|
ابواب التآخي |
دور الفرد في التغيير والوعي الجمعي
كريم الهزاع
مازلت مهموماً في دور الفرد في التغيير ، لذا أقول إذا تجاوزنا
المرحلة الإنسانية التي كان فيها الحكام يستمدون عصمتهم من مفاهيم دينية
وبالتالي يشعرون الرعية بأن أعمالهم مرضي عنها ومستوحاة من سلطة عليا -
الله - إلى أن نفوذ الرجال البارزين الآن المستمد من مفهوم السلطة كسلطة
مشاققة بحيث تستحيل بدورها إلى سلطة تمثلها الدولة.
وإذا وضعنا المزايا الشخصية في حيزها الصحيح نجد أن السلطة مستمدة من طبيعة
شكل الدولة أو العلاقات الاجتماعية بما فيها العلاقة بين الشعب ورئيس
الحكومة الذي تسلم مقاليد تصريف الأمور فالدولة هي قمة الهرم في البيئة
الفوقية والقائد أو الملك أو الزعيم أو الحاكم الذي يتسنم ذروتها أو ذروة
الشكل الجديد للسلطة المشاققة يجسد ذاتياً وموضوعياً الشكل القائم أو
المنشود من العلاقات وهي علاقات موضوعية وبناها بنى أساسية وفق الدستور
والعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم .
إن وصول إنسان إلى السلطة يخضع لاعتبارات شتى تبعاً للمرحلة التاريخية أو
المستوى الاجتماعي ـ الاقتصادي والحضاري. ولكن ما يعنينا ، بالنسبة إلى
الفرد البارز، هو مفهوم السلطة لديه والرؤية التي يسرت له أن يكون له دور
في سياق الأحداث.
والسلطة على صعيد المفهوم التجريبي لا تعدو كونها علاقة تبعية بين إرادة
شخص أو أشخاص يفصحون عنها وتنفى هذه الإرادة من قبل أناس آخرين، وحتى تنفذ
هذه الإرادة يقتضي الأمر أن يعبر هذا الشخص البارز أو ذاك، بإرادته، عن أمر
قابل للتنفيذ وأن يعرف مسبقاً ما هو ممكن وما هو مستحيل فضلاً عن مراعاته
جزئيات وتفاصيل لا حصر لها. وبما أن الحدث، في حال نجاحه، يلغي ضمناً ما
يعارضه اجتماعياً فمن الطبيعي أن تتوارى تلك الاحتمالات فلا يبقى أمامنا
إلا الحدث أو الفعل والإرادة التي أفصحت عن نفسها بمباشرته وإتيانه. إن
الشخص البارز يدخل نفسه في حلبة الحادث التاريخي يحكم ما له من سلطة فهو
آمر ومشارك والعلاقة بين الآمر والمأمور هي ما يمكن تسميته بالسلطة المعبر
عنها بالدولة بكل ما تحتمله هذه الكلمة من مضامين ومعان. والشخصية هذه
عندما تؤخذ بمفردها تحمل في ذاتها بعض الاعتبارات التي تبدو أنها قادت
فاعليتها الماضية وأنها تبرز فاعليتها الحاضرة وتقودها في مشاريعها
المقبلة. وما من أمر يتم في عالم الإنسان خارجاً عن التاريخية والصيرورة
أياً كان المنهج الفكري أو الإيديولوجي الذي يأخذ به الباحث. والإنسان جزء
من الطبيعة ولكن موقفه منها ليس موقفاً تأملياً بل فاعل ، إذ ليس هم
الإنسان تفسير العالم وتأويله فحسب وإنما تبديله وتطويره أيضاً. والمعرفة
ليست مجرد تأمل وانتماء وإنما هي رغبة وسلطة لتفسير العالم . والسؤال الذي
يطرح عن دور الإنسان لا يأخذ هنا إلا معنى واحداً، إذ يعني فقط ما يمكن أن
يصير إليه الإنسان، وبعبارة أدق ما هو مبلغ الحدود التي يظل فيها الإنسان
صانع نفسه. ولا يمكن أن تعرف فردية الإنسان إلا عن طريق مجموع العلاقات
الفاعلة التي يقيمها كل إنسان مع أقرانه ومع الطبيعة . وكل فرد يشكل واقعاً
محدثاً بمعنى أن الفرد، بالمكان الذي يشغله من الطبيعة والتاريخ والمجتمع ،
هو المحصلة الفريدة لمجموع هذه العلاقات، ومثل هذا المفهوم هو الذي يعترف
للفرد بأوفر قدر من النجاح ، إذ لا تكفي معرفة العلاقات الراهنة في نظام
معين، بل تقتضي معرفتها من خلال عملية الخلق. وبذلك لا يمثل الفرد منظومة
العلاقات القائمة آنياً فحسب وإنما يمثل في الوقت نفسه. تاريخ هذه العلاقات
التي أوجزت الماضي برمته. وهكذا لا يعود الفرد تجريداً أو مجرد فكرة عامة
جوفاء وإنما حقيقة معقدة بوصفه المركز والعقد من العلاقات النشطة في
صيرورتها الدائمة. والعلاقات بين الأفراد شأن العلاقات مع الطبيعة ليست
علاقات آلية (ميكانيكية) وإنما هي علاقات فاعلة ومتحركة .
إن الصيرورة التاريخية تلغي استقلال اللحظات والأوقات وسبيلها إلى ذلك أن
تضع، أمام المعرفة، الكلية المشخصة للعالم التاريخي أي النشوء والارتقاء
المشخصين الكليين نفسيهما كموضوع لمنهجية يمكن إدراكها، وفي الوقت نفسه فإن
العلاقات بين النظرية والممارسة، ومعها العلاقة بين الحرية والضرورة، تأخذ
وجهة أخرى فالواقع الذي صنعناه بأنفسنا يخلص عندئذ من أية صفة وهمية، بدرجة
أو بأخرى، لقد صنعنا تاريخنا وإذا كنا أكفياء لاعتبار الواقع بمثابة
التاريخ فعندئذ نكون قد ارتفعنا إلى صعيد يسمح بالتمكن من الواقع "كصنيع"
أنفسنا. وحدة الذات والموضوع، الفكر والكائن، التي أخذ "الفكر" على عاتقه
أمر البرهنة عليها وإظهارها يجد هذا الفكر مكان تحقيقه فيها ويجد جوهره في
الوحدة بين ما يصنعه الفكر بقوانينه وبين تاريخ الصيرورة الواقعية.
إن سيادة الحرية ليست هبة أو هدية تحظى بها الإنسانية الرازحة تحت نير
الضرورة والتي تنالها جزاء ثباتها لها أو أنها أعطية من أعطيات القدر،
الحرية ليست الهدف فحسب وإنما الوسيلة في النضال وبذلك نلمس فيها الإنسانية
، من خلال الوعي الجمعي .
المجتمع المدني والعقد الاجتماعي
عبد الحسين شعبان
تبلور مفهوم المجتمع المدني في سياق نظرية العقد الاجتماعي بما يقابل
المجتمع السياسي، أي المجتمع المؤسس على التعاقد الاجتماعي، فالغاية من
اتحاد الناس في المجتمع المدني، إلى جانب تحقيق الأمن والسلام، هي المحافظة
على ممتلكات الأفراد مثلما يقول جون لوك. وهكذا فحيث يؤلف عدد من الناس
جماعة واحدة، ويتخلى كلٌ منهم عن سلطة تنفيذ السنّة الطبيعية التي تخصّه،
ويتنازل عنها للمجتمع، ينشأ عندنا حينذاك فقط مجتمع سياسي أو مدني.
وقد برزت نظرية العقد الاجتماعي، التي ساهم روسو في ترسيخها ضد نظرية الحق
الإلهي. من هنا اقترنت فكرة المجتمع المدني بالميدان الليبرالي السياسي،
نقيضاً للفكر القروسطي، وهي جزء من مفهوم الدولة الحديثة، والدولة هي آلة
تتجه لضبط سلوك الأفراد وحماية أمنهم وسلامتهم وملكيتهم حسب توماس هوبز،
الذي كان يعطي لمفهوم الدولة بُعداً أرضياً بإنزال مفاهيم السماء إلى
الواقع، عبر الحق الإلهي.
أما جان جاك روسو 1713- 1788 فقد دعا إلى عقد اجتماعي بين الأفراد داخل
المجتمع، لتنظيم حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في حين أن
جون لوك 1632- 1704، اعتبر الغرض من العقد الاجتماعي هو الحفاظ على حق
الأفراد في الملكية بوجود سلطة تنظم "الحق" في استخدام "العنف" لمعاقبة من
ينحرف عن ذلك، لكنه اعتبر "الملكية المطلقة" لا تتفق مع طبيعة المجتمع
المدني.
وكان توماس هوبز 1588- 1679 قد جاء بفكرة القانون الطبيعي، معتبراً لكل
إنسان كامل الحق في ممارسة قدراته الشخصية، وأن حياة الإنسان لا تستقيم من
دون تشريعات وتنظيم لممارسة حريته.
أمّا جون لوك فقد اعتبر المجتمع المدني كأفراد طبيعيين دون دولة، أي مجتمع
مدني بانفصال عن الدولة، وهو ما ذهب إليه جان جاك روسو، وقد انتقد هيغل
1770- 1831 في كتابه "فلسفة الحق" الصادر عام 1821، نظرية العقد الاجتماعي،
واعتبر أن المجتمع المدني قاصرٌ في صيغته التعاقدية عن تحقيق الأمن،
والدولة وحدها حسب وجهة نظره هي "نظام" العقل القادر على حماية الحرية.
ويعتقد هيغل أن هناك علاقة مركّبة بين الدولة والمجتمع المدني، وهي علاقة
تعارضية وتكاملية، فالمجتمع المدني هو مجال لتقسيم العمل وإشباع الحاجات
المادية، وهو مجال تنافس الحاجات الخاصة والمتعارضة. أمّا الدولة فهي
النظام السياسي القادر على صيانة مصالح المجتمع المدني، الذي هو حسب وجهة
نظره لحظة من لحظات الحياة الروحية، وهي تقع بين العالم البسيط للأسرة
الأبوية والدولة المتحكِّمة في ذاتها. لاحظ هيغل ميلاً في المجتمع المدني
إلى التذرر والفردية، واعتقد خلافاً لليبراليين الكلاسيكيين على أنواعهم،
أنه في سياق نظام الحاجات أو علاقات التذرر والاعتماد المتبادل المتوازنة،
لا بدّ من أن تعلو حسابات السوق من ربح وخسارة على الاعتبارات الأخلاقية.
أما هيغل فإنه يفرّق بين المجتمع السياسي (الدولة) والمجتمع المدني، الأول
يمثل الإرادة العامة، في حين أن الثاني يمثل الإرادة الخاصة، حيث يعبّر عن
مصالح الأفراد. ويعتبر هيغل "العائلة" أحد أسس المجتمع المدني، فالدولة لا
يمكن أن توجد بدون الأساس الطبيعي "العائلة"، التي يستند إليها "المجتمع
المدني".
وفي نقد كارل ماركس 1818- 1883 لأفكار هيغل يتعرض إلى المجتمع المدني،
خصوصاً في كتابه المثير والغني "الثامن عشر من برومير- لويس بونابرت"، حيث
ينتقد الدولة البونابرتية، التي تلغي المجتمع المدني وتهيمن عليه، وهكذا
اعتبر ماركس المجتمع المدني ركيزة واقعية للدولة، لكونه يمثّل العلاقات
المادية للأفراد، وهو مجال للصراع الطبقي، خصوصاً أن المجتمع المدني
بالنسبة له هو مجتمع الإنتاج والاقتصاد والطبقات الاجتماعية، أي أنه الواقع
الملموس، ذلك أن تدخّل الدولة فيه يعني تجريداً له واستلاباً لفاعليته، أي
أنه بهذا المعنى ركيزة للدولة ونقيض لها في الآن ذاته. وقد نظّرت الماركسية
لفكرة اعتبار المجتمع المدني، يشكل قاعدة مادية مؤسسة للدولة، وقد استخدم
كارل ماركس الشاب مفهوم المجتمع المدني بمعانٍ قريبة الدلالة من مفهوم
هيغل، لكنه تخلّى عن وجهة نظره هذه في إطار نقده الوضعي للمثالية الهيغلية،
حين اعتبر المجتمع المدني الأساس الواقعي للدولة، وأنه يعبّر عن مجموع
العلاقات المادية للأفراد في مرحلة محددة من مراحل تطور الإنتاج، وكاستنتاج
يمكن القول إن المجتمع المدني عند ماركس هو مجال للصراع الطبقي.
من جهته اعتبر ماركس التذرر الفردي نوعاً من الاغتراب عن الجوهر الاجتماعي،
وكذلك تعبيراً عن الصراع الطبقي. وكان رفض ماركس لفكرة مؤسسات وسيطة بين
الفرد والدولة، يستهدف استبدال الدولة نفسها بمؤسسات طوعية بين الأفراد بعد
ذبول الدولة، أي اضمحلالها، وعند ذلك يزول الفرق بين الفردي والاجتماعي
والسياسي، أي أنّ الدولة تنحل في المجتمع وتذوب فيه. ولعل مفهوم الدولة
ومستقبلها ظلاّ جزءًا من اليوتوبيا الماركسية ذاتها. وبهذا المعنى فإن نقده
لفلسفة الحق عند هيغل يقوم على أساس، أن المجتمع المدني هو الواقع
المتميّز، المتبدّل والمتنوّع، وهو الذات المتطورة في التاريخ، والتي تفعل
فعلها وتؤثر في شكل الدولة ونظامها.
إذن يرفض ماركس الجماعات الطوعية، التي تتوسط بين الفرد والدولة كحل لمعضلة
المجتمع الحديث. إنه يرفض الاشتراكية اليوتوبية، في مصلحة أوتوبيا
الاشتراكية، التي تعمم الرابطة الحرة إلى رابطة كونية، أي أن "ديمقراطية"
ماركس لا تقوده إلى الدولة الديمقراطية، بل إلى الأوتوبيا من دون دولة...
كما يقول عزمي بشارة.
وقد طوّر أنطونيو غرامشي 1891- 1937 مفهوم ماركس عن المجتمع المدني
باعتباره مجموعة التنظيمات الخاصة، التي ترتبط بوظيفة الهيمنة وكجزء من
البنية الفوقية عن طريق الثقافة والآيديولوجيا والسيطرة والإكراه، في حين
أن ماركس كان يراه جزءا من البنية التحتية. واستناداً إلى هذه الرؤية
الوضعية النقدية وغير الكلاسيكية للماركسية، فلم يعد المجتمع المدني فضاءً
للتنافس الاقتصادي أي للصراع الطبقي، بل هو فضاء للتنافس الآيديولوجي،
منبهاً إلى ظاهرة الهيمنة.
لقد أخذ غرامشي بمفهوم جديد للمجتمع المدني باعتباره الفضاء للتنافس
الآيديولوجي من أجل الهيمنة، وهو يميل إلى التوسط بين الدولة والمواطن. إن
العودة الثانية لمفهوم المجتمع المدني مع نهاية الحرب العالمية الأولى
وبداية الحرب العالمية الثانية، وعلى لسان المفكر الماركسي الإيطالي
غرامشي، قد جعلته واسع الدلالة ويحتل هذه المكانة المتزايدة بحكم توصيفه،
فهو مجموعة التنظيمات الخاصة، وجزء من البنية الفوقية، التي يتمّيز بها
المجتمع المدني عن المجتمع السياسي. ويعتبر غرامشي أن وظيفة المجتمع المدني
هي الهيمنة عن طريق الثقافة والآيديولوجيا، أما وظيفة المجتمع السياسي فهي
السيطرة والإكراه ويعني غرامشي بالمجتمع المدني هو: كل المؤسسات التي تتيح
للأفراد الحصول على الخيرات والمنافع العامة، دون تدخل أو توّّسط الحكومة،
وهو النسق السياسي المتطور، الذي يتيح، صيرورة تمأسسه، مراقبة المشاركة
السياسية.
|
حوار هادئ مع الامين العام للمركز الثقافي العراقي
نجم بحري
كان من جراء الضغط السياسي والنفسي الذي خلفته العقود المظلمة وبعد ازاحة
تلك الظواهر السوداء مطلع العام 2003 برز على الارض في هذا الوطن العديد من
الاحزاب والمنظمات وغطت الصحافة حيزها في الساحة الاعلامية وعلى مختلف
اتجاهاتها وارائها ..
وبات المجتمع العراقي واقعياً متميزاً عما كان عليه من قبل تجاه
الحرية والديمقراطية . ولعل من ابرز ما هو قائم على السطح الثقافي
والاقتصادي والاجتماعي انشطة عديدة لها حضورها ودورها في تفعيل البنى
الاجتماعية والثقافية واحتلت مواقع مهمة في كثير من المجالات وتعتبر هذه
الظاهرة بادرة سليمة من حيث الاحتواء الديمقراطي التعبيري من اجل ترصين
وحدة ابناء الشعب العراقي .. ذلك المجتمع الذي لم يعد قادراً من قبل ان
ينهض بما لديه من امكانيات فكرية ونشاط ثقافي ..
ولعلنا لا نغالي قولنا في هذا الصدد حيث لمسنا هذه الظاهرة الحسنة من وجود
تلك الانشطة الثقافية والاجتماعية والفكرية وهي تعمل على اسس ومبادئ
الشفافية في نشر الوعي للمواطن العراقي .. كان لقاؤنا مع امين عام المركز
الثقافي العراقي في المنصور لقاء غير متوقع اذ ان هذا المركز الحيوي يعمل
منذ فترة سقوط النظام من اجل التوعية في شتى مجالاتها وابعادها لخدمة الشعب
العراقي المقهور ..
ويعتبر هذا الموقع الريادي لـ (المركز الثقافي العراقي) نقطة ضوء امام طريق
ساده القهر والقضم والحرمان من ابسط متطلبات الحياة العامة . وتطرقنا مع
السيد فالح الدوري وهو دؤوب وضع نفسه وابناءه لخدمة المجتمع المدني . عن
الدور الذي يؤديه هذا المركز ..
واجابنا المركز عبارة عن منتدى اجتماعي وثقافي يعمل وفق منهاج سليم واضح
الرؤى .. ويسهم في العديد من البرامج الثقافية ذات الاهمية بالتراث والقيم
الحضارية والانسانية . واشار الامين العام لهذا المركز الحيوي في اهميته
لاستقطاب الشباب الذين يحملون وعاء الحب للوطن ولأجل رفع الكلمة الوضاءة
لتراث العراق الحضاري الغزير بان المركز اسهم في مربد البصرة وفي عدة
لقاءات وقعت في دمشق مع نخبة من المثقفين والكتاب والشعراء .. وان المركز
هذا يعتبر احدى واجهات (المجتمع المدني) في العراق الجديد ..
كما اكد لنا السيد بان الدعم المادي لهذا المركز لا يعتمد الا على طريق
واحد وهو (التمويل الذاتي) وكمنظمة انسانية حضارية تتمتع بحضورها في الساحة
العراقية ترجو ان يكون لها موقع مهم لدى الجهات الرسمية وان تدعمنا قدر
المستطاع .. وأكد السيد الدوري على ان مساهمة الدولة لهذا القطاع الثقافي
في مجال الدعم المالي خطوة لديمومة استمرارية العطاء الذي تقدمه هذه
المنظمة الانسانية .
واشار بان هذا المركز انما حضوره هو الاسهام المعنوي والمادي الذي يتركز
عليه هذا الواقع من اجل رفع القدرات الثقافية للشباب .. و حاورناه عن
الابعاد الثقافية المستقبلية واجابنا بوضوح بان هناك خطوة لاستحداث مسرح
داخل هذا المبنى الذي يشغله (المركز الثقافي العراقي) وليؤدي دوره الريادي
في خدمة الثقافة ومن منهجية لا تخرج عن نطاق الاعراف الاخلاقية والحضارية
.. وهو الهدف الذي نروم ان نحققه في ظل المجتمع المدني . اخيراً نتمنى
للامين العام لهذا المركز التوفيق والادامة لخدمة المجتمع المدني الذي
يستحق كل التضحيات والخدمات لما عاناه من تخلف وحرمان من ابسط قواعد
العرفان.
المرأة والسياسة وصناعة الحياة
رونق ذهب
إن كل جاهليات العصور الغابرة كانت تظلم المرأة وتستغلها استغلالا
بشعا ، وتسلب أمنها ، وتتكئ على شقائها وتعاستها ، وتعمل على تشتيت أمرها
وهدر طاقتها ، واستغلال جهدها واستغفالها ، وعلى رأس ما يسلب منها من أمن ،
هو ( الأمن الفكري ) ، بل هو على رأس ما يسلب من أكثر الناس في زمن كل
جاهلية ، فحتى جاهلية هذا العصر تمارس على المرأة تلك الممارسات بصور
وأشكال وآليات مختلفة ، بالرغم من التطور العلمي والتقني ، وهو أوضح دليل
على جاهلية هذا العصر الذي تسوده حياة ومظاهر الغاب والكهوف و المغارات ..
( فالقوي يأكل الضعيف ) فوضع المرأة في المجتمع الإنساني هو المؤشر على رقي
ووعي المجتمع وتحضره . والمرأة في دولنا العربية والإسلامية أصبحت بين
نارين ، نار العادات والتقاليد القبلية التي تحد من نشاطها الاجتماعي
والسياسي وتكبل حركتها وتمنعها من أداء دورها وواجبها تجاه المجتمع باسم
الدين ، وبين نار " العلمانيين " الذين وجهوا المرأة الجهة الخاطئة وظلموها
واستغلوها أبشع استغلال ، وشغلوها عن نفسها وبيتها وخالقها وعن مصيرها
الموعود بعد ما حرموها من ( الأمن الفكري ). فباسم الحقوق السياسية يراد
حرمان المرأة من حقوقها الشرعية وضرورات حياتها الإنسانية بل وحرمان
المجتمع ككل من إمكاناتها وقدراتها وطاقاتها وجهودها وتأثيرها الفعلي
ودورها في صناعة الحياة ، فأقصى ما تقدمه السياسة للمرأة هي دعوى باطلة
خادعة يتم بها استمرار تحييدها عن ممارسة دورها الحقيقي باسم " الديمقراطية
" والمشاركة السياسية المزعومة ، رغبة في تقليد الدول الغربية المتقدمة
تقنيا وماديا - والذي جعلها البعض مثله الأعلى - توهما منهم بأن ذلك من
أسباب التقدم والرقي ومظهرا من مظاهره ووجها من أوجه الحضارة ، فالمرأة
بالنسبة لسدنة الحضارة الجديدة - وكما يقال - هي ( نصف المجتمع ! ) ، إنها
مقولة من ينظر إلى أفراد المجتمع كمجموعة من العمال والموظفين ، نصفهم من
الرجال والنصف الآخر من النساء ! ، فتلك نظرة " الرأسماليين " والماديين
الذين يصب اهتمامهم على مضاعفة الإنتاج وجني الأرباح والمكاسب المادية حتى
لو كان على حساب ارتقاء وبقاء النوع البشري وعلى حساب وعي المرأة وصلاح
حالها وأحوالها واستقرارها وأمنها ، فالمرأة بالنسبة لهم نصف قوة العمل ،
وفي الحقيقة ... إن المرأة هي من ( يصنع المجتمع ) ، المجتمع الإنساني ،
وهي من يصنع الحياة . نعم ... إن المرأة هي من يصنع المجتمع والحياة ،
فلذلك يجب أن تمكن من أداء دورها الاجتماعي والسياسي وبصورة صحيحة وبما
يحقق الهدف الصحيح وهو إيجاد أسرة مترابطة مستقرة وإيجاد أبناء لهم بناء
فكري وروحي ونفسي وبدني سليم ومجتمع آمن ودولة تسير باتجاه صحيح ، فالمرأة
إذا ما مكنت من أداء دورها الطبيعي ستسهم بقدر كبير في صناعة وصياغة
الإنسان صياغة تجعله أهلا لأداء الأمانة التي حملها ودور الاستخلاف في
الأرض ، بل في صناعة وصياغة الحياة ولا يجب أن تنهك وتشتت جهودها وتهمش
وتستغفل وتستغل ، فالمرأة في الوقت الحاضر تعيش وهي محرومة من أداء دورها
الأساسي الفعال في المجتمع ، فلابد من إعادة ترتيب شبكة العلاقات
الاجتماعية السياسية ترتيبا صحيحا يحفظ للمرأة خصوصيتها ويضع كل جنس في
مكانه المناسب والصحيح ، ومثل ما يجب أن يوضع الرجل المناسب في المكان
المناسب ، كذلك يجب أن توضع المرأة المناسبة في المكان المناسب ، وهكذا
سيصلح المجتمع وستعدل الموازين المقلوبة وأولها ميزان العقل الذي أختل بسبب
ذهاب الدين مرورا بالموازين الأخرى انتهاءَّ بميزان القوة العالمي ليكون من
صالح المسلمين والمستضعفين والإنسانية بشكل عام .
فسياسة هذا الزمن إذا ما أرادوا الارتقاء بالمجتمع الإنساني وبعث الروح فيه
، لا مفر من تقديم الاعتذار الواضح والصريح للمرأة بعد الاعتراف بسوء
تقديرهم وفهمهم لمكانتها ولقيمتها ولقدراتها وإمكاناتها وخواصها وحاجاتها
وضرورات حياتها الإنسانية ولدورها في الحياة ، فعليهم أن يتقوا الله
ويبادروا في رفع الظلم عنها وإعلان التوبة النصوح ( عملياً ) من خلال تمكين
المرأة من أداء دورها الطبيعي في مكانها المناسب والصحيح والاعتراف بدورها
المهم والأساسي في صناعة المجتمع وصناعة الحياة هو أحد أهم مفاتيح الإصلاح
، فضياع الأمم من ضياع المرأة وتهميشها ، ولا إصلاح إلا بصلاح حال وأحوال
المرأة " الفكرية والروحية والنفسية والمادية " ولا إصلاح إلا بتمكين
المرأة من أداء دورها الطبيعي . لقد تعرضت المرأة في الجاهلية الحديثة
لوجهين رئيسين من الخداع ، [ الوجه الأول ] هو صرفها عن العلم الذي سينفعها
وسيفيدها في ممارسة دورها الطبيعي وتحقيق ذاتها ، وهو الأمومة ورعاية
الأسرة وتربية وصياغة الأبناء وصناعة الحياة ، فبدلا من تعليمها من أجل
إخراجها من حصنها ومملكتها لجعلها عاملة في آلية وماكينة الإنتاج المادية
العالمية وجعل مهمتها الأولى تحصيل المال والشراء والإنفاق والاستهلاك كان
من الأجدر تعليمها العلم الذي يعينها على صناعة الحياة من خلال إدارة
الأسرة ورسم وتنفيذ سياستها ( الاقتصادية والغذائية والصحية والفكرية
والنفسية والروحية والاجتماعية ) ، فصناعة الحياة وصناعة الإنسان وصياغته
بصورة صحيحة بحاجة لأم متعلمة وواعية ومتمكنة من إدارة أسرتها لبناء
أبنائها بناء " فكريا ونفسيا وروحيا وبدنيا " سليما ، وهو بحاجة لأم متفرغة
لتلك المهمة الإنسانية الراقية ، و [ الوجه الثاني ] هو خداعها بما يسمى
المشاركة السياسية باسم " الديمقراطية " ، فعند التطبيق الفعلي لن نجد لتلك
المشاركة المزعومة أي أثر يذكر على تحسين أحوال المرأة بشكل خاص وأحوال
المجتمع بشكل عام ، فها هي المرأة في الدول " الديمقراطية " مازالت تعاني
من الاستغلال وسوء الرعاية والاهتمام ، وها هي مجتمعات " الديمقراطية "
المزعومة تعيش في بحالة تفسخ وانحلال . فحاجة المجتمع لجهود المرأة الفعلية
تلزمنا استحداث دائرة سياسية نسائية خاصة لإدارة شـؤون ( الفتيات والمرأة
والأسرة ) ، بإدارة نسائية صرفة دون وصاية من الرجال وبميزانية مستقلة ،
وهذا وجه من أحد أوجه تطبيقات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والتكامل والتعاون على البر والتقوى ، وتلك الدائرة السياسية النسائية تكون
مهمتها التالي : أولا : إيجاد فتيات متعلمات واعيات متمكنات من رسم سياسة
الأسرة وإدارة شؤونها " الاقتصادية والغذائية والصحية والفكرية والنفسية
والروحية والاجتماعية " وقادرات على صناعة الحياة ، فمهمة صناعة الحياة
وإدارة شؤون الأسرة ورسم سياستها لضبطها وحمايتها ليست مهمة وضيعة وهامشية
وكما يصورها من لا يعيش تفاصيل الحياة بوعيه الكامل ، أومن يريد للمجتمع أن
يعيش في ظل الفوضى بعد تحييد ( الأم المتعلمة الواعية المتمكنة المتفرغة )
حتى يتسنى له تصريف بضائعه الفاسدة التي تفسد الحياة ، من قيم وأفكار
ومفاهيم وغذاء أو سموم ومصنوعات وسلع مختلفة دون رقيب وحسيب ، بل إن مهمة
إدارة الأسرة وحمايتها ورسم سياستها وصناعة الحياة من أصعب المهمات وأهمها
وأشرفها في الدولة الإسلامية ، فضبط الأسرة هو ضبط للمجتمع والدولة ، فمن
الأسرة التي تديرها الأم المتعلمة الواعية المتمكنة المتفرغة يخرج أفراد
المجتمع الصالحون المصلحون ، يخرج صناع الخير وصناع الحياة ، فتلك هي حقيقة
دور ومهمة المرأة في المجتمع المسلم المثالي ، فإذا صلحت الأسرة والخلية
الأولى للدولة صلح النسيج الاجتماعي وصلحت الدولة وصلحت الدنيا والحيـاة .
ثانيـا : تهيئة وتنظيم الملاكات الفنية والإدارية من أجل إدارة شؤون النساء
بشكل عام " الفكرية والروحية والنفسية والمادية والصحية والاجتماعية ...الخ
" وخدمة المجتمع وتوفير فرص العمل المناسبة لمن اضطرتها الظروف للعمل وبما
يحفظ كرامتها من الامتهان ووضعها من الاستغلال . ثالثـا : التنسيق مع مجالس
الرجال للاتفاق على آلية التشاور وحدود ومجالات المشاركة في إدارة شؤون
الدولة الداخلية والخارجية . وأمام هذا الوضع المأساوي للمرأة ، وأمام هذا
الخلل والاضطراب الذي أصاب المجتمعات بسبب تحييد وتهميش المرأة ومنعها من
أداء دورها ومهمتها في صناعة المجتمع وصناعة الحياة ، تُـقََََدَم حلول
تزيد الواقع سوءا ، فالمشاركة السياسية للمرأة لا تكون بدخولها في حلبة
الصراع السياسي باسم " الديمقراطية " والتعددية ، فهذا الأمر لا يصلح من
حال وأحوال المجتمع ، ومن المحال ذلك فالمجتمع الإسلامي الإنساني لا يصلح
حاله ولا تصلح أحواله إلا بإعادة ترتيب شبكة العلاقات الاجتماعية السياسية
على أساس صحيح ، من أجل إيجاد بيئة اجتماعية وسياسية صالحة مربية ومزكية ،
واستحداث دائرة سياسية خاصة بالنساء هو جانب من الأسس السليمة والصحيحة
التي ستعمل على عودة الروح والحياة للمجتمع . لقد أصبحنا مخدرين ومسلوبي
الإرادة ليس لنا إلا السير على خطى الآخرين في النظرة إلى الحياة والبقاء
في أفقهم وجحورهم الضيقة.
فلنبحث عن الأفق الفكرية والحياتية الرحبة الفسيحة بعيدا عن هذا الجو من
الضنك والعنت والمعاناة ، لكي نعيد ترتيب شبكة علاقتنا الاجتماعية السياسية
الإسلامية وفق المنهج الصحيح ووفق سنن ونظم وقوانين الكون.
|