقتلة وكما يلي:
1.التهيئة للمقتلة/وفيها عندما بدأت أول ظواهر الاستبداد عنده والذي عبر
عنه الشاعر بالنهر الواحد ص/95(أما الآن فنهر واحد/نهر همجي)، ومن ثم تهيئة
الشعب لتقبل الحرب، حيث أصبح الشعب (نائما) كما في ص/97، يتقبل ما يملى
عليه كما في ص/96(فالقتلى أضحوا شهداء)،ثم تكريس طقوس البطولة ص/115(والملك
الضليل يتزلف للناس بأموال يزيد/ويقلد هذا درعا بدل الرجل المقطوعة/ ويقلد
سيفا للآخر بدل اليد)، وكذلك ترسيخ مفاهيم المجد والخلود ص/115 (آه يا شيخ
الأمجاد الممسوخة....والأرقام الجوفاء/آه لتاريخ لا يكتب إلا للدجالين)،
ويتمنى الشاعر لو كان الطاغوت قد هيأ الشعب لصنع الحب لا صنع الحرب
ص/97(جئن بشعب يصنع حبا أبديا/لا شعبا يصنع حربا من غير قرار).
2.الاستئثار بالسلطة ص/106(من يدري أن الأعور والساذج والطفل /سيحكم في أرض
الكوفة) وتبديد الثروات ص/107( والصحراء يلوثها الحالم بالثروة) والحرب مع
الجيران ص/107(من يدري أن خراسان سيغزوها عاهر) والتخطيط لمقتلة ثانية
ص109(ويهوذا الليلة يشرب نخب المقتلة الأخرى).
المحور الثاني/المقتلة:وهي من أفعال الطاغوت، وقد ظهرت في النص في بؤر
ثلاث:
1.الزمان:وهي الليلة التي تحدثنا عنها(ليلة الشاعر)، والزمان الذي سبق
المقتلة وتداعياته في نفس الشاعر ص103/بالأمس..كان الدرب حزينا/كان الدرب
فقيرا/ واليوم..أكثر حزنا..أكثر فقرا..
2.المكان:ويمثل المقتلة بمعناها(الواسع) وهو نوعان( واقعي) ويشمل كل الأرض
التي جرت عليها أحداث المقتلة، و(متخيل) وهو السجن الذي كان يراود الشاعر
كما في ص98/(وأنا موقن أن السجن قريب) و( يا سيدتي لو كنتِ ذهبتِ هناك) وفي
ص102/(والسجن كطاقية الإخفاء).
3.اللوحة:وتمثل المقتلة بمعناها( الضيق) وقد ميزنا بين لوحتين الأولى
شاهدها الشاعر وتأثر بها وأرادها لنفسه وهي تحكي مقتلة الإنسان، فالظل
والضوء فيها يمزقان الأماكن بحدة وتجتاح شخوصها انفجارات عاطفية، وثورية،
احتجاجية، ومأساوية، تستوعب كل التفسيرات. واللوحة الثانية خلقها بتغيير
البناء اللوني للوحة الأولى مضيفا إليها اللون الأحمر فهي في خياله لم تكن
إلا نازفة، أنظر الجورنيكا ص/110.يقول بيكاسو: (كان الاعتداء على الجورنيكا
بداية عدوان ضد الإنسانية)، ولذلك فقد أراد الرسام للوحته (والشاعر
لقصيدته) أن تكون شهادة مؤثرة وعميقة وصادقة عن ارتباطه بالمصير الإنساني
وعمق جذوره بوطنه. المحور الثالث/الإنسان:وهو الجزء الذي انعكست عليه آثار
المقتلة وقد وصف الشاعر مأساته عبر نماذج إنسانية قريبة إليه:
1.الشاعر نفسه:وصفت القصيدة الأحاسيس التالية لدى الشاعر والتي أفرزها وقع
المقتلة عليه: (أ).الإحساس بالغصة: ص99/حيث تركت البهجة تهوي
كقتيل.(ب).الكبت والعزلة:ص101/لا أملك حنجرة/ولا حتى كَيتارا/حزني يملؤني
كأغانيكم.(جـ).عدم وضوح الرؤية والتناقض:ص104/و أنا موهن ومعلق...وأكاد
أجن/ص102/وأنا موقن أن الحزن قريب /والموت قريب ـ يقول بعدها ـ
لا أعرف خاتمتي.(د).المسؤوليات والأحمال الثقيلة والرغبات
الشخصية:ص115/وأنوء بحمل ثلاثين/ وأنوء بحمل الطفل ..الزوجة/ وأنوء بحمل
الأهل..وليلة سكر صوفية/ وأنوء بحمل ثلاث قرون تسجن في قلبي/ وأنوء بحمل
الكلمات.(هـ)اليقين بحتمية الموت:ص103يا أيتها اللحظات الثكلى/إني مقتول ـ
و كما مر في ص102/ (الموت قريب).
2.الأخ (شهيد بهدينان):وهو شهيد ليلة الشاعر التي اشرنا إليها وهو اكبر من
كل شهيد(ص121).
3.الصديق ( الشاعر القتيل):صاحب الأسطر الطويلة التي مات ولم يترك
غيرها(ص120) لتحكي قصة شعب مسكين(ص119).
أدوات التوصيل في النص:
ظهر في النص العديد من الطرق لاستخدام أدوات التوصيل والتي أشرت إليها في
المقدمة منها مجيء الأداة كما هي بدون أي إضافة كما حصل في استعارة الصفات
السلبية للحركة الهيبية و الصفات الايجابية للأغنية الأسبانية ،والشكل
الآخر استخدام الأداة والإضافة عليها مثلما حصل في لوحة الجورنيكا عندما
أضاف إليها اللون الأحمر.ومن أدوات التوصيل الأخرى الشواهد والشخصيات وهي
نوعان تاريخية متسلطة مثل الحجاج والفرعون ومعاصرة متسلطة مثل الطاغوت
ومضطهدة مثل الشاعر نفسه والأخ والصديق. ولقد حرص الشاعر على بناء شخصياته
التي قرأ عنها أو عاصرها بناء يدل على سعة خزين ذاكرته عنها.
وهذا الأمر لا ينطبق على قصيدة المقتلة فحسب بل يشمل شخصيات أخرى حفل بها
الديوان مثل الحلاج والسياب وغيلان ...الخ. وأخيرا فلقد صدّر الشاعر مقاطع
قصيدته بمقتبسات من الموروث الشعري والآيات القرآنية والأمثال وهو غالبا
أما مقتنع ٌبأنها تمثل أفكاره خير تمثيل أو أنه يريد أن يبدأ من حيث انتهت
إليه.كذلك وقد أكثر الشاعر من إيراد الهوامش و الشروح التي لا يمكن أن
نعتبرها استعراضا لدائرة معارفه بل إنها تشير إلى الثقل المعرفي الكبير
الذي ينوء به والذي يطغى على وعيه، وقد تحدث عن مسألة الإحالة إلى الشروح
هذه الكثير من النقاد، وخلاصة قولهم انه ليس هناك تناقض بين الشعر والمعرفة
إلا في حالة تحول المعرفة إلى غاية والشعر إلى وسيلة فيرمي الشاعر كرته في
ساحة اللا شعر، وقد أدرك الشاعر تلك المسألة فكانت هوامشه حاضرة لدفع
الغموض عن استعاراته.
|
منظمات الشباب ودورها في تحديد مستويات الوطنية والقومية
د. محمد صالح الامين
من المعلوم ان الشباب هو القوم المحركة والفاعلة في كل مجتمع. والشباب في
تاريخ كفاحنا كشعب كان له دور كبير في مواجهة التحديات التي كان يواجهها من
الاحتلال الانكليزي, وقبله من الاحتلال العثماني. وكذلك من الاقطاع
والراسمالية المستغلة والرجعية. حتى استطاع في كفاحه هذا واستمراره على ذلك
ان يجعل الشعب هو سيد الموقف, وهو الذي يقود البلد نحو حياة افضل, بما يؤدي
الى التحاقه بالعصر الحديث والاعتبارات الحضارية.
والشباب يقوم بدوره الطبيعي هذا لانه اكثر واقعية وقابلية ووعيا, واكثر
تقبلا وادراكا للمفاهيم والمتغيرات الحضارية الجديدة التي تحدث في مجتمعنا
باعتباره جزءا من المجتمع الانساني المتطور.
من هنا نجد ان الشباب له دور رئيس وفعال في القضاء على مخلفات الماضي
البغيض, وعلى الامراض الاجتماعية الموروثة. وللشباب ايضا دور اساسي في بناء
المجتمع وتطويره وفق اسس حضارية جديدة قائمة على مبدأ (تكافؤ الفرص) بين
الافراد, وعلى المفاهيم الديمقراطية للحكم, وتحديد العلاقة الاجتماعية بين
الافراد, وبين الافراد والسلطة السياسية.. لذلك يكون الشباب من اهم العناصر
الفعالة النشطة في المجتمع.. وعليهم واجبات اساسية تجاه انفسهم وتجاه
المجتمع الذي يعيشون فيه بتطوير حياته ومعالجة مظاهر التخلف والسلبية
والتواكل والانتهازية التي كان ولايزال يعاني منها كثيرا.. وهكذا فأن
الشباب كطاقات اجتماعية فعالة يكتسبها نتيجة الظروف التي يمر بها. وكلما
كانت الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيشها الشباب مواتية
وسلمية, كلما كانت طاقات وامكانيات الشباب الفكرية دائما في نمو وتطور
وتفاعل. معنى هذا اننا نستطيع دائما في تشكيل وتكوين قدرات وطاقات الشباب
على النحو المحقق لاهداف المجتمع في النمو والتطور.
وهناك كثيرون يتكلمون عن المشاكل او الانحرافات التي يعاني منها الشباب من
دون ان يبينوا اسبابها والحلول المناسبة لها. وفي تقديري ان الحكومة هي
التي تستطيع ان تضع الحلول اللازمة لهذه المشاكل ان وجدت. فالمشكلة هنا لا
تكمن في الشباب نفسه وانما في كيفية تنظيم المجتمع, وفي اهتمام المسؤولين
الذين يجب ان يبدوا اهتماما حقيقيا في ذلك. وان يضعوا الحلول المناسبة
والصحيحة قبل ان تتفاقم هذه المشاكل.
ان هذا يؤكد لنا بضرورة تفهم الشباب وتفهم مشاكلهم, والعمل في وسط الشباب
باستمرار, وعدم تركهم قلقين لا يعرفون مصيرهم او لا يفهومون الصورة التي
حولهم, والتطورات والتغيرات الحضارية التي يسير فيها العالم في الوقت
الحاضر.. وبذلك فأن منظمات الشباب في بلادنا يجب الا تكون مجرد تربية
رياضية, بل هي تربية عقول الشباب وتوجيهها التوجيه السليم والقويم. أي ان
توجيه الشباب يجب ان يتجه الى تثقيفه بالحياة وبالمبادئ وبالقيم التي يؤمن
بها المجتمع المتطور المتمدن. ويريد ان يستخدمها كطريق او وسيلة لبناء هذا
المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وقد اصبح على كل فرد الان ان يتفهم
القضية السياسية التي يعيشها المجتمع.. واصبح العمل او النشاط السياسي هو
في الحقيقة العمل الاجتماعي.. ولقد كان العمل السياسي في مفهومه القديم
وفقا على اساس الصراع الطبقي والصراع على السلطة والحكم. وكانوا دائما
يقولون ويتجهون ان الشباب يجب ان لا تكون له علاقة بالسياسة. ولكن هذه
السياسة في المجتمع الجديد اصبحت في حقيقتها هي مشاكل بناء هذا المجتمع
وتنميته اقتصاديا. اذن يجب على كل فرد في المجتمع, وعلى كل شباب بما له من
طاقات ثورية ان يساهم في هذا العمل السياسي. سواء في المجال الداخلي او على
المستوى الدولي. لان حياة المجتمع الداخلية مرتبطة ارتباطا دائما بحياته
الدولية. وانه ليس بالامكان ان نفرض على أي فرد عدم العمل في السياسة. لان
معنى هذا انه لا يناقش مشاكل المجتمع او المشاكل التي تحيط ببلده,
وبالتحديات التي يحاولون فرضها عليه من الخارج.. اذن عملية التثقيف السياسي
والفكري هي عملية اساسية. لانها من اهم الواجبات الاساسية لافراد المجتمع
وللشباب بصورة خاصة.
كما يجب ان نكسب الشباب المهارات التي يستطيع ان يستخدمها في تطوير حياته
ومستقبله. ويستطيع عن طريقها ان يطور حياة المجتمع الذي يعيش فيه. وعلى
الحكومة دور كبير في هذا الخصوص. ويجب ان نرتفع لمستوى الصناعات الريفية
لانها نوع من اكساب المهارات للشباب. واكسابه بهذه المهارات لن يفيده فقط,
بل يفيد المجتمع ايضا. وهذا ما هو معمول به في كثير من الدول المتطورة. ففي
(سويسرا) مثلا نجد ان عملية صناعة الساعات تتم في داخل البيوت. وهذا نوع من
المهارات الدقيقة التي لها اساس في بناء المجتمع وتطويره. والحال كذلك في
(اليابان) بالنسبة لبعض الصناعات الالكترونية.. وفي الصين توجد صناعات
الصلب والحديد داخل القرى المختلفة. وكل قرية تنتج جزءا معينا من الالة.
وهناك مصنع في مدينة مجاورة يقوم بتجميع هذه الاجزاء وتركيبها. لذلك نجد ان
الشباب يستطيع ان يخدم نفسه ويخدم المجتمع.. ويجب باستمرار ان نعمل على
تطوير هذه الصناعات والمهارات, واكساب مهارات جديدة لشبابنا, خاصة شباب
الارياف.
ويجب ايضا اكساب شبابنا القيم. أي ان نغرس فيه مبادئ وقيم انسانية وروحية.
فننمي فيه النقد الذاتي والموضوعي. وكذلك نعوده على العمل الجماعي ونبرز له
اهميته. كما يجب ان نغرس في الشباب التفكير العلمي. معنى هذا الا تؤخذ
الامور كمجرد ظواهر. مثلا في الارياف وحتى في بعض المدن يشاع او يقال (اسأل
مجرب ولاتسأل طبيب) وهذا يعني عدم وجود تفكير علمي. فيجب ان نقضي على هذه
النغمة وعلى المشعوذين الذين يحاولون معالجة الامراض بطرق واساليب بعيدة عن
الاسلوب العلمي. وهناك امثال وعبارات كثيرة في هذا الخصوص. ومن الطبيعي انه
عندما نأخذ بالاسلوب العلمي نستطيع ان نحدد الطريق ونحدد اثاره والنتائج
التي يمكن الوصول اليها.. فخطط التنمية مثلا هي اسلوب او منهج علمي نتمكن
بموجبه تحقيق التنمية الاقتصادية في المجتمع. فعندما نضع خطة في مجال
الصناعة, فنحن نعرف انه في عام كذا سنحقق دخل مقداره كذا. ونستطيع ان تحقق
ارتفاع في مستويات المعيشة مقداره كذا.. اذن عملية الخطة هي نوع من الاسلوب
العلمي في تطوير الحياة.. ويجب ان نغرس النزعة العلمية في نفوس افراد
المجتمع. بحيث ان كل واحد منهم يعتبر ان العلم او المعرفة هي الاساس في
التطور والتقدم. وهي الاداة التي بموجبها تستطيع المجتمعات ان تبني حياتها.
فلا يمكن فرض التقدم بالتواكل, بل بالاسلوب العلمي, وايجاد النزعة العلمية
في الشباب وفي جميع افراد المجتمع.. بهذا يكون بيدنا السلاح الذي نجابه به
التحديات التي تواجهنا.
وبالطبع فأن هذه الامور يجب ان نغرس في الشباب ليس فقط في المدرسة ومعاهد
التعليم, ولكن في كافة نواحي الحياة. في مكان العمل.. في الحقل والمزرعة.
والمعمل او المصنع. بل يجب ان تمتد الى محاولة استغلال اوقات الفراغ لدى
الشباب, ومحاولة اكسابهم هذه المهارات وهذه القيم والمبادئ, وذلك على اساس
تفهم ميول كل شباب واتجاهات تفكيره وحياته. وندرس الفئات المختلفة من
الشباب. لان شباب الريف له ميول معينة. وهي تتميز وتختلف عن ميول واتجاهات
شباب المدن. والعمال والفلاحون لهم ايضا ميول معينة. وهكذا يجب ان ندرس هذه
الميول, ونحاول ان نعطي لكل بيئة او جماعة المهارات التي تستطيع ان
تتقبلها. وبذلك نستطيع ان ننظم الخدمات التي تقدم لهؤلاء الشباب. هذا
ويلاحظ هنا ان للشباب مجالات عمل كثيرة ومختلفة. ففي الاسرة يكون للشباب
دوره في تكوين وقيام الاسرة السليمة التي نعتبرها الاساس لقيام المجتمع
الصالح. وذلك عن طريق توجيه الشباب الى معالجة المشاكل الاجتماعية داخل
الاسرة او خارجها. او توجيهه الى منع قيام هذه المشاكل.. وفي المدرسة او
الجامعة كذلك للشباب دور فاعل.. وقد اصبح التعليم الان بخلاف الماضي, واجب
وحق. ويجب ان يتجه الشباب بحرية وبأيمان بأهمية العلم وضرورته في بناء
وتنشئة الجيل الجديد. ويجب على قيادات منظمات الشباب ان يقوموا بدور كبير
وفعال في مجالات التعليم المختلفة. وذلك عن طريق ايجاد وتكوين الروح
الجماعية في المدرسة او الجامعة. وفي منع أي (تهريج) ودعم النظام واحترام
القانون. وكذلك في تنشيط الرحلات والمعسكرات الطلابية.وللشباب ايضا له دور
في النواحي الاقتصادية في المجتمع. فيجب ان يوعي الشباب بأهمية زيادة
الانتاج. وبأهمية وقيمة العمل. ويجب على منظمات الشباب ان تقوم بحملات
اساسية للقيام بهذا الدور الذي نواجهه حاليا وهو مشكلة الانتاج وزيادته..
وفي مجال الصناعة والزراعة يجب ان تقوم هذه المنظمات بتوجيه العمال الى
واجباتهم ودورهم في زيادة الانتاج الصناعي والزراعي.. كما يجب ان يساهم
الشباب في المجالات الاجتماعية المختلفة, كعمليات التثقيف وتقديم الخدمات
وتطوير القرى والارياف التي ورثت اوضاعا مأساوية قديمة. وكلنا يعرف معسكرات
العمل ودورها في تحقيق اهداف خطط التنمية وفي التعمير وفي مشروعات التشجير
وبناء المدارس والمؤسسات الصحية المختلفة. فهذه كلها وسائل كي نحبب شبابنا
في الريف وفي المدن, وندربهم على حقيقة الحياة الجديدة.ثم يأتي بعد ذلك دور
التركيز على الناحية التثقيفية والفكرية في حياة الشباب. لان ذلك يجعل
الشباب يتفاعل في حياة مجتمعة, ويلعب دورا اساسيا في الحياة السياسية
للمجتمع. لان في ذلك بناء المجتمع نفسه وتطويره ومنعه من الاتكالية
والسلبية التي كانت مسيطرة عليه في الماضي.من هنا يجب ان تكون منظمات
الشباب وكذلك منظمات المجتمع المدني منظمات جماهيرية تجمع فئات الشباب
والاخرين كالعمال والفلاحين وارباب العمل والمهن المختلفة في اطار واحد
وتنظيم واحد. فهذه المنظمات يجب ان تتسع لكل هذه الفئات وغيرها, حتى تكون
قادرة على ايجاد الوحدة والتضامن بين فئات المجتمع المختلفة. ويمكن في اطار
ذلك او من خلال ذلك تذويب الفوارق بين طبقات المجتمع المختلفة, وكذلك ايجاد
علاقات وثيقة وفاعلة بين منظمات الشباب والمنظمات الاخرى ذات العلاقة,
وباعتبارها مدرسة او هيئة لتربية الشباب والقوى العاملة, ولدفع التقدم الى
الامام بحيث يمكن للشباب ان يستغل كافة قدراته وطاقاته الانسانية
والاجتماعية في سبيل المجتمع وتقدمه. كل ذلك لكي يمهد الطريق لجيل جديد
يقود حركة البناء والتطور في جميع مجالاتها السياسية والاجتماعية والفكرية
والاقتصادية.
|