|
ابواب التآخي |
تجليات المكان في (بيت السيح)
عبدالرزاق الربيعي
لأن المكان يشغل حيزا واضحا في تجربة الشاعر عادل الكلباني لذا فإنه يضع
عند العتبة الأولى لنصه عنوانا إشاريا دالا مستقى من مكان ما في محيطه ,
وهكذا يعمد الى وضعه في العنوان فبعد أن أصدر مجموعة قصصية عنونها ب (الحصن
الأسود) الذي هو مكان أثري يقع في ولاية عبري ونشر عدة نصوص سردية تمتزج
بسيرة المكان حملت عنوان (مقنيات ) وهي قرية عمانية أمضى بها طفولته لاهيا
في دروبها ومقابرها , أقول :نشر شعرية حملت عنوان (بيت السيح) من دار
الفرقد بدمشق وقد تضمنت المجموعة 114نصا شعريا قصيرا مؤكدا قيمة المكان وما
تشكله هذه القيمة في الذات والذاكرة فترد في مجموعته أماكن لها دلالات
شخصية وعامة :الجولان ,جبل الهيام ,المجيديرة ,العراق ,مقنيات ,سيع " إحدى
قرى الرستاق دجلة والفرات " فلسطين وقد لجأ في نصه (فلسطين)الى التورية
ففلسطين في النص إسم إبنة الشاعر التي رحلت محلقة في السماء :
"حلقت في السماء
رأت طائرا أخضر
يخترق الغيوم"
وكما جعل الشاعر بدر شاكر السياب من منزل جده "منزل الأقنان" عنوانا لواحد
من أبرز دواوينه حيث إحتفى بالمكان الأول , بيت الطفولة , فإن الكلباني
يحاول أن يجعل من (بيت السيح ) مكانا يعيده الى سنوات مضت فهو يقول في نصه
(بيت السيح:(
الجمرة التي التهبت
ذات طفولة
تعاود حريقها كل مساء
****
من فوق سطحك يابيت السلالة
سطعت سماء أخرى
تبتهل كخنجر أزرق
كل صباح
*** كان يناجي النجوم السافرة
ضياؤها في زرقة السماء
وتلمع العتمة فوق
وتجول عيناه في المكان ليمسك في تفاصيله فالمكان هنا ممتليء بالطبيعة التي
تحتشد في ذات الشاعر كما كان يرى الشعراء الرومانسيون الذين تعبدوا طويلا
في محرابها , ولايرى الكلباني غيرها , حيث تغيب الكائنات وحتى طائر النورس
الذي ورد في نصه (إنكسار النوارس( يمثل معادلا موضوعيا لحالة الإنكسار التي
يعيشها الشاعر :
"تسلق الغروب في ضيائه الأخير
متصدعا كالنجيع على قمة جبل شاهق
مشتعلا بالجراح
خلف الجبل كان الموج
يصفق على خبطة
جناح نورس مكسور"
ويواصل حواره مع الطبيعة وعناصرها فيخص جبل الهيام المشهور في قرية مقنيات
بنص حمل إسم الجبل عبر من خلاله عن نظرة سوداوية للوجود حيث يقول:
"منذ حلق الغراب بنعيبه على جبل الهيام
الرابض كالجبروت
تكسرت كل نصال الضوء في جسده
يبتل صخره بالعواصف
التي حركت الأشكال
سواه
الأشجار قصمتها الصواعق
في مساء مطير
والبيوت المهدمة أنقاضها في الخرائب
وسلالة أبادتها حروب ونهايات "
والمتتبع لنتاجات الكلباني الذي ينحدر من "سلالة أسف وجراح " كما يرد في
عنوان أحد نصوصه , يلاحظ هيمنة هذه النظرة على معظم كتاباته الشعرية
والسردية , كاشفا عن ثورة تعتمل في داخله , معبرا عن ضيقه بالوجود , وهو
ضيق له مبرراته ففي أول نص في المجموعة (الكسيح) يضع مفتاحا من مفاتيح هذه
النظرة :
"لا أحد يحمل اليتم من فوق بابي
بابي الذي قصفته الريح
ذات نهار بهيج
لم تختف شمسه حتى اليوم
وظل واقفا مستندا على جبل من جراح
لم يتغير شيء في تقاسيمه الرثة
عدا أن الأقدام غيرت الاتجاه"
وتتكرر صفة اليتم في نصه "اليتيم " :
طرق الباب سطع الحنين
كبزوغ فجر
يبتل زجاجه بالبياض
لم يكن بالداخل أحد
لم تكن سوى ذكريات"
,وعلى غرار الشعراء الرومانسيين يحن الى زمن الطفولة الذي تسرب من أيامه
وذاكرته :
"أومضت بروق في السماوات
وطافت غيوم فوق السطح
وهدر الرعد مرارا
أبدا لم يكن طعم هذا المطر
مثل قطرات الطفولة "
لكنه بكل يقين يقول"سيأتي زمن يقودني الى الطفولة" ذلك لأن عينيها ترعى
زرقة السماء:
مستحضرا النخل الأخضر
العتيق ينوس في رياح الصبا
مشرقة كبروق الصيف
مستذكرا أطياف الطفولة يوم تركناها
وحيدة في المواسم
رعدها البعيد يشرخ الصدر بالحنين "
وينطلق ممجدا مظاهر الطبيعة منشدا لها في نصه " سلالة أسف وجراح":
"تبارك النبق الذي أنجبته محنة الرعد
وترنح في العواصف
متدحرجا بالعصافير "
ويتساءل في نصه "مقنيات فاتحة القلب " الذي عاد به الى مقنيات قرية طفولته
التي "تشتهر بحصنها الأسود الذي بناه الملك النبهاني فلاح بن محسن في سنة
792 ه " حيث يقول:
أين ترحل عن قرية تسكنك منذ الطفولة؟
أحن الى بيتك الطيني وسعف النخيل
الى حوش دارك
وحين يقف عند بيت الطين على يمين الشارع الترابي في نصه "الهديل الأخير"
فإنه يراه مغطى بالقذارة محاطا بأسيجة الخشب:
رأيته هذا المساء
مزارا للخراب الأبيض كالكفن
الطير غرد على شجر الحنين
شجر حزين يألفه اليمام "
وحين يلتفت الى ماحوله فإنه لا يرى غير الرموز التاريخية :الحجاج بن يوسف
الثقفي ,معاوية بن أبي سفيان,يزيد بن معاوية ,الحسين بن علي وينظر الى
الشيخ أحمد ياسين
رمزا معاصرا
لكنه مع ذلك يخص الشاعر (سماء عيسى) بنص يحمل إسمه :
القادم من الصحراء
وحيدا ....
مكتظا بذاكرة الرمال
كدمع أصفر قطفته الأحداق
ولوحت به الريح
خريف لا يعرف الهدوء
لا نبوءة العربي أنقذته من التيه
ولا أسفار المسيح "
إن " بيت السيح " تجربة تفصح عن شاعر يحمل هما يحاول من خلال الكتابة أن
يسقط هموم الذات وتجلياتها على المكان الذي يحتويه , هذه التجربة تستحق
التأمل وفك شفرات النصوص.
التمثيل وتاريخه عبر العصور
ابتسام عبد المحسن
التمثيل هو عمل يقوم به شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص من أجل محاكاة
وتقليد أشخاص آخرين أو موقف لغرض وهدف معين ومهمة الممثلون هو تجسيد النص
المسرحي بما فيه من أحداث وشخصيات وأفعال وحوارات بشكل مرئي ومنظور على
خشبة المسرح أمام المتفرجين .
أن فن التمثيل مر عبر عصور تأريخية طويلة فقد بدأ التمثيل عند الإغريق
اليونان على شكل رقصات وحركات إيقاعية يؤديها الممثلون في الطقوس
والاحتفالات الدينية ، وفي هذه الطقوس والممارسات الحركية التي يصاحبها بعض
التراتيل والحوا رات بدأت ملامح التمثيل الأولى ، وقد أعتمد فن التمثيل عند
الشعب اليوناني على قوة الصوت وجماله وحسن تلوينه مع بعض الحركات
البهلوانية والاستعراضية ، كذلك كان التمثيل خطابياً جامداً بسبب عدم وجود
القوانين والمعايير الخاصة لفن التمثيل وقد تنوع التمثيل عند الإغريق إلى
نوعين مهمين وهما التمثيل التراجيدي والتمثيل الكوميدي .
هذا بالنسبة للإغريق أما الرومان فقد تأثر المسرح لديهم بالتقاليد
اليونانية ألا أن الرومان طوروا التمثيل وأضافوا عناصر جديدة إليه مثل
تمثيل الكوميديات الموسيقية والتمثيليات الإيمائية ولكن الطفرة الكبرى في
المسرح الروماني كانت صيغ التمثيل مسخرة لإبراز بطولات الشعب الروماني
والمعارك العنيفة التي يخوضها .
وقد تشابه التمثيل في بعض جوانبه فن التمثيل الإغريقي من حيث استخدام
الممثلون الأقنعة ، كذلك كان التمثيل التراجيدي بطيئاً وغنائياً وخطابياً ،
بينما كان التمثيل الكوميدي أسرع وأكثر حواراً ، بالإضافة إلى أن الأزياء
كانت منوعة من حيث الشكل فلكل شكل تمثيلي أزياءه الخاصة ، أما الموسيقى
فكانت تستخدم قليلاً وإلى حد ما ، لذلك كان جميع الممثلين من الرجال فقط
!..
وقد تغير التمثيل في القرون الوسطى من حيث ارتباط هذا التمثيل بالمسيحية
..، وهكذا أرتبط المسرح بالكنيسة ..، ونتج عن ذلك احتياج الكنيسة ورجال
الدين إلى المسرح والتمثيل أن ظهرت أربع أنواع رئيسية من التمثيليات في
العصور الوسطى وهي تمثيليات الأسرار والتي تعتبر امتداد للطقوس الدينية
لكنها ذات صفة مسرحية ، وتمثيليات المعجزات والتي تعبر عن أفعال وكرامات
ومعجزات القديسين ، والمسرحيات الأخلاقية التي تمثل الخير والشر وصراعنما
في داخل نفس الإنسان ، والنوع الرابع من التمثيليات هي تمثيليات الاستراحة
وهي مقاطع تمثيلية خفيفة تقدم بين أجزاء التمثيلية الواحدة الكبيرة .
وقد تميز تمثيل تلك الصنوف الأربعة من التمثيليات بامتزاج الممثلين مع
الجمهور ، كذلك وجود عدد غير قليل من المنصات وعلى كل منصة يمثل عليها حدث
مسرحي أو تعبر تلك المنصة عن مكان وزمان واحد ، كذلك في تلك الفترة أصبح
الممثلين من الرجال والنساء والأطفال ، كذلك كان التمثيل يتميز بالغناء
والتراتيل وظهر الاعتناء بأزياء الممثل وأدواته في التمثيل .
وفي عصر النهضة حيث ظهرت نهضة شاملة في الفنون ومنها فن التمثيل والمسرح ،
فقد أهتم الأمراء والنبلاء بالمسرح كثيراً ، وكذلك تطورت تقنيات المسرح مثل
العمارة المسرحية والمناظر المسرحية والاضاءه والمؤثرات الموسيقية ، كما
ظهر نوع مهم من التمثيل سمي كوميديا ديلارتي أو الملهاة المرتجلة ، وهي
التي تعتمد على الممثل بالدرجة الأولى الذي يستند في تمثيله إلى فكرة بسيطة
أو حدث بسيط ويقوم الممثلون بارتجال الحوادث حول ذلك الحدث ، أضافة إلى
تميزها بالحركات البهلوانية والإيماءات المضحكة ، أما بالنسبة لشخصياتها
فهي شخصيات نمطية .
في حين أن التمثيل في القرن الثامن عشر أصبح فيه الممثل هو العنصر الرئيسي
في العمل المسرحي ، وظهر مبدأ تصنيف الممثلين إلى مراتب ، فهناك ممثلين
للأدوار الرئيسية وممثلين للأدوار الثانوية وممثلين لأدوار المجموعات ،
كذلك أعتمد الممثلين في هذه الفترة على خبرتهم الخاصة ، وكانت معظم مشاهد
المسرحية في مقدمة المسرح حيث يقف البطل في المركز ومن حوله يتجمع الآخرون
من الممثلين ، وكذلك يوجه الممثل خطابة وإلقائه إلى المشاهد مباشرة ولا
يوجهه إلى الممثلين ، مع استخدام الأثاث والديكور على الخشبة في تلك الفترة
، ومن بين الأعراف التي سادت في فن التمثيل خلال هذا القرن هو أن الممثل لا
يعطي ظهره إلى الجمهور أثناء التمثيل ، كما يلجأ الممثل إلى الصراخ والتأوه
للتأثير على الجمهور .
لكن التمثيل في القرن التاسع عشر أصبح مختلفاً ، فقد أصبح الممثلون
يستخدمون كل أجزاء المسرح بدلاً من مقدمة المسرح فقط ، وأصبح الممثل يعطي
ظهره للجمهور بحسب الموقف المسرحي ، كذلك ظهر في التمثيل مبدأ الإيهام
بالواقع ..، أضافة إلى ذلك اشتهر الممثل بالوقفات الصامته الطويلة أثناء
التعبير عن الموقف العاطفي والانفعالي ..، كما تم خلال هذا القرن بالأهتمام
بالدقة التأريخية أثناء أختيار المناظر والديكوارت ذات الأبعاد الثلاثة
الديكورات المجسمة وليس المناظر المرسومة في مؤخرة المسرح ، فضلاً عن ذلك
تم تقديم واعتماد قوانين التعبير المسرحي حيث ربطت بين العواطف والأفكار
بأجزاء جسم الممثل المختلفة .
أما التمثيل في القرن العشرين فقد شهد متغيرات واكتشافات في مجال الفن
المسرحي ، مثل المسرح الرمزي والمسرح العبثي والمسرح الوجودي والمسرح
الملحمي والمسرح الإيهامي ، وكل مدرسة مسرحية لها طريقة تمثيل خاصة بها ..،
ولكن أهم طريقة للتمثيل ظهرت في هذا القرن طريقة المخرج الروسي ستانلافسكي
الذي يعطي للمل فرصة حقيقية لتفحص الشخصية والاندماج بالدور اندماجاً
كاملاً ..، واعتبار الممثل هو الركن الأساسي في العرض المسرحي ، أما الذي
وقف مقابل هذا التمثيل المخرج الألماني بريخت الذي كان الأساس في مسرحه هو
الفكرة والقيمة وليس الممثل بل الممثل هو مجرد وسيلة لإيصال تلك الفكرة .
في حين أن التمثيل في القرن العشرين أقترب من السلوك من الحياة الاعتيادية
وابتعد عن المبالغة والتصنع ..، وكذلك تعددت أساليب التمثيل وأشكاله
واتجاهاته ، وعموماً تميز التمثيل في هذا العصر بثلاث اتجاهات مهمة أولهما
الاتجاه التمثيلي الذي حاول أن يشبه العمل المسرحي بالصور الحياتية ويقترب
من الإيهام بالواقع ، والثاني الاتجاه التقدمي وفيه يكون التمثيل معبراً عن
الصفة المسرحية له وبعيد عن الحياة ، أما الثالث فهو الاتجاه التمثيلي
التقدمي الذي يجمع مابين الاتجاه الأول والثاني . |
(الذي أكلت القوافي لسانه وآخرون) للدكتور عبد الرضا علي
رشا فاضل
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت صدر مؤخرا للدكتور عبد الرضا
علي كتابه الجديد (الذي اكلت القوافي لسانه وآخرون ) والذي يتحدث فيه عن
شخصيات ومواقف في الشعر والنقد والكتابة وقد كتب مقدمة الكتاب الدكتور
الناقد علي عباس علوان رئيس جامعة البصرة وتضمن الكتاب أربعة وعشرين شخصية
ادبية ثقافية بارزة كان لها دورها وحضورها في المشهد الثقافي العراقي
والعربي . جاءت فكرة الكتاب من مقالات نشرها الكاتب في الملحق الثقافي
لجريدة الثورة الصنعانية حيث كلف بكتابة عمود صحفي لثلاثة اشهر وقع اختيار
الكاتب فيه على شخصيات أدبية وثقافية بارزة وفضل أن تكون متوفاة لأن (ارضاء
الحي غاية لاتدرك) حسب وجهة نظره وقد نشرت نصوص الكتاب في اكثر من دورية
عربية انذاك منها جريدة المؤتمر اللندنية الأسبوعية وغيرها . وعلى الرغم من
الحس النقدي للدكتورعبد الرضا علي الا انه اشتغل في هذا الكتاب على جوانب
انسانية عديدة في تناوله للشخصية ، فنجد ان العناوين للقاريء انه بصدد
مطالعة حكاية فيها من التشويق ما يدفعه للايغال في القراءة لغرض معرفة
المزيد عن الشخصية وقد ساهمت لغة الكاتب التي ابتعدت في مقدمة كل نص عن
اللغة الرمزية النقدية التي غالبا مايعجز القاريء عن فك رموزها في جعل النص
متاحا للجميع وليس نخبويا كما في النصوص التي تتناول نقدا ادبيا خالصا .
تنوعت لغة الكاتب بين السرد السيرذاتي الى الوصف الشيق الذي اجاد فيه وصولا
للنقد الادبي الذي جاء متجانسا مع اللغة الوصفية حيث كانت بمثابة تمهيد
وخلفية لتحليل القصائد المنتخبة مع النصوص فيما بعد وقد منحت مقدمة النصوص
بما احتوته من تفاصيل تخص المبدع مفاتيح للقاريء ليكون مشاركا في تحليل
النص / القصيدة . يعتبر العنوان مفتاحا رئيسيا للنص ومرآة تعكس ملامح المتن
الا أن عناوين هذا الكتاب جاءت تحمل أكثر من دلالة ومعنى حيث انها تسلط
الضوء على جوانب غير معروفة من حياة الشخصية المختارة مثل اختيار الكاتب
لعنوان ( بائع السجائر) فمن العنوان يسابق القاريء الأسطر لمعرفة صاحب
الشخصية وتساهم مقدمة الكاتب البانورامية بجر القاريء الى داخل النص دون أن
يعلن عن اسم الشخصية فيقول : لم يعرف النعيم في حياته فمنذ ولادته لازمه
العسر ملازمة الروح للجسد ، ول يغادره الا بعد ان عرف انه يغادر جسدا مطفأً
، فقد ولد سنة 1875 ونشأ وترعرع في بيت متواضع من بيوت بغداد ، وتعلم فيها
على يد الكتاتيب ردحا من الزمن ، ثم الحق بمدرسة عسكرية وظل فيها ثلاث
سنوات ليس غيرا مفضلا عليها ملازمة شيخه في العلم والدين محمود شكري
الآلوسي الذي رعاه الذي رعاه تلميذا اثنتي عشرة سنة اجازه بعدها ليصبح
معلما في احدى المدارس الابتدائية وبشر بشاعريته واطلق عليه لقب " الرصافي
" نسبة الى منطقة الرصافة التي كان يعيش فيها وتفريقا لجانب الكرخ الذي كان
يعيش فيه شاعرا اخر لقب بالكرخي واسمه عبود . انه الشاعر المطبوع معروف عبد
الغني الرصافي .
ويستمر الكاتب ليكمل سرده وحكايته عن بطل نصه مسلطا الضوء على تفاصيل معتمة
في حياة "بطله" فنحن لانعرف عن الرصافي الا شعره ونجهل الكثير عن خلفيته
كإنسان عانى ماعانى في زمنه فيقول : عاد الرصافي الى بغداد ومات فيها سنة
1945، وكان قبلها يعيش حالة من الفقر والبؤس اضطرته الى بيع السجائر كما
يبيعها الان الاطفال الذين يحملون صناديقهم ، او يجلسون خلفها في الازقة
والشوارع ، مع انه كان شيخا وشاعرا نابغا . ثمة امر لابد من ايضاحه هنا
فالسجائر التي كان يبيعها الرصافي هي " سجائر غازي " وكان صاحب الشركة او
مالكها لايزوده الا بالقليل منها وهذا القليل الذي يبيعه الرصافي لايكفي
لسد رمقه فما كان منه الا ان طلب لزيادة الحصة وهنا تنبه مالك الشركة الى
حاجة الرصافي فطلب منه بيتين على سبيل المزاح يقرّض فيهما السجائر فقال
مرتجلا :
دخن سجارة غازي
في وقفة واجتياز
وجازنصحي بشكر
ان كنت ممن يجازي
وهنا تتجلى بوضوح علاقة العنوان بالمتن وصولا الى شعر الرصافي فيما بعد
وتحليله تحليلا نقديا خالصا بأدوات نقدية يتقن الكاتب استخدامها ، ولابد من
التذكير بأن النصوص التي احتواها الكتاب كانت نصوص محكومة بمساحة معينة
وقواعد معينة تلائم العمود الصحفي لذا نجد ان الكاتب كان مكثفا في تناوله
لحياة الشخصية رغم اجتهاده الواضح وتميزه في اختيار الزواية التي ينطلق نصه
منها وعلى الرغم من ذلك فقد جاء هذا التكثيف في صالح النصوص لأنه ازال عنها
الترهل اللغوي والحشو الزائد ومنحنا في فترة قياسية اهم الاحداث وابرزها في
حياة المبدعين منوعا في اساليب السرد التي تجانست معا ونجحت في اضفاء عنصر
التشويق الذي فقده القاريء منذ زمن بعيد . هذه قراءة احتفائية بمنجز يستحق
ان يقرأ من زوايا متعددة فقد جمع الكاتب فيه القص والتحليل النقدي والنفسي
ايضا وجدير بالذكر ان للدكتور والناقد عبد الرضا علي تأريخا طويلا في النقد
الادبي والعمل الأكاديمي فقد درّس في عدد من الجامعات العراقية ثم انتقل
إلى مركز اللغات - صنعاء وعين وكيلاً لعميد مركز اللغات - صنعاء
9-11-1994م, واضطلع بتدريس اللغة العربية وآدابها في كليتي التربية
والآداب. وحصل على الأستاذية في 6- 4- 1996 وعين بعد ذلك نائباً لعميد كلية
اللغات للشئون الأكاديمية والدراسات العليا , والبحث العلمي ثم كُلِّفَ
برئاسة قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الحرة في هولندا وله من الكتب
المطبوعة ثلاثة عشر كتابا تنوعت بين النقد والبحث نذكر منها : "عبد الرحمن
مجيد الربيعي .. بين الرواية والقصة القصيرة " , المؤسسة العربية للدراسات
والنشر , بيروت 1976م ، " الأسطورة في شعر السياب" , ط1 , وزارة الثقافة
والفنون , الجمهورية العراقية , بغداد , 1978م , ط2 , دار الرائد العربي ,
بيروت , 1984، "الجواهري في جامعة الموصل" , كلمات ومختارات , ط1 , منشورات
المركز الثقافي الاجتماعي بجامعة الموصل , دار الكتب , الموصل 1980م ,
(بالاشتراك مع د. سعيد جاسم الزبيدي).
"نازك الملائكة" , دراسة ومختارات , ط1 , دار الشئون الثقافية العامة ,
بغداد 1987م.
"العروض والقافية ".. دراسة وتطبيق في شعر الشطرين والشعر الحر , ط1 , دار
الكتب بجامعة الموصل 1989م. و (موسيقى الشعر العربي قديمه وحديثه). ط4 ,
دار الشروق , عمان - الأردن , 2007.
"في النقد الأدبي الحديث .. منطلقات وتطبيقات" (بالاشتراك مع د. فائق
مصطفى) , مطابع التعليم العالي / جامعة الموصل , العراق 1989م.
"نازك الملائكة الناقدة" , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , 1995م.
"دراسات في الشعر العربي المعاصر " التوليف والقناع والأصول , المؤسسة
العربية للدراسات والنشر , 1995م.
دراستان في شعر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (بالاشتراك مع د. حاتم الصكر)
المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1998م.
"محاضرات في الأدب العربي الحديث " صنعاء 2000م.
-1أوراق في تلقي النص الإبداعي ونقده ،الأردن , 2007م. اضافة لعدد كبير من
البحوث نذكر بعضها:
"السياب يتحدث عن تجربته الشعرية ", توليف ودراسة , مجلة التربية والعلم ,
العدد الثاني - جامعة الموصل - كلية التربية , شباط 1980م.
والقناع في الشعر العربي المعاصر (مرحلة الرواد) مجلة آداب المستنصرية ,
بغداد 1983م.
"في موسيقى الشعر العربي , محاولات في الابتداع" - مجلة التربية والعلم ,
جامعة الموصل - كلية التربية وبحوث اخرى كثيرة امتدت على تأريخه الاكاديمي
والابداعي الثر .
المدرسة والحرية .. دعوة الى مشاركة الطلبة افكارهم
وليد المسعودي
تعد المدرسة في تكوينها خلية اجتماعية تربوية تشارك مع الاسرة الخلية
الاولى في بث قيم ومعارف واساسيات علم مستقبلي بالنسبة للطلبة انفسهم ،
وقيم المدرسة وتربيتها قد تحمل التماثل مع قيم الاسرة " عائلة الطالب " وقد
تحمل الاختلاف وذلك بحكم ان المدرسة كفضاء مدرسي تعليمي يمتلك المناهج
المحددة وفق رؤية فلسفية ، تربوية معينة في حين ان المجتمع يختلف باختلاف
البيئات والطبقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، والمدرسة كفضاء تربوي
مرتبطة بشكل اساسي بايديولوجيا الدولة وقيمها ، وبالتالي هي تمتلك جاهزها
الخاص بها مع الاختلاف في طبيعة الدولة من ديمقراطية او استبدادية او دولة
اعتدال وتوجيه مركزي .. الخ ، وقد تتأثر المدرسة في مناهجها ورؤيتها
التربوية بقيم المجتمع ، خصوصا اذا كان الاخير يضغط عليها ولا يجعلها تاخذ
طابع الانفصال او الاستقلال في تقديم المناهج التربوية ضمن الشكل الذي يتيح
الاختيار والمشاركة والتراكم والتطور المستقبلي في مجال العلوم التربوية
وتاثيرها على المجتمع ، والمدرسة لا يمكنها ان تتطور وتتغير مادامت تتبع
اساسيات المجتمع دون محاولة اخضاعها للتساؤل والمعرفة والوعي بها ، وذلك
الامر لا يعني ان المدرسة مهمتها النقد الاجتماعي والثقافي بل مهمتها توفير
الاضواء حول كل ما يتعلق او يوجد داخل المجتمع من عادات وتقاليد ومعارف غير
خاضعة للمعرفة ضمن الشكل العلمي ، فمثلا يتم تدريس اصل الانواع والحياة ضمن
الطريقة الحديثة التي تتبع مسارات التطور والانتقال التدريجي من حالة الى
اخرى ومن طبيعة الى اخرى وفقا لاساسيات العلم الحديث الذي ياخذ بنظر
الاعتبار عناصر الزمن واهميتها في عملية التطور ، كل ذلك يختلف عما موجود
لدينا من معارف واصول حول الخلق والتطور البشري من خلال الرؤية الدينية
ذاتها التي تتصور العالم مخلوق وفقا للطريقة العمودية التي تهبط من
المتعالي دون الاقرار بعناصر التطور والتغيير ، وهكذا يكون لدينا اختلافا
منهجيا بين عالم المدرسة وبين عالم المجتمع والعائلة ضمن الشكل الاولي
للتربية ، وذلك الاختلاف غير معرف به او يتم نسيانه من قبل القائمين على
العملية التربوية .
ان المدرسة في توفيرها لعناصر المشاركة مع الطلبة انفسهم وتكوين الكثير من
اجواء الحرية واحترام الاسئلة العادية وغير العادية دليل على ان فضاء
المدرسة اكثر رحابة وتطورا ولا يمكننا ان نتصور ضمن حدود النسبي ان تكون
المدرسة اليوم في العراق تأخذ بنظر الاعتبار اهمية آراء الطلبة واخذها ضمن
حيز الاهتمام او توصيلها الى المؤسسة التربوية العليا ، وذلك لاسباب تتعلق
بعدم الاكتراث بآراء الطلبة وقيمتها في تكوين ملامح شخصيتهم المستقبلية او
لان المعلمين عندما يمارسون العملية التربوية لا يتذكرون انهم كانوا قبل
سنوات في مقاعد الدراسة ، فتتغير سيكلوجيتهم من المتلقي " الطالب " الى
الموجه ، صاحب التاثير والسلطة المعرفية " المعلم " ، وهكذا تتبدل الاحوال
وتصبح مختلفة عما موجود في السابق ، ومدرستنا اليوم لا تعطي مجالا يذكر
للنشاطات اللاصفية تلك المتعلقة بالزيارات الميدانية لمعامل العلم ومصانع
الافكار او تلك المتعلقة بممارسة الطقوس الفنية والمعرفية من خلال التشجيع
المستمر للطلبة انفسهم على الكتابة والابداع . ان مشاركة المدرسة للطلبة
والتعرف عليهم عن قرب يسمح بمعرفة الكثير من الحالات والاوضاع الانسانية
المختلفة للطلبة انفسهم ، وذلك الامر من الممكن ان توفره ديمقراطية التربية
والتعليم في العراق مع تثبيت فكرة الديمقراطية اجتماعيا ، ولان المدرسة تعد
النواة الثانية بعد الاسرة لذلك تكون الغاية في مشاركة الطلبة عبر اجواء
الحرية والديمقراطية في ابداء الرأي وان كان مختلفا عن السياق التربوي
والثقافي للمؤسسة التربوية عنصرا مهما في خلق اجيال طلابية وتربوية في قادم
السنوات تختلف بشكل جذري عما هو سائد اليوم ، وذلك الامر اي مشاركة الطلبة
انفسهم في مجموعة طلابية يراسها المدرس او المعلم ينبغي لها ان تأخذ بنظر
الاعتبار مجموعة اهداف من الممكن ان تساهم في تعزيز عناصر المشاركة وتطور
التجربة وتعميمها على اكثر المدارس ، ومن هذه الاهداف ندرجها كالتالي:
1- التخلي عن جذور المعلم السلطوي الذي يتصور ان التربية قائمة بين اعلى
وادنى او بين موجه ومتلقي ، وذلك التخلي او التجاوز يساعد الطلبة على
التحرر من الخوف وتشكيل القدرة على المشاركة وابداء الرأي دون عوامل رفض
واكراه للمختلف عن سياق المعرفة التقليدية الجاهزة ، والتحرر من الخوف
يساهم في تعزيز النشاطات الصفية ومعرفة الطلبة انفسهم ببعضهم البعض الاخر
من خلال وجود المعلم الذي يوفر قاعدة من الاصغاء والاحترام لاسئلة الطلبة
انفسهم .
2- الايمان بالابداع كجزء جوهري من حياة الانسان وان الاخير لا يوجد دونما
حركة وتطور وتغيير ، والايمان بالابداع يتمثل من خلال تشجيع الطلبة على
عناصر المبادرة والاكتشاف وتجريب العلوم والمعارف من خلال اجراء التجارب
ضمن مجموعة طلابية او من خلال تعزيز دور المشاركة عبر طرح الاسئلة
المتبادلة العادية وغير العادية حول موضوع مدرسي وتكوين حلقات نقاشية بين
الطلبة انفسهم ، وهكذا يكون الايمان بالابداع عنصرا في تكوين ملامح الشخصية
الطلابية تؤثر عليها في المستقبل ولا يجعلها تتحدد ضمن اطر وقوالب جاهزة
الى حد بعيد .
3- والايمان بالابداع لا يتحقق الا من خلال وجود قاعدة للحرية والنقد ،
تعترف بها المؤسسة التربوية وتجعلها في ضرورة من ضرورات التطور التربوي وان
توفير هذه القاعدة يساهم في خلق اجيال طلابية غير متماثلة او متجانسة بل
يحضر فيها الاختلاف والتجديد بشكل مستمر ، وذلك الامر يتحقق من خلال رعاية
نشاطات الابداع لدى الطلبة انفسهم من خلال تكوين مجلة تربوية يتم فيها طرح
المشاكل التي يواجهونها في العملية التربوية وكذلك ايجاد الحلول لهذه
المشاكل ، وذلك الامر من شأنه ان يتيح او يوفر التراكم في الخبرات
والمهارات وتعميمها على اكثر المدارس التي تأخذ بنظر الاعتبار قيمة الحرية
والنقد في طرح الاسئلة والاراء المختلفة ، تلك التي تشجع على حب المعرفة
والاكتشاف الدائمين .
|