|
ابواب التآخي |
البعد الاخر
هكذا (يثقفون) أطفالنا!
حسب الله يحيى
الخطاب الموجه الى الطفولة البكر؛خطاب يؤسس ويجذر القيم والأفكار والرؤى
التي تشكل مفاتيح الرجولة المستقبلية التي يراد لها أن تسير على وفق خطى
جادة وسليمة وبناءة.
غير أن هيئة رعاية الطفولة في العراق التي تشرف على عملها وزارة العمل
والشؤون الاجتماعية؛ اعتمدت أسلوباً (مبتكراً) لا يمكن ان يفضي إلا الى
نتيجة مفادها إشغال الطفل بشؤون لا قبل لهم عليها ولا تنشئهم نشأة صحيحة،
وإنما تفرط بالذهنية المبكرة لعوالمهم وتوجيهها وجهة تسعى للتحكم في
الآخرين والنفوذ والتفوق عليهم، في وقت لم يتمكنوا من تكوين ضوء أبدانهم
وعقولهم وحواسهم وعواطفهم!
فقد وضعت هذه الهيئة مشروعاً تقدمت به الى البرلمان العراقي والحكومة
والقضاء العراقي بهدف الحصول على الموافقات الرسمية لتنفيذه وإقراره والعمل
بموجبه.
هذا المشروع حمل عنوان(مشروع مقترح لبرلمان الأطفال في العراق) وتعتمد
(فصول البرلمان) على اسس منها:
)يتكون البرلمان من مجموعة من الأطفال يساوي عدد الاعضاء في مجلس النواب،
ويكون عدد الأطفال عن كل جهة مساوياً لعدد ممثليها في مجلس النواب، ونصف
أعضائه يتم انتخابهم.. والنصف الآخر..يتم اختيارهم بالتناصف بين الفتيان
والفتيات).
و(يتم تمويل نشاطات البرلمان المذكور إستناداً الى ميزانية خاصة تخصصها
الحكومة العراقية وتتولى هيئة رعاية الطفل بالصرف).
ويبدو إن القائمين على هذا (المشروع) ينطلقون من اهداف نوجزها بالآتي:
-1 إن دول العالم المتحضر كلها قد تخلفت عن (إنشاء) مثل هذا البرلمان وقد
إنبثقت (الإرادة الفذة) في الهيئة عن هذا المشروع غير المسبوق، في وقت عجزت
هذه الهيئة عن حماية الطفولة المشردة واليتيمة والأمية التي يهددها الفساد
بسبب أعمال العنف والفاقة والتهجير، مثلما فشلت عن بناء مدرسة واحدة في
الريف العراقي الذي جف حرماناً وعجز عن توفير خبزه.
-2إن صناع (المشروع) يوهمون أنفسهم بأن البرلمان العراقي هو النموذج الأفضل
من بين جميع برلمانات الدنيا في كل مكوناته بما فيها الفوضى السائدة في
نقاشاته وتمييز وحصانة وإيفادات أعضائه في الرواتب والمخصصات
والإستثناءات..لذلك يريدون أن (يفرخ) هذا البرلمان نموذجاً مصغراً
للأطفال..!
فهل كانوا يسخرون بهذه الطريقة الفجة،أم أنهم يؤسسون للبدء بالأخطاء
البرلمانية منذ نعومة أظافر المرء وصولاً الى برلمان السادة الكبار؟
3- التقسيمات والمحاصصات والأطياف والطائفية..بذور أولى يريدون من الطفل
تعلمها والسير على وفقها من خلال هذا (المشروع) الرث.
-4وهي النقطة الجوهرية التي يراد التسلل من خلالها لأنشاء هذا (البرلمان)
وهو وضع ميزانية خاصة تنفرد بصرفها الهيئة التي وضعت هذا المشروع!
ذلك أن المال العراقي مهدور لمزيد من الفساد، مثلما نجد العراقي مهدور الدم
ومهدور الحق والعدل والحياة والتمتع بإنسانيته ! إن هذه الأساليب التي يراد
بها سلب المواطن حقه في الحياة والأمن والسلام والإطمئنان على مستقبل
الابناء، ومن قبل هيئة تزعم انها ترعى الطفولة، وتمارس علناً..أحد السبل
التي لا تفضي إلا الى فساد الأطفال والهيمنة على مقدراتهم وعقولهم
وعواطفهم..وبالتالي تحرم الأطفال من حقهم في النشوء نشأة طبيعية مستقيمة
ومتألفة ومنسجمة ومتفاعلة، وتنقلهم الى الفرقة والتمييز والإثراء على حساب
الأخرين.. وهيمنة(الكبار)على أموال طفولة يراد للوطن تنشأتها النشأة
البعيدة والسليمة عبر مشاريع كهذه ؛ لا يحصد منها سوى التربية السلبية
والتعلم المرّ والرعاية الفجة..في وقت أحوج ما نكون فيه الى طفولة نقية
معافاة.. صحة وخلقاً، وطفولة تأمن الشرور المحيطة بها والبلاء المحدق
بوجودها..
مشروع برلمان الأطفال الذي تقدمت به هيئة رعاية الطفولة يؤكد ويكشف تماماً
عن طبيعة عمل هذه الهيئة التي لا ترعى الطفولة أبداً وإنما تسهم مساهمة
فعالة في تخريب وتدمير الطفولة..
إنتبهوا..وإحذروا أيها السادة من مشروع مفاتيحه في الشر ونتائجه في
الخراب!!
حـــــوار
الشاعر و الروائي السلفادوري أرغويتا
الشتات و المنفى
مثقفو الداخل و الخارج .. نتواصل من أجل الهوية الوطنية
ترجمة / عادل العامل
ولد الشاعر و الروائي مانليو أرغويتا Manlio Argueta في سان ميغويل ، في
السلفادور ، في عام 1935 . و هو من جيل أدبي مؤلف من مثقفين متميزين تأثروا
بجان بول سارتر ، و كان لهم دورهم الفاعل في نقل الانشغالات الوجودية إلى
أمريكا الوسطى . و قد امتزج في رواياته المجازية التساؤل الفلسفي مع قوة
الشعر . و ترقى الأسئلة المحددة في أعماله القصصية إزاء قضايا الحرية ، و
المعاناة ، و التحرر ، و المسؤولية إلى مستوى التطبيق العملي . و قد أصدر
العديد من الأعمال الأدبية ، مثل ( مكان يدعى ميلاغرو دي لا باز ) ، و (
Cuzcatlan : أين يضرب البحر الجنوبي ) ، و ( يوم واحد من الحياة ) . و مُنح
جوائز عديدة ، و تُرجمت بعض أعماله إلى أكثر من 12 لغة . و كانت روايته (
يوم واحد من الحياة ) ، التي مُنعت في السلفادور خلال الحرب الأهلية ، قد
صنَّفتها ( المكتبة الحديثة ) خامسةً في قائمة أفضل مئة رواية أمريكية
لاتينية في القرن العشرين .
و ننشرهنا جانباً من المقابلة التي أجرتها معه كلوديا م. ميليان أرياس
لمجلة Ciber Letras .
*كلوديا / في مقابلةٍ أُجريت معك وصفتَ أمكَ بأنها عاملة يدوية شريفة و
متواضعة الحال علَّمتكَ " غموض الأصوات الشعرية " . أرجو أن تتوسع في
إشارتك هذه من خلال التحدث عن تكوينك الأدبي و العوامل المؤثرة فيك ككاتب ،
و عن الطريقة التي تربط بها علاقتك الأدبية بالموروث الفكري في السلفادور و
أمريكا اللاتينية .
*أرغويتا / ذلك الوصف المتعلق بأمي هو فقط للتأكيد على المفهوم القائل بأن
الشعر و الفن ، في أقاليم المحيط ، لا ينبثقان بالضرورة من الأسر النخبوية
فكرياً ، كما يحدث غالباً في عاصمة البلد . و أنا لا أريد أن أعمم ، و لا
أعالج هذه الأمور نظرياً ، و إنما أن أصورها ضمن مضامين حياتي . فأنا أشير
، في ما يتعلق بـ " غموض الأصوات الشعرية " ، إلى طفولتي . أريد أن أقول ما
هو نتاج الأحداث، نتاج ما يمكن أن يبدو " غير قابل للتفسير " لكنه يمتلك
تفسيراً . فالعنصر الإيقاعي و الموسيقى الداخلية هو المفتاح الرئيس للشعر .
و هذا يتعلمه المرء و هو طفل أو لا يتعلمه أبداً . و لقد شرحتُ هذا في
روايتي ( Siglo de O(g) ro ) . الطفولة هي موطن الشعر . و الشاعر يشبه عازف
الكمان و عازف البيانو اللذين يتعلمان منذ الطفولة . لكن في الشعر ليس هناك
آلات ملموسة، كما في الموسيقى، و ذاك هو لماذا تقترن الأصوات الشعرية
بالغموض ("الجنِّيات"، "الأشباح"، "عرائس الشعر"). و تفسير ذلك أن هناك "
تغذية " أو مراكمة للصور التي تسند إشارات الدماغ من خلال الأحاسيس، و التي
ستكون أغنى إذا ما جرى تطويرها منذ الطفولة. و هذا هو ما سيظهر لكونه
نتاجاً دماغياً غير قابل للتفسير، أما عن رغبتي في دمج نفسي في الموروث
الأدبي فهي تنشأ من قراءاتي في فترة المراهقة للأدب العالمي .
*كلوديا / نشرت صحيفة نيو يورك تايمس عرضاً لكتابك (Cuzcatlan) : أين يضرب
البحر الجنوبي ) ، قال فيه الناقد ألفريد ماكآدم بلا محاباة : " إننا
نتعاطف مع فلاّحي السيد أرغويتا و نقف إلى جانبهم ضد مضطهديهم ، لكننا لا
نتجاوب مع النص كعمل من أعمال الفن " . ما رأيك ؟
*لا بد أن السيد ماكآدم لم يقرأ الرواية بلغتها الأسبانية ، و هكذا فإن من
الصعب عليه الدخول إلى أبعادها الجمالية . فاللغة تلعب دوراً مهماً في فهم
الجمالي من قطعة الأدب . و يمكن للمرء أن يقيِّم ميِّزات أخرى في الترجمة :
الموضوعة ، التقنية ، الانفعال أو العاطفة ، أجزاء أخرى من عظمة العمل
الأدبي . و هذا ما يحدث لي مع كاتب أثَّر بي كثيراً و قرأتُ له في ترجمات ،
ج. د. سالنجر ؛ من ناحيتي ، سيكون من الوقاحة أن أحكم على عمقه الجمالي من
دون قراءته بلغته النيو يوركية . " كلوديا / ما رأيك باليسار السلفادوري
داخل و خارج السلفادور ؟
*أرغويتا / أنا لا أؤيد مفهوم المفكرين السلفادوريين اليساريين . نحن
ببساطة مفكرون أمريكيون لاتينيون نقوم ، عموماً ، بتغطية الفجوات الكبيرة
على مستوى التصور الإنساني ؛ و بهذه الطريقة ، برز غارسيا ماركيز ، فارغاس
لوسا ، فونتيس ، رالفو ، ساباتو ، كاربنتير ، و آخرون و من هنا يأتي موقعهم
الخيالي في الأدب : وصلوا ليغطوا الفجوات التي نشأت في الهيمنة
الكولونيالية . و كنا ، نحن في أمريكا الوسطى ، ملزمين أخلاقياً بتغطية
خطوط الصدع الواسع التي توجد في محيط المحيط.
*كلوديا / هناك كتَّاب لاتينيون في الولايات المتحدة ، مثل ديميتريا
مارتينيز و ساندرا بينيتيز ، نشروا كتباً حول الحرب الأهلية السلفادورية .
هل قرأتَ أيَّاً من هذه الروايات ، و ما رأيك بالطرق التي يجري بها تصور
السلفادورية و تأويلها من قبل جماعات عرقية أخرى ذات روابط أمريكية لاتينية
؟
*أرغويتا / لم أقرأ لهاتين الكاتبتين ، لكنِّي قرأتُ لسلفادوريين مثل ماريو
بنكاسترو ، روبين مارتينيز ، مولينا ، إفانو غاليندو ، كاتان . لكن هناك
أيضاً أولئك الذين يعيشون في بلدان أخرى ، و يعززون أدب المناطق المحيطة
داخل المركز أو العاصمة . و أُشير بذلك إلى كندا ، أستراليا ، ألمانيا ،
سويسرا ، السويد و فرنسا . و أتحدث عن ربع السكان ، و هم نسبة الذين يعيشون
خارج السلفادور . و من الصعب القول بالضبط كم ستكون حصيلة هذه التغيّرات .
مع هذا ، أنا متأكد من أنها لن تكون سلبية ، و إنما هي ببساطة تجعلنا
مختلفين . فالكينونة الوطنية لن تختفي ، لكن ستكون مختلفة من ناحية مقدار
ما تمتصه منها الثقافة العالمية .
*كلوديا / هناك مناقشات، في دراسات الشتات المعاصر، بشأن ما يربط جماعات
معينة من الناس معاً وما إذا كان هو التشوق للعودة إلى الوطن، أم المشاركة
الفعالة في تطوير الوطن، أم تاريخ القمع و التهجير.. ما الذي، رأيك، يربط
جماعات سلفادورية مختلفة مشتَّتة في أماكن مثل أستراليا، المكسيك، السويد،
الولايات المتحدة، و غيرها من البلدان ؟
*أرغويتا / إنه الحنين إلى الوطن الذي يوحدهم، مع خسارة أن هذا الحنين
يوحِّد فقط الجيل الأول من المهاجرين . فنحن لا ندري ما الذي سيحصل مع
أولئك الذين يتطورون في الجامعات، أو الذين يتولون الآن مناصب في تلك
الجامعات أو في مراكز البحوث ، و حتى أولئك الذين في المراحل الاستثنائية
من المجال السياسي . و لدينا هنا جورج سنونو ، و هو ابن امرأة سلفادوري ،
صار رئيساً لموظفي البيت الأبيض ، و هناك السيناتورسيليكون فالي ، الذي
يمثِّل واحدةً من أكثر مناطق البلاد تقدماً من الناحية التكنولوجية . و
دعينا لا ننسى أن الولايات المتحدة بلاد شكّلها مهاجرون في هذا القرن :
أيرلنديون ، إيطاليون ، يونانيون . و بعض هؤلاء المهاجرين لم يفقدوا صلتهم
بثقافاتهم الأصلية، حتى بعد عدة أجيال، لكن لو فقط فهمنا الشتاتات أو
المشتتين بوصفهم من أسباب الانفصال أو مستهلكين محيطيين، ذلك إن الروابط
ستبدأ بالتلاشي هنا. وهذا هو السبب في أن من المهم المحافظة على علاقة
تبادل ثقافي متصل في الاتجاهين معاً. كما أن علينا أن نفهم أنه بعد أزمة
الحرب، التي كانت بدايةً للهجرات، لم نعد نحن لما كنَّاه. و علينا أن
نعدِّل من تصورنا للأمة. و سوف ينفعنا هذا على المدى الطويل. و إلا فإننا
سنختفي كوطن، مجسِّدين أنفسنا فقط كرعايا استهلاكيين، سلبيين، و غير
منظورين على كوكب الأرض.
كـتـب جــديــدةً
فنسان فان كوخ: العبقرية والجنون
مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة انا كليبورن المختصة بتاريخ الفن والجماليات،
وهي في هذا الكتاب تتحدث عن حياة واحد من كبار الفنانين في العالم: فنسان
كوخ، فهذا الرجل العبقري كان مغمورا في عصره ولا يعرف قيمته احد وقد انتهى
منتحرا ومجنونا ولكن لوحاته الان تباع بمئات الملايين من الدولارات. ولد
فنسان فان كوخ عام 1853 في قرية صغيرة في احد الاقاليم الهولندية وكان احد
اخوانه تاجرا كبيرا فيما يخص اللوحات الفنية، ولذلك وظفه في الغاليري
التابع له في مدينة لاهاي، ثم في لندن، وباريس بعدئذ، وهكذا تعرف بحكم عمله
كمستخدم صغير على كبار الفنانين او الرسامين العالميين في ذلك الزمان ولكن
عدم اهتمامه بعمله كبائع محترف ادى الى تسريحه من عمله ثم قبل بعدئذ
بممارسة عدة اعمال صغيرة في ضواحي لندن قبل ان يعود الى هولندا عام 1867.
وعندئذ قرر ان يصبح كاهنا ولذلك انخرط في دراسة اللاهوت في امستردام ولكنه
لم يستطع اكمال دراساته الدينية بسبب قلقه المستمر وهيجانه الروحي او
النفسي. ثم تردف المؤلفة قائلة: ولذلك اجتمعت عائلته وقررت ان يصبح مبشرا
علمانيا بالقيم الدينية المسيحية.
وهكذا كان، فقد ارسلته الكنيسة البروتستانتية الى احدى المناطق البلجيكية
حيث يكثر عمال المناجم وهناك اطلع على البؤس البشري بكل معانيه وهذا ما
اسهم في تغيير كل بنيته النفسية، لقد صعقه منظر الفقر المدقع لالاف البشر.
وعندئذ فكر في تمجيد هؤلاء الفقراء عن طريق عمل فني ما.
ولهذا السبب ذهب الى بروكسيل لدراسة فن الرسم بشكل فوضوي وعصامي في ان معا
وفي البداية رسم عدة لوحات يقلد فيها الرسامين الاخرين ثم انخرط بعدئذ في
رسم لوحات تصور حياة الفلاحين، ومن بينها لوحة بعنوان: اكلوا البطاطا. وكان
ذلك عام 1885 ولم ينتبه اليها احد انذاك ولكنها الان معروضة في متحف فان
كوخ بامستردام.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعدئذ التحق باخيه تيوفان كوخ الذي كان يشتغل في
غاليري فنية في باريس وكانت العاصمة الفرنسية انذاك تشهد غليانا فنيا
وثقافيا كبيرا وقد شعر انذاك بتعطش هائل الى تعلم الفن وراح يزور كل
المعارض البارسية، وما اكثرها والتقى عندئذ بعدة فنانين شباب من امثال
بيسارو وغوغان وسوف يصبح فيما بعد من كبار الفنانين في العالم.
ثم تأثر بالحركة الجديدة التي كانت رائجة فنيا انذاك والتي تدعى:
الانطباعية الجديدة، وفي عام 1888 غادر باريس وذهب الى مدينة (آرل) في جنوب
فرنسا وعاش في تلك المنطقة القريبة من البحر المتوسط حيث تكثر الازهار
الرائعة وحقول القمح وشقائق النعمان والطبيعة الفاتنة، وكانت تلك الفترة من
اكثر فترات حياته ابداعا ونشاطا.
فقد رسم لوحات عديدة، ومن بينها روائع عالمية، او قل ستصبح روائع عالمية
عندما سيعرف الاخرون مدى حجمه وعبقريته وكان اخوه تيوفان كوخ يساعده ماديا
لكي يكمل اعماله الخالدة.
وفي كل صباح كان فان كوخ يترك غرفته وهو محمل بادوات الرسم ويذهب للتنزه في
احضان الطبيعة وهناك كان يجلس ويرسم لوحاته الرائعة الوحدة بعد الاخرى وقد
اصبحت الواحدة منها تباع الان بما لايقل عن ثلاثمئة مليون دولار.. ولكنها
في وقته لم تسترع انتباه احد.
ثم التحق به صديقه غوغان الذي سيصبح فنانا كبيرا ايضا وقد رسم فان كوخ وهو
في حالة عمل: اي وهو يرسم لوحاته ايضا ولكن على الرغم من صداقتهما العميقة
فان المحاولات الجدالية الصاخبة ما انفكت تندلع بينهما.
وفي احد الايام زاد هيجان فان كوخ الداخلي فهدد صديقه بسكين او بشفرة موسى،
وقد انتهى به الامر الى حد قطع اذنه وارسالها في رسالة بريدية الى احدى
العاهرات ويبدو انه كان مغرما بها.. وهكذا اصبح فان كوخ باذن واحدة.. ومن
الواضح ان مجيء غوغان الى مدينة (آرل) اسهم في تعجيل الانهيار النفسي لفان
كوخ فقد شككه في قيمة اعماله الفنية في وقت كان بحاجة الى استعادة الثقة
بالنفس.
يضاف الى ذلك ان المعارك اليومية الصاخبة معه انهكته عقليا وجسديا، واصبح
فان كوخ يشهد ازمات نفسية وهلوسات عنيفة وعندئذ اشتكى الجيران الى السلطة
قائلين بانه اصبح يشكل خطرا عليهم.
وعندئذ قرروا اعتقاله وسجنه في المصح العقلي وكان واعيا كل الوعي لما يحصل
له، ولكنه لم يستطع ان يدافع عن نفسه او قل لم يستطع اقناع السلطات بانه
غير مجنون لم يفهموا انه عبقري يعيش على حافة الجنون من شدة حساسيته
وانسانيته وعذابه.
وقد رفضوا كل طلباته فمنعوا الكتب عنه، وحظروا عليه ممارسة الرسم، بل
ورفضوا ان يعيدوا اليه غليونه لكي يدخن وينسى مصيره.. وعندئذ اصبح مجنونا
بالفعل وطلب منهم ان يسجنوه في مصح موجود في منطقة (سان ريمي دو بروفانس)
وهناك راح يرسم لوحات خالدة يبلى الزمن ولاتبلى، فقد تحرر من كل المراقبات
الخارجية واطلق لعبقريته العنان ورسم ما لايقل عن (150) لوحة فنية.
وانصهر الفن بالحياة لديه عندئذ بشكل لم يسبق له مثيل من قبل واصبحت
الالوان اكثر وحدة، وانعكست حياته الداخلية الهائجة في لوحاته بشكل رائع
وبلغ ذروة الفن وهو مجنون، او معتبر كذلك من قبل المجتمع واستمر اعتقاله في
المصح العقلي سنة كاملة رسم خلالها كل هذا العدد الكبير من اللوحات.
وبعدئذ خرج من المصح العقلي وذهب الى طبيب نفساني يدعى الدكتور غاشيه وكان
يسكن في منطقة قريبة من باريس، ومعروف عنه انه كان يحب الفنانين والمدرسة
الانطباعية بالذات وقد اسكنه في بيته وراح يعالجه نفسيا ويترك له المجال
حرا لكي يبدع ويرسم كما يشاء ويشتهي وقد اشتغل كالمجنون خلال شهرين ورسم
فيهما مالا يقل عن سبعين لوحة!!
وفي السابع والعشرين من شهر يوليو عام 1890 ذهب الى حقل القمح الذي كان قد
رسمه قبل بضعة ايام فقط واطلق على نفسه رصاصة قاتلة من مسدس ومات بعد يومين
في احضان اخيه تيوفان كوخ الذي ورث كل اعماله، وبعد شهرين من موته سقط هو
الاخر ايضا في حمأة الجنون، ولم يفق منه حتى مات، وعندئذ استلمت تسلمت
زوجته وعرفت كيف تعرض اعمال فان كوخ على الجمهور ونجحت في ذلك الى اقصى حد
ممكن، فقد انفجرت شهرة فينسنت فان كوخ كالقنبلة الموقوته واصبح اشهر فنان
في العالم وكما قلنا فان لوحاته اصبحت تباع بمئات الملايين من الدولارات في
حين انه مات فقيرا معدما.
ثم تتحدث المؤلفة عن المدرسة الانطباعية التي كان ينتمي اليها فان كوخ
وتقول بما معناه: ان الانطباعية هو الاسم الذي خلعوه على تلك المدرسة
الفنية التي ظهرت في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تدل
اولا وقبل كل شيء على مجموعة من الفنانين الشباب الذين كانوا يحبون العفوية
والصدق والرسم في الهواء الطلق وكانت الحركة تهدف الى التعبير عن الاحاسيس
التي يشعر بها الفنان وهو ينظر الى مشاهد الطبيعة في كل حالاتها، بمعنى اخر
فان الفنان الانطباعي لم يهتم بمراعاة القواعد الكلاسيكية للفن وانما فقط
بالتعبير عن مشاعره واحاسيسه بكل صدق وعفوية.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
وفي عام 1873 انتشر الاسلوب الانطباعي في شتى الاوساط الفنية ثم بلغ ذروته
عام 1877، وكان اول معرض فني انطباعي قد عقد في باريس عام 1874 واثار فضيحة
كبرى في اوساط الجمهور والشخصيات الرسمية في ان معا.
وقد تم تنظيم ثمانية معارض انطباعية بين عامي 1874-1886 وفي نهاية المطاف
تم الاعتراف رسميا بالفن الانطباعي.
وكان من اشهر الفنانين الانطباعيين رينوار، ديغا، مونيه، مانيه، بيسارو،
ماري كاسا، سيسلي، ولكن وحدهم بيسارو، سيسلي، مونيه اعترف بهم كفنانين
انطباعيين حقيقة.
ثم تردف المؤلفة قائلة: اما فان كوخ وسيزان وغوغان فقد لاقوا صعوبة كبيرة
في التأقلم مع المجتمع وما كانوا راضين عن انفسهم، او عن اعمالهم على الرغم
من عبقريتها وعظمتها كانت تؤرقهم الاسئلة الميتافيزيقية التي طرحها غوغان
على النحو الآني: من اين جئنا؟ والى اين المصير؟ وكان العذاب النفسي يدفع
فان كوخ الى البحث عن شيء اخر يتجاوز تراقص الضوء على الاشجار في لحظة ما
كان يدفعه لان عكس حالته النفسية العميقة على المناظر والاشجار وحقول القمح
الرائعة:
كانت سوداويته الجنونية اوالعبقرية تخلع على اللوحة ابعادا لا نهائية.
ثم تردف المؤلفة قائلة بما معناه: والشيء الذي لاحظه النقاد هو ان لوحاته
الاولى كانت مظلمة وسوداوية جدا، واما لوحاته الاخيرة فتميزت بالوان حادة
وعنيفة تعبر عن هيجان روحه الداخلية، والواقع انه بعد ان تعرف الى الفنانين
الانطباعيين اخذت لوحته تصبح اكثر استنارة واضاءة.
ثم تأثر فان كوخ بالفنانين اليابانيين ولكنه لم يستطع ان يقيم المصالحة بين
المدرسة الانطباعية والفن الياباني ولم يستطع ان يتوصل الى اللوحة
المتناسقة، الهادئة المنسجمة مع نفسها.
وذلك لانه كان عاجزا عن التصالح مع نفسه وعندما التقى بكبير الفنانين
الانطباعيين بسارو وكان ما يزال مجهولا تأثر به, وكذلك تأثر بصديقه غوغان
على الرغم من اختلافه معه وفي نهايات حياته اصبحت لوحته اكثر حرية وهيجانا
لانها تعبر كما قلنا عن جنونه الداخلي المتصاعد في تلك الفترة وخاصة تلك
اللوحة الرائعة المدعوة: الليلة الساطعة بالنجوم (1888).
واخيرا يمكن القول بان فان كوخ مر بعدة مراحل، الاولى يمكن ان ندعوها
بمرحلة لاهاي 18881-1883 وهي المرحلة المتفائلة من حياته، ولكنها لم تكن
خالية من الاضطراب النفسي، وقد رسم في تلك المرحلة(200) لوحة، منها ستون
بقلم الرصاص والمواضيع التي عالجها في هذه الرسوم تخص مشهد لاهاي وضواحيها
الطبيعية.
اما المرحلة الثانية فهي مرحلة نيونين باسم قرية اهله، وقد استمرت من عام
1883الى 1885 وفيها تعرف على فتاة واحبها ولكن اهلها رفضوه كزوج لابنتهم
فحاولت ان تنتحر وكانت تلك المرحلة من اخصب مراحله الفنية لانه رسم فيها
مالا يقل عن (225) لوحة خلال ثلاث سنوات فقط.
ثم جاءت بعدها المرحلة الباريسية من عام 1886 الى عام 1888 وفي هذه المرحلة
تأثر كثيرا بالفنانين بيسارو وسيسلي.
واما المرحلة الرابعة الاخيرة فهي مرحلة (آرل) بجنوب فرنسا وفيها رسم
لوحاته الخالدة قبل ان يسقط صريع الجنون والتناقضات الداخلية والانتحار،
وقد امتدت من عام 1888 الى عام 1890 تاريخ موته ومن اهم لوحاته انذاك: ساعي
البريد رولان، مقهى الليل، بيت في مدينة آرل، القراءة في آرل، ومجموعة من
اللوحات التي تصور الازهار.
على هذا النحو انتهى فان كوخ اكبر عبقرية فنية في تاريخ العصور الحديثة فلم
يعش اكثر من سبعة وثلاثين عاما ولكنها كانت كافية لكي يحدث ثورة هائلة في
تاريخ الفن.
وول سويتكاني (سنوات الطفولة ...آكيه)
نابغة ذيبان آكيه.. سنوات الطفولة رواية أعطت كاتبها جائزة نوبل العالمية
عام 1986 وول سوينكا هو أهم وأبرز كاتب أفريقي وحائز على الدكتوراه الفخرية
في الادب من جامعة "ييل"، ولد في عام 1934 في "ابيوكوتا" جنوب نيجيريا،
وكانت أول محاولة له في كتابة الرواية مع بداية إلتحاقه بالجامعة فاذيعت
أول قصة له في الا ذاعة عام 1951.
أما عام 1960 أنتج أول رواية "رقصة الغابات" والحقها بالكثير من الروايات
الاخرى ومنها "المفسدون"، "موسم الفوضى" ،"داخل القبو"، "العرق القوي"،
"الموت"، "أناس المستنقع"، "العمالقة"، "مكوك في السرداب" ولسوينكا أيضاً
ديوانان من الشعر أصدرهما عامي 1976 و1969 وله أيضاً أعمال مسرحية منها
"الأسد والجوهرة"، "العشيرة القوية"، "الطريق"، يجمع وول سوينكا مهارات
عديدة، فهو الناقد والممثل والمخرج الاذاعي والمسرحي والمدرس الجامعي،
ويعمل سوينكا الآن استاذاً في جامعة "آيف" في نيجيريا. رواية "آكيه.. سنوات
الطفولة"، هي القصة الحقيقية لطفولة وول سوينكا، تلك القصة التي تزامنت مع
ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها، عاشها وول في بلدة "آكيه" في غرب
نيجيريا وكان عمره لم يتجاوز الثلاث سنوات، حيث يسرد لنا وول في قصته هذه
ما مر به من أحداث حتى بلوغه العاشرة من عمره.
وول كان الطفل الذي لا يتوقف عن طرح الاسئلة، السؤال عن كل شيء يدور حوله،
والسؤال يتلو الاخر. كان وعيه يفوق عمره بسنوات عديدة. أما محبته للعلم
والمعرفة والاكتشاف فكبيرة جداً.
راح وول يحسد أخته "تيني" التي تذهب الى المدرسة وأصبحت لها عالم آخر أجمل
وأوسع من عالمه هو، لذا قرر الذهاب الى المدرسة خلسة وهو لم يبلغ الثلاث
سنوات بعد.
يقول وول "ذات مرة اختلست النظرات داخل المدرسة فسمعت همهمات غامضة لتلاميذ
لم استطع ان اتبينها ومن خلال الشبابيك المفتوحة لفصول المدرسة شاهدت
رؤوسهم في حالة من التركيز وكان المدرس بهيئته الجليلة يتحرك في حجرة الدرس
جيئة وذهاباً وهو يتحدث الى التلاميذ الذين يستمعون بانتباه شديد.
وكانت تتناهى الى مسمعي اغنيات مختلفة من أجزاء متفرقة من لك مبنى وفي بعض
الاحيان كنت اسمع غناء مباشراً بمصاحبة موسيقى الهارموني وبعد ممارسة
الطقوس الداخلية والشعائر الدينية كانوا يخرجون في مجموعات مختلفة يلعبون
العاباً كثيرة ويقفزون في كل مكان.. أصبح ليتني وزملائي عالم جديد في اللعب
بدخولهم المدرسة، اصبح لتيني مكان جديد لتلعب وترسم فيه.
كانت تستيقظ مبكراً عني كل صباح حيث يقودها واحد من الاولاد الكبار في
منزلنا الى المدرسة فاصبحت العابي كلها بلا قيمة لكني كنت أضحك رغم وحدتي
لم أعد أطلب اللحاق بتيني في المدرسة غير انني استيقظت ذات صباح مع تيني
واغتسلت في نفس الوقت الذي تغتسل فيه تناولت افطاري وقررت باصرار شديد ان
ارتدي تلك الملابس التي هي أقرب الى زي المدرسة وتناولت بعض الكتب من فوق
مكتب أبي، ثم انتظرت في الحجرة الامامية حتى انطلقت تيني مع رفيقها.
وما هي إلا بضع دقائق حتى حملت الكتب وتسللت وراءهما بخفة حتى وصلت
المدرسة.. انتظرت قليلاً عند الباب ورأيت المقعد الذي تجلس عليه تيني ثم
اندفعت متسلقاً المكان ووجدت نفسي الى جوارها.
سمع المدرس تحركات غريبة بين التلاميذ عند دخوله الحجرة، فقد كان جميع
التلاميذ يضحكون من وجودي".
المدرس الذي كان صديقاً لوالد وول اقترب منه وسأله:أليست هذه كتب أبيك؟
اجاب وول: نعم هي كذلك وأنا أريد ان اتعلم منها. فكان قرار المدرس ان يضيف
أسم وول الى قائمة التلاميذ وطلب منه ان يأتي الى المدرسة عندما يشعر برغبة
في ذلك، أي انه ليس عليه ان يأتي كل يوم كأخته تيني. أما وول فقد نظر الى
الخرائط الملونة والصور والاشياء المعلقة على الحائط ثم الى الاقلام وكتب
الرسم وصور الحيوانات.
كل ذلك جعله يرد على اقتراح المدرس، معلناً جوابه وبكل ثقة: سوف أحضر كل
يوم. فخلافاً لمعظم الاولاد في عمره، أحب وول المدرسة.
وخلافاً لغيره من الاولاد الذين يقضون أوقاتهم في اللعب كان وول يحب
العناية بالحديقة والزهور وكان يخصص وقتاً لهذا العمل الذي يقوم به بمتعة
تامة تضاهي تمتع الاولاد باللعب. لم يردع هذا الطفل الصغير أي شيء، لا
الخوف، ولا العقاب ولا أي شيء آخر كان يمكن ان يوقفه اذا اراد ان يكتشف
أمراً مستعصياً عليه.
كان وول متمرداً منذ صغره، لم يكن يتقبل السلطات العليا، سواء من رجال
الدين أم من الرجال الكبار في بلدته، ففي إحدى جلسات البلدة حيث كان
الاهالي كلهم مجتمعين للقاء أكبر رجل دين في القرية وحيث كان يجب الانحناء
أمامه، فامتثل الجميع لهذا التقليد عدا الطفل وول، قائلاً في نفسه أمام هذا
المشهد" لا .. لن انحني لذلك الغريب المتعجرف حتى لو أصاب والديّ مس من
الجنون واجبراني على ذلك فإنني ان أفعل.
كان وول ينعت أمه بالمسيحية المتوحشة أو المسيحية الشريرة. فأهله كانوا ككل
الاهل التقليديين الذي يعاقبون أولادهم بالضرب. أما فيما يخص أباه فكان وول
يعشق كتبه والصحف التي كان يقرأها.
"آكيه.. سنوات الطفولة" هي قصة طفل مميز تحكي كل التفاصيل للحياة العائلية،
ومن الحياة العائلية يجوب وول كل المناحي الحياتية، الاقتصادية،
الاجتماعية، التقليدية في وطنه مسلطاً الضوء عبر نافذة الطفولة على العالم
الذي اسهم في تكوين ثقافته خلال سبع سنوات من عمره.
من الشعر النمساوي المعاصر
ترجمة: بدل رفو مزوري
ترجمة: بدل رفو مزوري
1 ـ العالم اصبح ضيقا ً
العالم اصبح ضيقا َ
بالياً بدون رَب
وفي زحمةٍ وحشية
يقف العنف ضد العنف
وفي السلاسل والحلقة
يضج جيل ٌ باكمله
صار الشيء سيداً
والانسان عبدا ً.
2 ـ الثوار
تعقبوا الثوار...
اضربوهم، اصرعوهم
صوبوا نحوهم ، استأصلوهم
ارفضوا الخبز،
لكن، لن تقدروا على قتلهم
وان اضمحلوا،
فسوف يقومون برؤوس اكثر
فهم المنقذون
وعُذبوا على الخشبة،
منذ آلاف السنين ولا يزالون.
لكنهم ...تحدوا الموت
يستهزئون به،
وستعيش الى الابد
الثورة.
3 ـ اُغنية المطرودين
تحترق الشعلة في ايدينا
ونبحث عن وطن وبلاد
من شِعاب العجلات،
من العبودية والضيق
طرَدَنا امرٌ حديدي.
مطرودون،تائهون،محتقرون،
مجروحون،معذبون،متالمون،
مطحونون،ممزقون، مشققون،
اشعلنا الشعلة
رغم ذلك...
ونحملها باحثين في يد
ذات كَنب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر هانز هايدنباور:
ـ الشاعر من مواليد 1902،مدينة لانكين فانك في مقاطعة شتايامارك.
ـ حين كان عمره 14 عاما عمل في معمل الفولاذ اثناء الحرب العالمية الاولى
،وعمل هناك لمدة 18 عاماً، لحين ان سمي بالشاعر العامل.
ـ تعود بدايته مع المشوار الادبي والنشر حين كان عمره 27 عاما، ويعد اول
عامل ينال جائزة وقف يوليوس رايخ عام 1932.
ـ نشر عددا كبيرا من القصائد والقطع النثرية ـ اخترت هذه القصائد من ديوانه
"عمل وعالم" ،صدر عام 1955 في غراتس.
قصة قصيرة
الابـــــــــــن
محمد مستجاب - القاهرة
المغارة
عندما أحاول الدفاع عن القمر: فذلك لا يعني إدانة الشمس، ورأس الحكمة مخافة
الله والدنيا ليست مضمونة، وكل صباح يأتي بلا رزايا فهو هدية من الرب تفرح
قلب المؤمن وعين السماء وباطن الأرض، ولن يحدث لك خدش ولن ترتبك السماء
بالرعود ولن تنتفض الأرض بالزلازل دون إذن الجبار، فالعبد عاجز والسماء
حنونة والأرض رحيمة - صدقني، ولا يبقي لنا في النهاية سوى العمل الصالح
والتمعن في السماء وتعمير الأرض، فالإنسان موعظة متحركة - لكن - السماء
والأرض موعظتان ثابتتان، ومن أراد له الله الستر فلن يستطيع المخلوق أن
يؤذيه، وما أراده الله للسماء والأرض فلن يستطيع احد أن يغيره، والتائب من
الذنب كمن لا ذنب له وكالسماء الصافية والأرض المنبسطة...
لذلك تظل الكلاب - ضالة - تعقر الناس في النجع، وعندما يصرع ( السماوي )
كلباً نتعاطف مع الكلب ونسب القاتل، والأدهي أن نصف قتلتي لقوا حتفهم مقابل
الاعتداء علي كلاب الآخرين، كذلك - تظل - الأرض جافةً متشققةً جرداء لا
تنبت غير الجفاف، وعندما يهطل المطر ويصير سيولاً غارقة، نتعاطف مع الأرض
ونسب السماء، لان معظم القتلى لقوا حتفهم في السيول...
في الحقيقة لا أعرف كيف اختفي القمر من السماء، لكنه من المؤكد اختفي
بطريقة لا تخضع بتاتا لهذه الأقوال، بل وأضف أن يوم اختفاء القمر كان يوماً
تشيب له الولدان وتهتز له الجبال.
لقد فاجأني الأمر كما فاجأ الكثير من الكائنات المهتمة بالحفاظ علي القمر،
فقد داهم نجعنا الظلام، مما فتح باب المناقشة في بعض الأمور كادت تقلب
السماء علي الأرض.
ففي غروب ذلك اليوم القديم تأخر القمر عن الظهور، كانت السماء صافية لا أثر
فيها لغيم أو ضباب أو دخان أفران أو مدافع أو رائحة شياط أو شكوى مظلوم أو
روح صاعدة لبارئها أو آهة جريح، وخشي - العمدة - أن يكون قد أصاب القمر
مَللٌ أو كللٌ أو غضبٌ أو مرضٌ عاقة عن الظهور في الميعاد، فتساءل، وعندما
يتساءل العمدة يجب الوصول إلي إجابة، قالت الريح: أنى لي أن أعرف لذلك
سبباً وقد أطلقت في كل الأفاق مزمجرة دون أسباب، وقالت النخلة: أمنحكم
رطباً وجريداً وخمراً لكني - كما أمرت - لا أنحني ولا أجيب عن سؤال، وقالت
القطة: أجيبكم يا أصحاب نعمتي ومأوى أولادي لو أن القمر كان هواماً أو
جراداً أو سحليةً أو واحداً من الفئران، وقال الكلب: أكون نابحاً دون سبب
أو رفيقاً أو باسطاً قدمي أو عضاضاً أو سؤالاً دون إجابة، وقال الحمار:
أكون حمَّالاً للأسية أو نهيقاً في وجه شيطان أو نعتاً لغبي ولكني لا أفهم
السؤال، وقال الحجر: اعطوني الأمان، قال العمدة وهو يشعل سيجارة: الأمان لك
يا غليظ القلب، قال الحجر: قضيت فترةً مُرتكزاً لشيطان وشيطانةٍ، وسمعته
والأمان لي - في ذروة انتشاءٍ يهمس لها: مولانا - إبليس - اغتال القمر وفتت
رأسه وثقب صدره وأظلم سماء وأرض النجع كيداً لهما، وإنكم يمكنكم أن تزرعوا
وتحرثوا وتشونوا الغلال في الصوامع وتثقبوا الجبال وترعوا الإبل والشاه
وتحفروا الترع وتقيموا الجسور وتدفنوا رءوسكم في صدور نساءكم وتطلقوا
الرصاص والزغاريد في الأفراح ومواسم الحج وتذرفوا الدموع والصراخ والآهات
علي الأموات والفواجع، لكنكم تظلون جاهلين بما لا يصلح فيه كل ذلك،
فالمعرفة كالرغبة والتواصل والنشوة: هبة وموهبة لا يفيد فيها زارع أو صانع
أو عمدة أو ملك، فأمر الحاج أحمد عبد اللطيف وهو يضبط عمامته: أن يفتت
الحجر وأن تمزق أوصاله وتقطع أطرافه إن لم يفصح، قال الحجر لائذاً في أحضان
صخرة: عندما يتوقف القمر عن الظهور فاعلموا يا قادة وأهل النجع أنكم مقبلون
علي مالا تحبون، فقد قال الشيطان للشيطانة بعد أن قضي متعته: ذلك النجع مثل
ذكور الماعز، سينتهون مخترقين بسيخٍ من حديد ويصبحون لذةً للسائحين
والسكارى والمحرومين، ومثل الحمير سينتهون ساحبين عربات الكارو والنفايات،
ويُعلَّق رجاله من محاشمهم ونساؤه من أثدائهن، إن لم يصلوا إلي تلك
المغارة، التي ما رآها بشرٌ ولم يفتحها كائنٌ إصبعه أو سيفه أو جيوشه أو
كلمة سرٍ، ولم يصل إليها حافر جوادٍ أو خف جملٍ أو جحافل نملٍ، ولم تكن
ملجأ للثعابين والوطاويط والهاربين، ولم ير وجهها أشعة الشمس من قبل، ولا
تلهو بها الريح، فكتم العمدة غيظه وأمره وهو يلقي عقب السيجارة ويدهسه
بمركوبة: أن يزيد، قال الحجر مرتجفاً: لقد رحل الشيطان والشيطانة باحثين عن
عبيد الله كي يُحمَّلوهم بالذنوب والخطايا، فزعق المقدس سمعان هامساً: وأين
هذه المغارة يا ابن الصخرة الصلدة ؟ قال الحجر: أنا لا أبرح مكاني، صرخ
العمدة وهو يشعل سيجارة أخرى: مزقوا أوصال الحجر ورمَّلوه، قال الخفراء
وكيف نرمله يا حضرة العمدة: قال العمدة: حطموه حتى يصبح رمالا...
وبعد مهزلة الفتك بالقمر وتلك المناقشات، أمر- إبليس - أبناءه وأحفاده،
بجمع كل الخطايا والذنوب، وأمرهم أن يهاجموا النجع، وجلس إبليس في إحدى
الجزر وبدأ في دق الطبول التي أيقظت الكون..
فذات صباحٍ قديمٍ من الشهر السادس، استيقظ النجع علي ضجيج واختراقٍ
ومداهمةِ، اجتاح أبناء إبليس النجع، حطموا الصوامع وأصداغ الأبواب، وردموا
الآبار وسفكوا دم الشياة والأرانب وقاموا بتشريم آذان الرجال وحلقوا رؤوسهم
وعبثوا في منافذ أجسادهم وبروزات أبدانهم، ثم جرجروا في أعقابهم البواسل
والنساء والأطفال، وأشعلوا النيران في النخل وصوامع القمح وبطون الأبقار
والكلاب وظل النجع ينوح ويولول والبيوت تفح بالارتعاش، وجفت الأواني، وفرغت
الصوامع من الغلال والتمر والسمن والعسل والدهن، وتعالى الصراخ الملتاع
المتناثر، وتساقطت النوافذ فوق الأبواب، والرماد فوق المياه، والعجائز فوق
الأطفال، واستحال النجع إلي دروبٍ متزاحمة تنفث الخوف والدعاء.
ودارت النساء في النجع جريحة تلطم وتصرخ وتهيل التراب، والنجع يتقلص،
ويرتعب ويهذي ويلعق الدم وحبوب الرمال وأوراق الشجر الجافة، وابتلعت السماء
شمسها، وفحت بالعفن والوحل والأعاصير، والجرحى والمرعوبون يتأوهون ويتحسسون
وينوحون، وظلت السحب تجمع النجوم وتدفعها إلي مكان آمن.
وتحركت الرمال وامتدت حتى بلغت حلق الريح، وبدأت الثقوب تخترق جسد السماء،
والتشققات وجه الأرض، واهتزت الجبال وبدأت الصحراء تعوي سراباً، وجفت مياه
النهر وامتلأ بالحشائش الشيطانية، وانهارت مقامات الأولياء، ومآذن المساجد،
وجدران الأديرة، وأصاب الضمور النخل، وتساقط شعر النساء، وأصاب الرجالَ
الصلعُ، والأطفالَ القراعُ، وجف حلق المغنين والمنشدين، وتفحمت الحقول،
وبدأت الأبقار في القفز علي الحمير، وارض النجع تمتليء بفحيح الثعابين
وعواء الذئاب، وسماؤه بنعيق الغربان والبوم، وانتشر المجاذيب والدجالون في
انحاء النجع، وامتلأ النجع بأبناء إبليس وأحفاده، وبدأ الصراخ الحزين يملأ
النجع حزناً علي القمر:
القمر... القمر يا أبناء النجع...
وقاوم الصيف ألف شتاءٍ، واستسلم الربيع والخريف للظلام، والظلام جاثم ويحوم
بالكل، والخراب يخترق الجميع كالنيران، وأرهقت الشمس من العمل طوال اليوم،
ولم تلبث أن بدأت تتلكأ وتعمل يوماً وتغيب أياماً.
في الماضي، عندما كان الفعل يسبق الكلام، والتلاميذ يخشون ظل المدرسين، في
الماضي، عندما كانت الأمهات يرضعن أطفالهن سنتين كاملتين من أثدائهن،
والفتيات يتزوجن قبل العشرين، والعشاق يناجون القمر، في الماضي، عندما كانت
المصانع والسواقي تدور والصوامع والأجران تمتلئ بالمحاصيل وتدفأ بالخير
والبركة، في الماضي، عندما كان الصغير لا يستطيع أن يجلس أمام الكبير،
وأبواب الجيران مفتوحة تستقبل أطباق "العاشوراء" وكفوف الضيوف، في الماضي،
عندما كان لليتيم ألف أب ومليون أم، والقطن يدفيء الأجساد، والقمح يملأ
البطون والأديرة ملجأ المعذبين، والمساجد مهوى أفئدة الخاشعين، في الماضي،
عندما كانت المساجد تملأ في الفجر مثل الجمعة، والعيون تتظلل بالأهداب،
وإعلان وشهرة الزواج قبل الولادة والنسل غير المقدس، في الماضي، عندما كان
لكل عائلةٍ كبير ولكل حارةٍ فتوة ولكل نجعٍ عمدة ولكل بلدٍ ملك.
في ذلك الماضي البعيد ما كان هناك مخلوقٌ علي وجه الأرض، يستطيع أن يأخذ
حفنةً من تراب القمر، أو يتجرأ ويغتال القمر، ويُعَّرض السماوات للظلام
والأرض للوحل والرؤوس للقراع والصلع، وقباب الأولياء وجدران الأديرة
للانهيار والرجال للجذع.
تباً لإبليس الذي لا أعرف له أم..
تباً لإبليس الملعون بن الملعون..
تباً لإبليس وذنوبه وخطاياه ومكائده..
تباً لإبليس المغرور بن المغرور..
تبا لإبليس وابنائه وأحفاده..
من الصعب الاحتكام إلي الدليل الذي اتخذه النجع في معالجة مسألة اختفاء
القمر، فعندما تضع نسباً غير مؤسس كأبناء الشيطان، في أرضٍ غير ممهدةٍ كأرض
النجع، سوف يصنع تاريخا هشاً لا يستطيع الصمود أمام أحقاب التاريخ العظمي..
وكي يعود القمر للظهور، وينقشع الظلام عن النجع، كان علينا أن نتحد ونلقي
تلك المسائل التافهة في بئرٍ ونردم عليه، كما نبهنا شيخ الزاوية الغربية ذو
الخبرة المدوية في معالجة تلك المسائل..
ففي إحدى الليالي السوداء حلف العمدة الجديد (وهو غير العمدة السابق والذي
قضي نحبه أثناء محاولة معالجة بعض المسائل التافهة قبل إلقائها في البئر)
وقال وهو يشعل عود ثقابٍ كي يشعل الغليون الخاص به:
سنفك إسار القمر بنفس اليسر الذي ندمغ به أصداغنا وشماً.
فقلقنا من هذا الكلام، خوفاً من أن يكون قد أصاب العمدة مسٌ من الجنون، أو
عدم إدراكٍ وفهمٍ لما يحدث، فأشعل عود ثقاب آخر، وقال مؤكداً:
سنذهب لحلال العقد.
وفي الصباح المظلم، حملنا فوق دوابنا ورؤوسنا فولاً وقمحاً وحلبةً وعدساً
وماعزاً حيث توجهنا إلي مقام سيدنا العارف بالله، كاتم سر الخلق، حلال
العقد الواثق بالسماوات، الشيخ حافظ بن إسماعيل، الذي يمكنه أن ينطلق في
منتصف الليل فيزور المسجد الأقصى، ويؤدي صلاة الفجر في المدينة المنورة،
ويقابل واحداً من أبناء الشام الذين يعملون في مكة، وواحداً من أبناء مصر
الذين يعملون في الرياض - في الصباح المبكر، ثم يعود إلي خلوته قبل ظهور
الشعاع الأول من الشمس.
وفي الصباح المظلم التالي وما كدنا نعبر النهر الجاف ونحطم غابات من
الحشائش الشيطانية، حتى راعنا أن نرى المقام من بعيد، وقد خرج منه شعاع نور
للسماء، وما كدنا نقترب من المقام، ونلقي المرابط أمامه، حتى وجدناه مقاماً
نظيفاً ورائعاً وجديداً، وعلى أركانه الأربعة ترفرف الأعلام الخضراء.
وجاء دورنا في مقابلة حفيد الشيخ، ووارث سره في الظهيرة المظلمة، فتقبل منا
هدايانا بامتعاضٍ، لكن وجهه الأبيض الرائق كان يشع نوراً وبركةً وعذوبةً
وإيماناً، فلامنا مرتين ووبخنا ثلاث مرات، ثم لثم مناديلنا وأجزاء من ذيول
جلابيب نسائنا، وظل يستجوبنا ويحاصرنا بالاستفسارات والتوسلات، كان تقياً
صادقاً فظللنا بين يديه مغمورين بالدفء والأمان والبراءة، حتى استطاع -
كرمه الله - أن يضعنا أمام سر مهزلة غياب قمرنا، آه، وكانت الباحة الفسيحة
المنيرة مغموسة في رائحة الملكوت العنبرية حينما همس ولينا الحبيب في حزن
مرهق:
- آثامكم ملأت القلوب..وذنوبكم عبثت بالأرحام.. وامتطيتم الباطل.. وتخطيتم
المحظور..
فأرخينا رؤوسنا وبكينا، فجذب أعناقنا - كرمه الله - وقال غاضبا في شدة: إن
القمر المسكين اغتيل، فقد كان يلهو غرب السماء مع بعض النجوم وقمرٍ صغيرٍ
وطفليه، وفجأة - أظلمت السماء بعنفٍ فاقشعرت الأرض قلقةً، وبدأت الرعود
والبروق والعواصف، ووقف - إبليس الملعون - علي حافة السماء، نظر إليه القمر
وهو يلثم نجمة، خلع إبليس عباءته عن جناحه الأيمن، وصوب ذنوبه، وانهال
بالخطايا علي الرأس، صرخ القمر الصغير وصغيراه رعباً، وتفرقت النجوم هاربة،
إنشرخ القمر وحاول الهروب نازفاً، فجذبه إبليس من ضوئه ورفعه وألقاه علي
قمم الجبال، رص دفعة أخرى من خطاياه في صدره، ظل القمر وصغيراه مشدهوين،
مفتوحي الفم والعيون ثم سقطوا خلف الشمس.
وجذبنا من آذاننا موبخاً وقال: هكذا تم القضاء علي قمركم، تحول من كائن
يهدي وينير ويتهلل ويبتسم ويبتدر ويتشاكس مع النجوم، ويعابث سنون وسفوح
الجبال، ويلثم مياه البحور، ويرشد القوافل وعابري السبيل والضالين، ويتسامى
سابحاً بين الغيوم يضيء الوهاد والوديان والصحاري ومكامن العشاق والهاربين،
يخترق الشقوق كي ينير جحور الثعابين، ويأس القلوب، والمجرمين، ويرشد قوافل
النمل، ويلهو على ظهور السحالي، يقوم بعد المغرب، وينام في ندى الفجر، الى
جثةٍ مفتتة الرأس مثقوبة الصدر يجتمع حوله - هذا القمر الحنون - السماء
والنجوم والبحور والصحاري والغابات والجبال والتلال والآبار باكين ملتاعين
مشويي الفؤاد غاضبين منتحبين معفرةً رؤوسهم بالوحل والعار.
وانهمرت دموعنا في حجر الشيخ الجليل كرمه الله - فجذب أعناقنا وألقي في
وجوهنا بلفافة مستديرة، ظلت تتقافز في الباحة حتى انفرج قماشها، فإذا
بداخلها جزء من القمر يرتعش ويشع نوراً.
فذهلت العيون تطالبه: بالحل والعمل، فابتسم متنهداً بالطيب والعطر وقال:
قمركم سوف يعود، فانتصبت الآذان، وشُدت الأعناق، وحملقت العيون، وفتحت
الشفاه، فعاد وأكد أن القمر سيعود، عندما تعثرون علي تلك المغارة، فقال
العمدة مرتجفاً: وأين تلك المغارة يا حلال العقد وشافي العقول ومطهر القلوب
من الآثام: فقال - كرمه الله: إنها هناك خلف الجبال الحمراء، هناك في أعماق
الأرض السوداء، سوف تجدونها، فقال المقدس سمعان: وماذا بها، فضحك بحكمة -
كرمه الله وقال: إنه يشع من وجهها نور أقوى من الشمس، وحكمةٌ أعظم من
السماء، وقلبها يحمل صمت التاريخ، وعلاجها أشفى من التمائم، ودهاؤها أمكر
من إبليس، وحضنها أدفأ من الزوجة، وحنانها أقوى من الجدة، وغذاؤها أطعم من
لبن الأم، وهدوؤها كهدوء حواء الساعية للمتعة، وبها السر والماضي، واستعداد
الحاضر للقادم، وبها بحور المعرفة وسيول الحكمة ووصايا الرب، ومواعظ
الأنبياء والأولياء، ومواد القانون وعيون الدستور، فهي الطاهرة الحانية ما
رفضت تائهاً أو كشرت في وجه عابث أو عابر، وبها مقابر للغزاة والطغاة
وأحفاد الشيطان، وهي التي بدأت صناعة التاريخ، ورسم حدود الجغرافيا، تغلفها
فواصل الزمان وخطوط الطول ودوائر العرض، فقال الحاج أحمد عبد اللطيف: وكيف
نصل إليها يا سليل الطاهرين وحفيد العارفين، فابتسم - كرمه الله - ثم ألقى
في وجوهنا بلفافة مستديرة لم تتقافز ولم تتحرك، فمال العمدة يفتحها، فإذا
هي خريطة من جلد القرود، فقال كرمه الله: عندما تصلون إلى تلك المغارة، سوف
يعود قمركم وعندما تصلون سوف تعرفون.
وبدأ الحشد القادم من آفاق النجع يتحرك، بموكب قادر علي اختراق كل الآفاق
والرمال والجبال والرياح، استمر الموكب يصعد الكثبان ويهبط الأنهار والموكب
ممتدٌ، لم يتكلم أحد، والشمس قد دفنت أذرعها حول أكوام الحشائش في بطون
الترع، والصهد قد أرخى آذان الحمير والخيول، والمسافات تتأرجح اقتراباً
وبعداً تحت وقع السكون، ثم لم تلبث المسافات أن تقلصت، ضاقت، تلاشت، حتى
أصبح الموكب كتلةً واحدةً مرتخيةً، ومجموعةً من العمائم المتقاربة، لينداح
بيننا همس قوي:
المغــارة....
ها هي المغارة..
المغــــــــــارة...
فانتصبت آذان الحمير وانشدَّت سيقان الخيول، وتمزقت الكتلة الواحدة
المرتخية إلي توثبات فردية، كأن الحقيقة لم تكد تصل إلينا، أو أحدٌ لم يكن
يرغب في الإفصاح عن المغارة.
وما كادت الأنفاس المرهقة تصل إلي أعتاب المغارة، وتهمد من الإرهاق، حتى
سجد الركب شاكراً لله أمام أبوابها، وركعوا لتغوص رءوسهم في شعاعات النور،
وتقدم العمدة وكبراء النجع، يزيحون الأحجار والتراب عن باب المغارة، حتى دك
المسامع الصوت الدافيء الحنون مردداً صداه في الآفاق، مخترقاً الركام
والجماجم والظلام والوجدان:
لن نغضبكم أبداً.
أنتم الذين أدفأتم الصوامع والبذور والحوائط، الصوامع والبذور والحوائط،
أنتم الذين أخرجتموني من استكانة التاريخ والوجل، استكانة التاريخ والوجل،
أنتم الذين حررتم رأسي من الوسائد، من الوسائد، وجسدي من التابوت، من
التابوت.
وانهمر النور خارجاً من المغارة، كاسحاً كالرعد، يحطم العيون برقاً، وتنزاح
أستار العتمة، وبدأ الخير يتجمع في الصوامع والأجران والحزن يتجمع في
الآفاق، راحلاً، وهو يطلق عواءه المشروخ، ويهتز الكون ومعاقل الرعد وتنهار
قصور الشياطين، ويبحث إبليس وأبناؤه وأحفاده عن ملجأٍ آخر غير أرض وسماء
النجع، ويعود الكون متألقاً نظيفاً نقياً، وتعود الأشجار للثمر، والنخيل
للطرح، لينداح في الكون نور الحق واليقين، بعدها بدأت الأنوار في السطوع،
وتدفقت السحب تحمل في بطنها شعاعات النور، ثم لم يلبث قرص القمر أن أطل من
الأفق البعيد، وامتلأ الوادي برائحة الأخضر واليقظة والبركة وبدأت الشمس
تداور الأفق، والرءوس تستريح في دفء النور...
ثلاثة نصوص
عبد الهادي فنجان الساعدي
وطنٌ .. مزَقَهْ الآخرون
حين جاء الخبر الموشوم بالعار صرختُ
قلتُ يا أيتها الأرض تمطّيْ.
خطوةً ..
خطواتْ ..
ضميني ..
امنحيني الصمت ..
علَّ الخنجرَ المرتعب المجنون يهدأ ..
علَّ هذا الكون يتركني .. يسافر ..
علَّ جند القصر يرتاعون .. يمضون وعينا طفلتي الحلوة يتركها التحجرْ ..
آه .. هذا الوطن المجنون في قلبي خنجرْ ..
آه .. هذا الوطن المحبوب في قلبي ورده ..
لو يفارقني فأهرب ..
لو يفارقني فقد دنسهُ الجندُ ..
وملته المباغي ..
آه .. هذا الوطن المجنون .. لو يقبل عذراً ..
لو يفارقني فأهرب ..
لو يفارقني فقد اغراهُ جند القصر ..
ملتهُ البغايا ..
آه .. هذا الوطن المجنون..
من مزقه الليلة غيرك
ايها السلطان ..
من مزقه الليلة غيرك لو يفارقني هواك الطفل ..
شرياني انتزعهُ ..
خذ بقايا الحب من قلبي لأهرب ..
واعطني الفقر .. وأسمال الصغار الميتين ..
حين جاء الخبر الموشوم بالعار .. استفقتُ ..
وصفقتُ الباب في وجهكَ ..
مزقتُ حروفك ..
أيها المزروع في كل خلاياي وحبري..
ساوموني الليلة الجندُ .. وقُِطاّع الطرق ..
جاءني المخبر يمنحني فراشَكْ ..
جاءني الليلة يمنحني فراشَكْ ..
آه .. فارقني ..
وخذ مني هواكَ الطفل ..
وامنحني جوازاً ..
آه .. وامنحني هوىَ غيرهواك ..
جاءني المخبرُ يمنحني مفاتيح قصورك ..
أيها الملتفُ في الشريان ..
في كل خلاياي .. وحبري ..
خذ بقايا الحب من قلبي لأهرَبْ ..
واعطني تبغاً .. وفقراً .. وجريدة ..
حين جاء الخبر الموشوم بالعار .. صرختُ ..
أين من حزني وجَهُكْ ..
خذ بقاياي .. وسلمني جراحَكْ ..
خذ بقاياي ..
اعد للطفلة الحلوة .. عينين وضحكة ..
ساوموني ..
ببقاياك وخمرك ..
ساوموني ..
آه .. هذا الوطن المجنون في عيني يسكن ..
ساوموني وكلاب القصر .. جاءتني .. بأكواب خمور ..
آه .. والشرطة باعتني ابتسامة ..
علَّ هذا الجرح يتركني .. يسافر ..
أيها الملتّفُ في الشريان ..
في كل خلايايَّ
وصبري ..
خذ بقايا الحب من قلبي .. وسلمني جوازاً ..
خذ بقايا الحب من قلبي .. لأهرب ..
واعطني ..
فقراً ..
وتبغاً ..
وجريدة ..
الإسفلت والشوارع
وحملت الجرحَ كالتابوت..
أيقظتُ اليتامى..
مزقتني حرقة الأدمع في جفن الصغار.
مزقتني حرقة الاسفلت في جوف المدينة..
وحملتُ الجرحَ
درتُ الارض.. مذهولاً..
على الاضرحة الملأى بآلاف الطيور
درتُ مذبوحاً..
وحزني.. يملأ الأجفان..
يطفح حزني المجنون دمعاً..
وحملت الجرح كالتابوت..
والاسفلت يكوي ..
يأكل الاعماق..
يأكل كل ما في العين من شوقٍ..
أنادي الموت..
يأتي الموت.. تابوتا حزينا..
اعلن الاضراب..
أبكي..
يفتح التابوت..
كالاسفلت كالصحراء
يخرج حزني المجنون
يجتاح الشوارع
يعلن الاضراب
كالأسفلت.. يجتاح الشوارع
أمتطي حزني..
يموت الدمع في الاجفان
أحمل جرحي الممتد كالصحراء..
كالدمع الذي مزق اجفان اليتامى..
تسكن الاحزان..
في الاعماق..
كالاسفلت ..
يجتاح الشوارع.
تسكن الاحزان..
كالاسفلت في الاعماق
في الاعماق
يجتاح الشوارع..
إحباط الرجل الأخير
قرأت كلام الرجال الذين انتهوا ..
وانتحبتُ ..
ولجتُ المغارات ليلاً ..
تسكعت .. وابتعتُ سراً
سراويل .. حبراً .. كلاماً ..
تعاملت بالوقت ..
بعتُ السكائر ..
واوغلتُ بالفقرِ .. حتى النخاع ..
وغنيتُ فقري ..
الفراغ .. التسكع ..
ولجتُ المقاهي ..
التكايا .. الكنائس..
قرأتُ جرائد سريةً ..
والتحفتُ بقايا الجرائد ..
توغلتُ في الليل ..
أطبعُ .. أطبعُ .. أطبعْ ..
ووحشة تلك الدروب قصائد ..
وأوغلَتْ الشرطةُ ..
المخبرون .. الكلاب .. تتابع ..
وظلٌ مسافر ..
وأحجيةٌ يتناقلها الناسُ سراً ..
- : هو اسمي .. هو اسمي ..
طبعتُ الجرائد ..
قرأت كلام الرجال الذين انتهوا
آه .. تلك المغارات اعرفها ..
شخصََتَها ..
عيون الرفاق الذين انتهوا ..
شخصتها ..
عيون الكلاب ..
أُتابع ..
وأحجيةٌ تتناقلها النسوة
الفارشات الدروب ..
السكاري ..
البغايا ..
-: هو اسمي .. هو اسمي ..
وما غير ذاك الذي ابتاع سراً ..
سراويل ..
حبراً
كلاماً ..
ليكتب تلك المآسي الطوال ..
القصائد ..
ليكتبَ ذاك الذي لقنوه الرجال ..
الذين انتهوا ..
وليبارح ..
|
كيف تصنع الشعوب حكاياتها ؟
في البدء كانت الحيلة
نعيمة بنعبد العالي ـ المغرب
1
ما الشيء الذي يجمع بين جحا وميكي ماوس؟ بين أبي حنيفة وأرسين لوبان،
بين ابن آوى وحديدان الحرامي، بين "سكابان" والصعلوك…؟ قد يبدو غريبا هذا
التنقل السريع بين الثقافات والأزمنة، بين أنواع الفنون الأدبية المختلفة،
البعيدة كل البعد عن بعضها. سنحاول في هذه المقالة، أن نبين وجود خيط سميك
يجمع بين هذه الأشكال المتعددة من الإبداع، بين هذه الشخصيات المعروفة
وأخرى لا تتمتع بالشهرة نفسها. خيط "أريان" هذا الذي يسمح لنا بالتجول عبر
متاهات الحكايات العالمية المتشعبة هو الحيلة. قد يبدو هذا الرابط هزيلا
نظرا لتنوع المواقف والثقافات، وغرابتها… ولكن بعد التمحيص والتحليل سوف
يتبين عكس ذلك. هذا ما نطمح إليه على الأقل… وقد يتبدى لنا في آخر المطاف
أن أنجع طريق للتجوال بين الثقافات والعصور المختلفة هو سلوك طريق الحيلة.
فقد تكون هي الخاصية المشتركة بين الشعوب عبر الأزمنة والأمكنة. كل ثقافة
أخذت حظها الوافر وترجمت حصتها في أدبياتها الشفوية والكتابية، السمعية
والبصرية؛ وذلك منذ أقدم مراحل تطور البشرية… ففي البدء كانت الحيلة، هذا
على الأقل ما سجلته أساطير الشعوب الأولى التي تحكي عن صانع الكون الشاطر…
هذا ما سوف نفصله فيما بعد. وكالحكمة تبعثرت الحيلة شتاتات صغيرة في جميع
أنحاء المعمورة، عندما ارتطم العدن التي كانت محفوظة فيه مع جذع شجرة بسبب
تهاون حاملتها، السلحفاة، كما تحكي أسطورة إفريقية. فمنا من جمع الكثير
ومنا من كان نصيبه الغبن والغفلة. ولا ننسى أن الحيوانات عندما تريد أن
تعرف الإنسان فيما بينها تقول: "هو ذلك الكائن المحتال"، هذا ما جاء في
حكاية "الإنسان والحيوانات"، حكاية الأسد الذي تعلم من هو الإنسان عندما
سقط في فخه ((1 .
لم تحظ الحيلة بمثل الاهتمام(2) في البحث والتحليل الذي حظيت به مثلا
الحكاية العجائبية، مع ما لها من بعد أنتروبولوجي عميق ورغم شيوعها
وذيوعها، والتصاقها بالأساطير والخرافات، ورغم أنها تكون القسط الأوفر في
الترتيب العالمي الذي قام به "آرن وطومسون". فالحيلة تخترق مجالات عديدة،
شاسعة، وإن فصلتها مسافات سحيقة: الأساطير، الحكايات الشعبية، الألغاز،
الأحاجي، الكوميديا بجل أنواعها، القصص والأفلام البوليسية… فالحيلة ليست
ظاهرة هامشية، عابرة وبسيطة. بل هي ظاهرة بشرية بعيدة الغور، تطرقت لها كل
الآداب العالمية وبلورتها في أنواع السرد المختلفة.
وأدبنا العربي هو كذلك غني في هذا المجال. كثرة النوادر تثير الانتباه، وإن
كان قسط كبير لم يصل إلينا، فقد(3) إلى الأبد أو لازال صامدا بين
المخطوطات. اهتم بها كبار المؤلفين والمصنفين في اللغة العربية مثل
الجاحظ(4) والبيهقي والميداني والتنوخي والجوبري وكتب الفقه والمناقب،
والليالي(5)، والأغاني(6)، كتب التاريخ والموسوعات، شعر الصعاليك…
I - المميزات:
الحيلة ليست هي الغش أو الغرر. ما يفرق بين الحيلة والغش هو ما يفرق بين
المطبوخ والنيء، بين الخشن واللطيف، بين المهذب والفظ. الحيلة من جهة الظرف
والرقة واللباقة. الفرق ليس دائما واضحا، قد يكون لغويا وأدبيا، في الأسلوب
وفي طريقة عرض الأمور، في مستوى التعبير. يبدو هذا واضحا في أدب الكدية.
الحيلة أوسع مجالا. قد تهم جميع العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ليس فقط
العلاقات الاقتصادية، الحيلة كالحياة، هي مرونة واختراع متواصل وقدرة على
التكييف والارتجال والصبر(7).
ويبدو أن الحيلة لا تدخل في مجال القانون. فالضحية المخدوعة لا تذهب أمام
القاضي وإن ذهبت فالمخادع يتخلص بحيلة، إن لم يكن القاضي هو نفسه صاحب
خدعة. الغرر مصطلح تقني يعرفه الفقهاء تعريفا دقيقا ويذكرون أحواله وحدوده.
وكذلك الغش، الذي تتطرق له كتب الحسبة، كالغش في الميزان والكيل وغير ذلك
مما قد يتم بين البائع والمشتري… هذه الأمور تبقى أشياء عادية، لها أهميتها
وجديتها. أما التحايل فلا يعترف به. مجال الخفاء والخيال والنوادر. هو
الذكاء عندما يتوارى، عندما لا يعلن عن نفسه.
الحيلة تقع على مستوى الخطاب أكثر(8). هي من الأمور التي تروى مرة وأخرى،
وتنسخ… ما يهم أن هذا التاجر غش هذا المشتري. أشياء تقع كل يوم وفي كل
الأسواق وتنسى لحينها. أما الحيلة فتخضع للتأليف والتنميق اللغوي؛ وتدخل في
خزانة الذاكرة الشعبية، ونجدها بين طيات الكتب.
والمتحايل يكشف دائما عن قناعه في الأخير. يتلذذ بهذا الفضح، في ابتسامة أو
ضحكة استهزاء أو افتخار، أو حرصا على إثارة الإعجاب. كما هو الشأن مثلا في
المقامات، وفي الحكايات الشعبية، وفي بعض أنواع الروايات البوليسية.
النوادر التي تعتمد على الحيلة كلها تعلن عن نفسها. المخدوع يعرف في
النهاية أنه سقط في مصيدة. وقد تكمن هناك حلاوة الخدعة. وليس بالضروري أن
تكون هناك ضحية معروفة بالضبط. الحيل المنسوبة لأبي حنيفة هي تحايل مع
أحكام دينية صارمة. والذين يبدعونها يتلاعبون بسد جميع الأبواب، جميع
المخارج لإظهار براعة الحيلة. وتأخذ النادرة صورة لغز: كيف تخرج من حجرة
ليس لها باب ولا نوافذ، سقفها عال، وليس لك فأس. وإذا لم تخرج فسوف تطلق
زوجتك، لأنه سبق لك أن حلفت. ويسأل الفقيه، ويأتي بأعجوبة سحرية، ويدلي
بحبله من ثقب ما وينقذ الموقف، وتحافظ على زواجك(9). تظهر الحيلة كالمخرج
الوحيد عندما تقفل جميع الأبواب. فالحيلة متاهة. هي أطول طريق وأنجعها
للوصول إلى الغاية، تتجول في الأزقة، أزقة الفكر والعقل. التواء والتباس
يخلق نوعا من الترقب. هل يستطيع المتحايل أن يصل إلى هدفه؟ وكيف؟ وبأية
وسيلة، والسبل جميعها غير مؤدية؟ ولكن للمحتال مقدرات فريدة، له عدة أسهم
في جعبته. وهذا ما يثير الإعجاب، حتى من طرف الضحية. الافتتان بالحيلة قائم
في الأدب الشعبي وحتى في الأدب "الرسمي"، هو افتتان بسراديب الذكاء.
فالمخادع يسلك دربا مختلفا عن الدروب والمسالك المتوقعة من الخصم. فمثلا
عندما يدخل جحا في مباراة في الخداع مع ند له يريد أن يبرهن على تفوقه في
المكائد، تنتهي الخدعة والخصم لا يعلم أنها ابتدأت بعد؛ لأن جحا يأتيه من
طريق الغفلة؛ لم يواجهه ولكن أتاه من الجانب(10). فالحيلة البارعة هي التي
لا يمكن التنبؤ بها. هي غير متوقعة، كمفاتيح ومخالق المتاهة. مفاجئة للضحية
وللقارئ، وقد تكون مفاجئة حتى للمحتال نفسه، لأنه يضع نفسه في موقف حرج، في
المحك، إذ يكون هو رهينة خدعة قد تنجح وقد لا تنجح، وإن كان في حذر واحتياط
مستمرين، وإن حسب لكل طارئة حساب. فقد يسقط بدوره في الحيلة ويصبح
الخادع/المخدوع كابن آوى أو الثعلب(11) الذي يملك مائة حيلة، وليس
كالقنفذ(12) الذي لا يملك إلا حيلة ونصفا ولكن هي الصائبة، هي المنفذ من
المتاهة.
الحيلة والحكمة:
كثيرا ما يقع التباس بين الحيلة والحكمة. الفرق بينهما ليس واضحا. تبدو
الحكمة أكثر سموا، وقد تكون الاسم الآخر للحيلة، مثلا عند صاحب
"الرقائق"(13). ومما يزيد في الالتباس أن كثيرا من سمات الحكمة تميز بعض
الشخصيات المشهورة بتحايلها كلقمان(14) وجحا وشخصيات بيدبا(15) وبعض أبطال
التراث الإغريقي(16). الحيلة لا تتكلم منطق الحق ولكن منطق الفعالية دون
احتراز العدالة دائما. وإذا استهدفت الحق فبطرق ملتوية، تنطوي على خدعة.
أمام الاستبداد قد لا تنفع الحكمة. للحيلة جانب ترفيهي مبني على السخرية،
تلك السخرية الخفية التي تضع مسافة نقدية ضرورية لمقاربة الأمور والعلاقات
السلطوية. هي نظرة لاهية مستهزئة من العالم ومن النفس أولا. وقد يبدو
الحكيم جادا أكثر من اللازم فيضع نفسه في محل الفكاهة بإفراطه هذا. ويعني
واضعو الحكايات بإدماج الحكماء في مجال التحايل كما يبين الإطار الفسيح
الذي يتضمن حكايات أبي حنيفة وإياس ابن معاوية وشريح القاضي ولقمان الحكيم
وغيرهم من فقهاء وخلفاء وأطباء، خصوصا في الأدب المكتوب، أما الدهاء الشعبي
فهو يتلاعب بالحكماء والعلماء وينسج قصصا عن غباوتهم وطمعهم حيث نجدهم
الضحية الوديعة للمخادعين لثقتهم بنفسهم وبعلمهم(17). وقد يبدو الماكر
متعدد الوجوه، متغير المعتقدات، مغامرا. في حين يقف الحكيم في ميدان
الاستقامة والطريق السوي والإدماج والإجماع والموروث والمؤسسي، نجد المحتال
يلج المنعرجات والتموجات والالتواءات والتغيير والابتكار والنقد والهامش
والفوضية. الحيلة ثائرة عاصية. الحكمة فلسفية مبدئية. الحيلة طريقة إجرائية
للخروج من مأزق، مبنية على التبصر والاستنتاج. تبدو مقترنة أكثر بالعامة،
بالنساء(18)، بالممارسة اليومية، أما الحكمة فهي مرتبطة بالخاصة. والحكيم
معروف ومقصود، ويسعى للسمعة والجاه والاعتراف، أما المحتال فنكرة، يعمل في
الخفاء ويتجنب الشهرة ويخشى السمعة لما قد تسببه من مشاكل(19). وخوفه من
ذيوع الصيت يجعله دائم الترحال كشخصيات الحريري والجوبري وكجحا…
قد يقول قائل ليست هناك حيلة بريئة. مسألة التحايل لا توضع في هذا الجانب،
جانب الذنب والبراءة. قد تكون الحيلة تحديا لإشكالية الأخلاق. قد تفتننا
بمهارتها وتأنقها وننسى أن نصدر أحكام قيمة عليها. من يستنكر منا حيل
الطفيلي والثعلب؟ من يدين جحا أو اللص الظريف؟ من ينتقذ أبا الفتح وأبا
زيد. في الحكايات الشعبية يبدو القاضي والفقيه هو السارق الأكبر(20).
والمخادع عديم الذمة، مرتاح الضمير، يتهادى في تيهه ويختال في تحدياته، في
تجواله على عكس التيار. الحيلة ليست واعظة، بل هي مشاكسة، لا يمكن أن تؤدي
إلى الطريق الصالح لأنها تفتح طرقا متشعبة، فهي مبنية على المفارقات، على
الشيء وضده، على قلب الأمور(21) وتخطي الواضح. أدب الاحتيال لا يدعي
التربية أو تقويم اعوجاج المجتمع. هذا بالضبط ما يفسده لأنه مبني على الضحك
من المظلوم والتصفيق لنجاح الخدعة. الهدف التنويري والتوجيهي يخرجنا من
مجال الحيلة. ليس المكر من جهة الخير أو الشر، هو ينزلق بينهما ويطوف
حولهما. وإن أردنا مع ذلك أن نستخلص درسا ما، فهو انتصار الحيلة على
العنف(22). سياسة "الحيلة كتغلب العار"، كما يقول المثل الشعبي. لا حسن ولا
قبيح، اليد العليا للبارع في الحيل، سيد العالم من له عدة أسهم في
جعبته(23). قانون الأقوى هو الذي يسود. ولكنها قوة الذكاء والحنكة.وقد يقوم
التهكم والسخرية مقام الأخلاق بطريقة غير مباشرة.
في سماء "هوميروس" لم يكن هناك حس قوي بما يفرق بين الخير والشر. في
الديانات البدائية كانت قوى الخير ممزوجة بقوى الشر. وقد تكون الحكايات
الشعبية انعكاسا لهذه الظاهرة، إذا نحن سلمنا بمقولة سانتيف(24) بأن هذه
الحكايات منحدرة من معتقدات وطقوس دينية.
في أدب الكدية تبرز حرية أخلاقية كبيرة تظهر حتى في المصطلحات. ففي القصيدة
الساسانية(25) مثلا نجد إباحية قد يشفع فيها الفن. وكأن المنعدم البائس لا
تنطبق عليه قيود الأغنياء. فقره يحرره من سجن الطابوهات. فهو الملك الذي
يتهادى في بحر المحرمات ويتباهى بين كلماته الفاحشة. في الليالي أيضا تتخطى
الحيلة حدود الأخلاق بكل سهولة، حيل للقتل، للغصب، للسطو، للخيانة الزوجية.
الحيلة يحكمها قانون الرغبة والشهوة والعشق، في طلاقة ووقاحة.
وحتى في الروايات البوليسية المبنية على اللغز وانتصار الذكاء لا يظهر هذا
الصراع المانوي، كما هو الشأن في الأنواع الأخرى من الروايات البوليسية
التي يصبح البطل فيها هو المنصف، هو واضع الحدود بين العدل وقوة الطاغوت.
في حكايات "كليلة ودمنة" وما يشاكلها من قصص على ألسنة الحيوانات، تلك
القصص التي تدعى الأخلاقية(26)، لا تكمن الحكمة في التفرقة بين الحسن
والقبيح بقدر ما تكمن في القدرة على الخروج من المآزق والتخلص من الخصم، في
الكفاءة على تفادي الضرر وإن اقتضى الأمر الدوس على الآخرين. هذه الحكايات
تدور على كيفية الانزلاق من الطريق المسدود بمناورة تجنب المصيدة أو تسقط
الآخر فيها. الدرس هو الحذر والاحتياط وليس هو العدل والاستقامة. والبقاء
للأكثر مكرا. هذه هي لغة القناص والطريدة، لغة الإنسان في البدء.
يقول الجوبري في كتابه "المختار في كشف الأسرار" إنه يريد أن يفضح أعمال
وحيل هذه الطوائف لتحذير الناس. يعلن منذ المقدمة أن هدفه تربوي وليس
ترفيهيا. "فافهم ذلك ونبه فكرك"(27)؛ "فافهم ذلك ترشد"(27)؛ "كن على حذر
منهم"(28)؛ "كن خبيرا بالأمور لا يدخل عليك شيء من ذلك"(29). وينتقدهم ولا
يتعاطف أو يتسامح معهم: "وكل ذلك حيلة على أموال الناس والفسق
بأولادهم…"(30). ولكن يبدو الجوبري رغم تعففه ونكرانه الصريح أنه أول معجب
وأول مفتتن بأعمال شخصياته وهذه بعض أمثلة استهوائه: "حديث يكتب بماء
الذهب"(31)؛ "ومن أعظم ما وقفت عليه وأظرف.."(32)؛ و"لهم فيها أفعال لا يقع
عليها حد ولا قياس"(33)؛ "هذه الطائفة لهم أمور عجيبة وأحوال غريبة لا تعد
ولا تحد"(34)؛ "يذهلون عقل من يحضر", فهو أول من يتلذذ بألاعيبهم. الإغواء
يعبث أولا بالشخص الحذر الذي يقف على الأسرار ويعرف خبائر الاحتيال. وقد
يكون هو المحتال الأول، يمكن أن نخصص له أول باب في كتابه. فهو يفوز في
حلبة السباق ويخدع القارئ بتقديمه لحيل "واقعية" قد تقطن واقعيتها في
اختراع خياله وخيال من يماثله من الرواة، فهو المنمق الأول للمكائد…
الحيلة والفكاهة:
الحيلة الفقهية أو الطبية(35) أو غيرها كما ترد في كتب الأدب تظهر على شكل
نادرة، تأخذ طابعا هزليا مرحا غايته الإمتاع. فهي تهدف الضحك، هي فكاهية في
جوهرها. ما يهم المصنفين، ليست هي الحيلة في حد ذاتها وإنما ما تنطوي عليه
من ترفيه. الحيلة كالنكتة والأحجية لصيقة بالخيال الشعبي، من مكوناته
ومقوماته الدفينة، فهي تستفز الذهن وتحركه.
تلازم النادرة بالحيلة لا يعني أنه ليس هناك تحايل حقيقي واقعي وغش
ومؤامرات في المعاملات اليومية(36) لا علاقة لها بالفكاهة بل قد تكون كارثة
على المغفلين من الناس، ولكنها عندما تدخل إلى الأدب تأخذ طابعا آخر، تلج
مجال الدعابة. الحيل التي نجدها في كتب الحسبة ليست بالمرحة، هدفها تعليمي.
بخلاف الحيل المبعثرة في الموسوعات والمصنفات. فيجب أخذ الحيلة وفهمها في
الأدب العربي (والأدب الشعبي) على ما هي عليه: نكتة، طريفة من الطرائف التي
تخضع لمنطق التداول على سبيل الضحك.
قد يتحايل الفقيه أو القاضي أو اللص أو المكدي أو غيرهم من المشهورين
باتخاذ هذه الوسيلة للخروج من المآزق، وقد لا يتحايلون. قد تنسب لهم حيل
حقيقية أو خيالية. ولكن الناس صارت على الاعتقاد بأنهم أصحاب تحايل. وهذا
هو الذي يهم. فليس كل قاض ذكي ماهرا في إخراج الناس من الدسائس أو الحرج
الديني، وليس كل طماع أو مكدي ظريفا وذكيا ولعوبا، ولكن المهم التصاق هذا
الترادف في ذهن العموم، ليس المهم ما هم عليه في الحقيقة ولكن كيف يستفيد
منهم الخيال لخلق نوادر مرحة.
هذا التلاقي بين الحيلة والفكاهة(37) لا يعني الانطباق التام. هناك مجالات
يكون فيها عدم القدرة على التحايل هو المضحك. نجد أمثلة كثيرة في هذا الباب
في كتاب "الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي. وتداخل الحيلة بالفكاهة لا يبرز
فقط من جانب النماذج النمطية (جحا، هبنقة، أشعب…)، أو من جانب الموضوعات
(اللصوصية، الخيانة الزوجية، الفقه، البخل، الكدية، الطب). ولكن أيضا في
أساليب التعبير الإبداعية: المباغتة، المغالطة، التخلص الفكه، سرعة الجواب،
خيبة الحيلة وارتدادها على صاحبها، المفارقات… النادرة الملحة تأخذ طابع
التطرف والاستقصاء حتى في بنيتها وشكلها، والضحك يلقي على الواقع ستار
اللاواقعية.
والحيلة وإن كان أبطالها من فئة الشحاذين والمهمشين فهي لا تسقط في
العاطفية الجوفاء، في الإشفاق الحزين، في الشكوى والرثاء العقيم. كما تتجنب
النبرة الخطابية التي تقتل روح الفكاهة والسخرية المبنية على الخلخلة
والفوضى، لا على البناء والتنظيم وتقويم الأنساق. والحيلة هي كذلك تلمح
أكثر مما تبين، وتلعب على الغموض وتشعب المعاني، فالتوضيح يوقفها عند حدها
وهي تريد أن تكون تقويضا مستمرا، ولهذا تحذف الخاتمة والتفاصيل. كثير من
النوادر تظهر وكأنها بلا نهاية. لا نعرف ماذا جرى للضحية، هل طالبت بحقها
وإلى أي حد، هل وجدت مغيثا، هل رجعت الأمور إلى نصابها، هل كان هناك انتقام
الخ… إذا سلكت النادرة طريق الوحدة والجمع وتخلت عن التفكيك أصبحت فاترة
جامدة أو كما يقول ابن النديم "باردة". التفكيك يكمن في فن الكتابة، في
بنية النادرة التي تخلق فترة وجيزة من الحيرة تتبعها ضحكة، وتبقى في العقل
بلبلة طفيفة. هي كل السر، سر الالتواء وخداع المستمع أو القارئ الذي يدرجه
الراوي في طريق ليجد نفسه في طريق أخرى دون أن يعي أين ومتى وقع الانحراف.
إذا كانت النوادر تحكى عن المغفلين والمخدوعين فالمغفل الأول هو القارئ
لأنه لا يدري أين تنتهي به الرحلة وهو دائما في ترقب. النادرة الناجحة هي
التي تسافر به بعيدا لكي يجد نفسه في مكانه بعد أن رجع من ضحكته، والدرس
هو: كيف لا تأخذ الحياة بجدية متطرفة.
وتلعب اللغة في النكتة وفي الحيلة دورا هاما يظهر جليا مثلا في المقامات
وفي أجوبة جحا وفيما يجمعه المصنفون تحت عنوان "الأجوبة المسكتة"، ويظهر
كذلك في الحوار بين المحتال وضحيته المبني على التمويه والكذب(38)
والإيحاء. فبالكلام يمكن أن تبهر الآخر وتغريه وتسلط الضوء على الحقيقة
التي تريده أن يرى، بحبال الكلمات يمكن أن تسرق سلطته على نفسه. فالحيلة
قبل كل شيء إقناع، إقناع الضحية بصدق ما ترويه، بالكلمات تنسج شبكة تحجب
بها المصيدة(39). يقول الجوبري متحدثا عن القدرة اللغوية للمخادعين "وهم
صناع في صوغ الكلام والدك على الناس"(40). فالضحية يجب أن تقوم بالدور الذي
خصصه لها المحتال في السيناريو(41). وتتوجه بنفسها طائعة راضية للفخ
المنصوب. فتواطؤها ضروري وبدون مساهمتها لا تنجح الحيلة، فلولا حديث الثعلب
ما فتح الغراب فمه. الضحية الحسنة هي المنصتة الطيعة. ليس هناك إرغام
واضطرار بل موافقة. إذ الحيلة لا تعترف بالعنف. كلام معسول ومرارة بعد
الخيبة، عندما ينطبق الفخ. الضحية عندها تلوم نفسها أكثر مما تلوم الماكر،
إذ تعتبر نفسها عاملا في نجاح الحيلة، تعتبر أنها انخدعت في ذكائها وفي
قدرتها على التدبير والاحتياط. وتأسف لقلة فطنتها أكثر مما تأسف على ما ضاع
من أشياء. تعذبها ضحكة انتصار المحتال وشماتته. فقد انهزمت في مباراة العقل
والدهاء، فيما يميزها كإنسان.
لقيت كتب الهمذاني والحريري والجاحظ وابن الجوزي.. رواجا كبيرا، لا يزال
قائما. يفسر هذا الإعجاب، زيادة على المبررات المعهودة من غنى لغوي وفكاهة
ولطف، انطواء هذا النوع من الكتابات على شيء من المكر المختفي في طياتها،
مما يجعلها "تفيض" دهاء، دهاء يصادف ذلك الذي ينبع من أعماق الإنسانية، من
لاوعيها. تتحدى هذه الكتب الزمن لكونها لا تسقط في تجويفات التهذيب. يكمن
الافتتان بها في جمال خبثها وعبثية هزلها. كيد أبطالها ومكرهم هو الذي يضفي
عليها جماليتها. ما يجعلها غير بعيدة عن نوادر جحا والنوادر الشعبية
المرحة. خبثها يصادف خبث القارئ الذي يتعاطف مع المحتالين ويتمتع بما يقع
فيه المغفلون من مكائد. يجد نوعا من الارتياح لكون الآخر هو الضحية. ما
يوحي له أنه أكثر ذكاء. الحيلة تفريج، تخرجنا من الرتابة، هي نوع من فك
القوالب، وقلب القواعد، ولو بصفة مؤقتة. ثم هناك نوع من التشفي والاستهزاء
بمصير الغير، نوع من السادية الضمنية، نجد فيها متنفسا لحسدنا للآخرين. قد
يكشف هذا الإعجاب عن أحقاد دفينة نضمرها للغير، عن خيبات أمل، ورسوب
إحباطات. قد تخلصنا الحيلة من نقم عميق على أشخاص قد نحبهم ونخلص لهم ونكن
لهم عداوة ماكرة لأنها مقنعة.
بين أدبين:
الأدب الشعبي تغلب عليه روح المرح والمتعة. ويطغى عدد الحكايات الظريفة في
المجموعة العالمية: "آرن وطومسون"(42). وجل هذه الحكايات يدور حول الحيلة.
والأدب العربي الذي هو متشبع بالنوادر(43)، لا يحجب ولا يشين الحكاية
الشعبية المرحة، كما فعل الأدب الفرنسي بعد التيار المضاد لحركة الإصلاح
ونفوذ النزعة الأخلاقية، بل يدمجها ويهضمها. يقول الأصمعي إن ما أغناه ليس
هو العلم بل هو التندر(44). لا شك أن الحريري والهمذاني والجاحظ وابن
الخطيب(45) وشعراء الصعاليك وابن دريد(46) وغيرهم قد ألقوا بدلائهم في مياه
الحكايات الشفوية(47) التي "تلوكها العامة" على حد تعبير ابن النديم(48).
وقد أضفت عليها مقدوراتهم الأدبية رونقا وجمالية وبعدا جديدا أنقذها من
الغرق في المجاري المجهولة. نجد هذه الظاهرة في كبريات الكتب العالمية.
كاتب عبقري يجمع فتات خيال الشعوب ويعطيها بهجة في قالب جديد وتعبير خلاب…
هكذا نشأت كثير من النصوص الأبدية من "هوميروس" و"أوفيد" و"بلوطارك" إلى
"جوته" و"سيرفانتيس" و"شكسبير" و"سكارون" و"رابلي".
إلا أنه في مجال الحيلة على الأقل، وقع نوع من التحريف عند إدماج الشفوي في
الكتابة. في الحكايات الشعبية والحيوانية والأدب المشتق عنها يكون المحتال
المخادع من المهمشين، من الضعفاء(49) جسديا واقتصاديا وسلطويا. ولكن في
الأدب "الرسمي" تصبح الحيلة من خصائص الأقوياء، أصحاب السلطة والعلم: إياس،
المعتضد(50)، أبو حنيفة(51) عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب،(52)
معاوية،(53) المغيرة(54)، ابن مسعود، وغيرهم من الحكام والقضاة والفقهاء.
ويذكر صاحب "الدقائق" حيل الخلفاء والملوك والسلاطين والوزراء والعمال
والكتاب والقضاة والفقهاء…
تُسترجَع الحيلة وتُنسب إلى ذوي الجاه، إلى الأشخاص المرموقين الذين يعرفون
بأسمائهم (ليسوا مجهولين كشخوص الحكايات الشعبية)، شخصيات تاريخية. يتغير
وضع وموقع الحيلة عندما تدخل عالم الكتابة. يعاد اعتبارها وتقييمها. وتصبح
إيجابية، تصبح ذكاء كما يسميها ابن الجوزي(55). الغريب أننا نكون في كثير
من الأحيان بصدد نفس القصص.
انقلاب المعايير هذا يخص حتى حيل النساء التي تصبح كيدا بما تتضمن هذه
الكلمة من معنى قدحي، فيجب ألا يقع هناك التباس، إذ الحيلة من نصيب
العقل(56)، والمرأة "ناقصة العقل". ويصبح المحتال المكدي عالما شاعرا
(المقامات) وتصبح الحيلة حكمة (الرقائق) وتدب إليها النزعة الأخلاقية وتأخذ
طريقها إليها مع أنها كانت تتجنبها وتحذر منها في الحكايات الشفوية. يذكر
ابن الجوزي في آخر الكتاب بعض العامة والنساء والأطفال والمتلصصين
والمتطفلين ولكن كاستثناءات: "من فطن منهم". هناك تحول جذري لمفهوم الحيلة.
فحتى اللص الذكي يصبح فقيها متدينا(57). وتصبح الخدعة وسيلة للحاكم والقاضي
لحل مشاكل الناس، ولفض النزاع بين متخاصمين فرضيين، في حين كانت وسيلة
للعامة للتهكم من الضغوط السلطوية، وطريقة المهمشين للسخرية والاعتراض.
فقدت طابعها التقويضي. لم يعد المحتال هو اللص الذكي بل هو الحاكم القاضي،
مفتش مباحث، لم يعد المحتال محتالا بل متحايلا. المعتضد يتحايل للقبض على
السارق(58). وإياس يتحايل لرد الوديعة لصاحبها(59). أما اللص فلم يعد بطلا
ظريفا يتعاطف معه السامع كما هو الشأن في الحكايات الشعبية وفي الأدب
التشردي الإسباني وغيره. أصبحت الحيلة في خدمة النظام والتنظيم، وفقدت
جانبها الفوضوي. لم تعد ثأر الضعيف واستهزاء بالقاضي والفقيه(60)،
واستملاحا وافتتانا بظرف اللصوص والطفيليين والبخلاء. هل نتصور حكاية في
"كليلة ودمنة" تعطي دور الزكن للأسد؟ المحتال هو الحيوان الصغير. وقد تنقلب
عليه حيلته ولكن تبقى سماته هي التعددية(61) والالتباس كابن آوى والثعلب
والأرنب والقنفذ(62) والسلحفاة وغيرها. ودخل جحا في صنف المغفلين(63)
وأضيفت حيله الذكية لقاضي أو فقيه، ورفع عنه الإبهام والازدواجية المقترنة
بشخصه.
الثقافة العالمة على عكس الثقافة الشعبية ثقافة ترتيب وتصنيف، فالذكي ذكي
والمغفل مغفل(64). الأدب الرسمي أدب الوحدة والانضباط، لا يقبل التناقضات.
أدب الفرز والتبويب. الأدب الشعبي أدب تشعب ومتاهات ومفارقات، أدب الحياة
اليومية المتعددة الملتوية، أدب اللاشعور، العمق الدفين في متخيل العموم
ومتخيل الأفراد، حيث يشارك الجمهور في عملية الإبداع ويدرك المكبوت
والمسكوت، أدب الوجدان الجماعي والتصورات الشعبية.
والغريب أن كثيرا من الحكايات الموجودة سابقا حتى في آداب بعيدة عن العربية
أضيفت لإياس والمعتضد وابي حنيفة…(65) وعندما تعود النادرة المكتوبة لحضن
الشعب ترجع الأمور إلى نصابها. فهناك أمثلة كثيرة من الحكايات العربية التي
تلونت بصبغة بربرية عندما دخلت إلى المغرب العربي وعاد القاضي والفقيه محل
استهزاء(66) وضحية احتيال.
الحيلة والشيطان:
تجمع المحتال بالشيطان خصائص عديدة من مكر ودهاء إلى الازدواجية إلى التنكر
والتلبيس والانقلاب المفاجئ، إلى النزعة اللاأخلاقية وانعدام الضمير. يقول
ابو الفتح الإسكندري في المقامة الصيرمية: "أنا شيطان الدار، أظهر بالليل
وأخفي في النهار". وفي "الليالي" يطلق على دليلة "زوجة الشيطان". ويظهر من
كتاب "الرقائق" أن أكبر المحتالين هو إبليس. علم الإنسان حيلا كثيرة ولقنه
المراوغة والالتواء(67)، استعمل الحيلة مع آدم(67) وهابيل(67) ولوط
وإبراهيم وقارون(67). ويظهر من الخرافات الشعبية أن الجن تسدي خدمات مهمة
للأولياء والكهان والحكماء(68) لأنها تملك العلم والمعرفة.
ويعترف له في الأدب والمخيل العربي بكثير من الفضل وبالذكاء الخارق حتى أنه
ينسب إليه كل ما هو مدهش بجماله وروعته مثل "إرم ذات العماد"، ومخاريق
سليمان ومدنه وقصوره. فهو ليس فقط "الوسواس الخناس" ولكنه كذلك le daïmon ،
المبدع ورفيق كل فنان خلاق. يملك الشعر ويقوله على لسان الشعراء(69)، وكذلك
الموسيقى(70) والغناء. يعترف له أبو نواس بهذا الفضل في عديد من أشعاره.
خاصية أخرى تجمع المحتال بالشيطان هو التشوه في الخلقة. وهذا يظهر في جميع
الأدبيات التي تتناول هذه الشخصية. مثلا تقول الحكايات الشعبية أن حديدان
الحرامي قزم، هو والمقيدش كما يدل على ذلك اسمه(71). وأن حميمص يشبه
الحمصة(72)، وعمور النصف(73) هو نصف إنسان كالنسناس. وتتحدث الحكايات عن
ولادتهم العجيبة(74). ويظهر هذا النقص في شخصيات كالحشايشي(75)،
والنفايحي(76)، وعلي البروج(77)، وغيرهم. ونجد نفس الظاهرة في الآداب
الأوروبية. فالخادم المحتال يظهر هو الآخر بمنظر مشوه: أحدب، عظيم الأنف،
يرتدي لباسا يزيد من تشوهه(78): Pulchinello, Scapino, Arlequinوهيرميس
الإله الإغريقي المحتال هو كذلك قزم(79). ولا ننسى أن صانع الكون في
الأساطير le démiurge، والذي نظن أن شخصية المحتال من أحفاده، هو كذلك
أعرج، أعور، معطوب ودميم(80).
في الأدب العربي قد يبدو الأمر عكس هذا. لا تتحدث النصوص عن تشوه جسماني
لجحا أو هبنقة أو أشعب أو غيرهم من بخلاء أو لصوص، كما أننا لا نعرف الشيء
الكثير عن قامة وأنف وفم السروجي أو الإسكندي وقد تكون أقنعتهما أكبر
تشويه.
هذا لا يعني أن الشخصيات العربية هذه كانت عادية وطبيعية. قد نوعز صمت
النصوص هذا إلى سببين: التعفف من ذكر هذه الأمور لأسباب دينية أو أدبية أو
أخلاقية. السبب الثاني يرجع إلى خاصية عامة في الأدب العربي القديم، هي
تجنبه، في الغالب، للأوصاف الجسدية الدقيقة. هذا لا يعني أنه لم توجد هناك
نوادر كثيرة حول المعطوبين جمعت في مؤلفات ككتاب الجاحظ عن "البرصان
والعرجان والعميان والحولان"، وكتاب الصفدي: "نكت الهميان في نكت العميان".
ولكننا لا نجد في هذه الكتب ربطا واضحا بين الدهاء والتشوه، الربط الذي لا
تتأفف الذاكرة الشعبية في أمثالها عن القيام به. مثلا: "ما يعمى ولا يزحاف
إلا البلاء المسلط"، وكذلك في الأدب المنسوب للجاهلية. يقول المسعودي:
"وبهذا وجدا الكهان على هذه السبيل من نقصان الأجسام وتشويه الخلق، كما
اتصل بنا عن شق وسطيح وسملقة وزوبعة وسديف بن هوماس وطريفة الكاهنة وعمران
أخي مزيقياء وحارثة وجهينة وكاهنة باهلة وأشباههم…"(81)، و"سطيح الكاهن لا
عظم فيه إلا جمجمة الرأس"(82). ويذكر صاحب الأغاني عيوبا جسمانية لبعض
الصعاليك كقزمية تأبط شرا ودمامة الشنفرى.
ويقترن هذا التشويه بمقدورات جسمانية خارقة. فتأبط شرا "اسمع الناس وأبصر
الناس وأسرعهم"(83). وتبقى خطوات الشنفرى الشهيرة مهولة لطولها(83). وتتكلم
الحكايات عن سرعة مقيدش وحديدان وعن محاربتهم للنوم لمدة طويلة: "مقيدش
بوهموم ما يرقد ما ينوم"، (كناية عن الحذر الفائق).
ويظهر أن هذا الشذوذ وسيلة تجعل هذه الشخصيات تخرج من الوضعية الإنسانية
وتلج عالما فوق الطبيعة، تخرج من العادي لتعرج(84) إلى الأعالي، فتجمع بين
الحيوان والملاك(85).
-IIتمجيد العقل:
الحيلة والعجائبي:
هناك فرق واضح بين الحيلة والعجائبي، وإن كنا نجد تسربا وتداخلا. الحكاية
العجائبية تتميز بالجدية واستعمال الخوارق والكائنات الخيالية والتحول
السريع والمزج بين العوالم، بين الأحياء والأموات والحلم والواقع. أما
الحيلة فهي حكاية منطقية تتحرى الواقعية، وتعترف بحدود الزمان والمكان. ليس
هناك سحر وروحانيات. هي قبل كل شيء لعبة(86) العقل، في حين أن العجائبي
مبني على تهميش العقل وإقصاء الذكاء. والحيلة تعوض هذا الخلل في ميزان
الخيال المبدع. الحيلة تملأ هذا الفراغ في الخرافات الشعبية وتعطي للذكاء
قسطه.
أن توسع دائرة الحيلة وتضيقها يؤدي إلى تغيير تعاملك مع الكون. عالم مليء
بالتحايل هو عالم خال من الإيمان بالأساطير والشعوذة. الحيلة ليست نظرة
متشائمة فقدت ثقتها في الإنسانية ولكنها نظرة خالية من الأوهام(87).
الحيلة هي الوجه الآخر للسحر تستعمل في الحكايات كبديل للأدوات العجيبة.
كثير من الحكايات تعوض العنصر السحري بالحيلة، ويطلب من البطل أن يجد حلا
ويخرج من ورطة باستعمال ذكائه الخاص دون أن يستنجد بمساعد روحاني. مثلا في
حكاية "حديدان الحرامي" أو "المقيدش" نجد الطفل الذكي يستعمل الحيلة للقضاء
على الغولة(88). المتحايل لا ينتظر المصباح السحري بل يعتمد على عقله
ومقدراته الشخصية، هو شخص لا يتمتع بسند خارجي، فالوحدانية من سماته، وعليه
أن يدبر أمره ويحل مشاكله بنفسه. بخلاف بطل الحكاية العجيبة: مثلا في
"الليالي"، حيث نجد البطل ألعوبة في أيدي السحرة والجن والعفاريت، منهم من
يسحره ويمسخه ويسجنه تحت الأرض أو في الربع الخالي(89)… ويظل محل صراع قوى
عليا، دمية متحركة وكأنه لا عقل ولا إرادة له.
في المغامرات البطولية، يتعامل أبو زيد الهلالي وسيف بن دي يزن وعنترة مع
العجائبي ولكنهم يعتمدون على أنفسهم أكثر لأن لهم قوة وقدرة جسمانية.
فالشجاعة والجرأة والإقدام هي خاصياتهم الأساسية. أما بطل الحيل فهو ضعيف
واهن لا يملك إلا قدراته الذهنية(90). كون الحيلة قابلة للتبادل مع
العجائبي يبدو أمرا أنتروبولوجيا. يبدو أن البشرية شغفت بالحيلة منذ العصور
القديمة، ضمن أساطير الآلهة الصانعة للعالم توجد شخصية المحتال.
العلاقة بين العجائبي والحيلة علاقة معقدة. مثلا حتى في عصرنا الحاضر، كثير
من الروايات البوليسية المبنية على التحايل والمراوغة بين الجاني والمفتش
تحتوي على عناصر تذكرنا بالعجائبي(91) وتعتمد على مبررات خرافية لتخلق جوا
من الغموض وعالما تكتنفه الأسرار. وكثيرا ما يبدو التفسير المنطقي الختامي
ملفقا.
جاء في عيون الأخبار(92): "سئل بعض الحكماء: ما العقل، فقال "الإصابة بالظن
ومعرفة ما لم يكن بما كان" - وعن ابن حجر:
ألا لمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعـــــا
وقال الشاعر يصف عاقلا:
عليم بأعقاب الأمور برأيــــه كأن له في اليوم عينا على غد
الطرطوشي(93): "العقل: الاستشهاد بالشاهد على الغائب". "قالت الحكماء: آية
العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم"، و"ملاك العقل الحيلة"(94). العقل
متصل بالتوقع والتكهن(95) وفي "العقد": العقل" أن يستدل بالظاهر على الباطن
ويفهم الكثير بالقليل"(96).
العقل متصل بالظن، ابن قتيبة(97): " يقال ظن الرجل قطعة من عقله". يقول في
بهجة المجالس(98): "ظن العاقل كهانة". اللسان: "الظن يقين… ليس يقين عيان
وإنما يقين تدبر"، وقد يعني الظن العقل أو نقص العقل في اللسان: "الظنون هو
المتهم في عقله"، وقد تأخذ الحيلة معنى الذكاء، مثلا في المستظرف(99) "فقد
أفادتهم الأيام حيلة وتجربة"(100).
والعقل متصل بالبصر والبصيرة(101). ابن قتيبة: "لا عاش بخير من لم ير برأيه
ما لم ير بعينه"(102). ابن الجوزي "الذكاء عين القلب"(103). الحيلة مرتبطة
بالعين والنور واللمع. "الحول= الحذق وجودة النظر". الحولة الكثير
الاحتيال، الداهية من الرجال". اللسان: "الذكاء: شدة وهج النار". "ذكاء =
اسم الشمس"، الألمعية: شدة الذكاء(104). فبما أن الحيلة مبنية على لعبة
التجلي والخفاء فعمادها النظر والرؤية. والحاوي هو الذي يعرف كيف يخدع عيون
زبنائه. والفراسة هو تمحيص وقراءة. اللسان: "الفراسة: البصر بالشيء والعلم
به".
نجد في الأدب العربي نوعا من التمجيد للعقل. كل المنتقيات وكل الموسوعات
تخصص له فصلا هاما، من الثعالبي إلى ابن الجوزي إلى البيهقي والطرطوشي
والنويري وغيرهم. يتمتع الدهاة باعتبار كبير وبمكانة عالية في المتخيل
العربي. حتى أننا نجد قوائم أسمائهم في المصنفات كما نجد لوائح أسماء
الكرماء. حتى يكاد الدهاء أن يوضع في رأس سلم المعايير الاجتماعية بعد
الكرم والسخاء. إلا أنه ليس له وزن في مجال الافتخار والمدح. الداهية
المحنك لا يباهى بذكائه بخلاف الكريم والشجاع، إذا نحن استثنينا الشعراء
الصعاليك الذين يفخمون مقدوراتهم العقلية في التحايل من أجل القنص والسرقة.
والحيلة تتحرى الواقعية وتبتعد عن الأوهام. شخصيات عادية في أماكن مألوفة.
لا يلقى بالقارئ في الهند أو الصين أو في جزائر الواق واق. نحن في بغداد
والبصرة والقاهرة، في إطار وحي معروف. لا غرابة ولا غربة. تنطلق من الأمور
المعقولة لأنها أنشودة العقل وتكريم الذكاء، مرآة تعكس جمالية الفطنة. هذا
لا يعني أن الحيلة تحيلنا إلى الواقع بل هي تحيلنا إلى الأدب. إطار واقعي
يطرح فيه لغز افتراضي قد يستيحل وقوعه(106). أمثلة كثيرة في نوادر إياس ابن
معاوية وحيل أبي حنيفة. وإذا كانت الحيلة تتفادى الخوارق فإننا مع ذلك
سرعان ما نسقط في نوع آخر من السحر، سحر العقل. حيث يصبح الذكاء نوعا من
الكهانة. وقد قيل "إياس كاهن الإسلام". ولكن عوض أن يعترف له بعلم الغيب،
بعلاقة خارقة مع الغيبيات، وبقوى غير طبيعية. يصبح إنسانا عاديا. له
هفواته(107) وشخصيته الخاصة ولكنه يتمتع بقسط وافر من الذكاء، يحكم عقله
ومنطقه لفك الرموز، لتوضيح معنى الأحداث، وتفسير سلوك الأشخاص…
يظهر من الموسوعات العربية أن الحيلة وإن كانت مرتبطة بالعقل فهي نوع من
الذكاء العملي وليس الذكاء التخميني أو التأميلي. مهارة، قدرة على "تدبر
الأمور"، حنكة وتجربة "الحول = الحذق". الحيلة = القدرة على التصرف". ذكاء
القناص والصياد كما يقول "فيرنان"(108). ذكاء الأعرابي وذكاء الصعلوك الذي
يقاوم يوميا وفي كل حركة وسفر جفاء الطبيعة الشحيحة بجوار كائنات عدوة
متكيفة بفعل غرائزها مع قساوة الجو والحياة، حيوانات خادعة ومتلونة، منسجمة
لونا وشكلا مع المحيط. ذكاء يتعايش مع هضبات متحركة، متاهات متقلبة، سرابات
موهمة. ذكاء حركي، حاد وسريع، دائم الالتفاتة، حاضر أمام كل احتمال
ومباغتة. الحيلة هي الروح الأعرابية والمكدي هو أعرابي المدينة. حسن المنطق
والبيان وسرعة البديهة. الوجه الآخر للثقافة العربية الذي يحرف الحلاج(109)
وأبي حنيفة(110)، ويصفق لإبليس(111)، ويسلك منطق جحا، ويفجر المتحجرات عن
طريق السخرية. هو العقلانية عندما تأخذ شكلا أدبيا. في كتاب الأذكياء لابن
الجوزي وفي الرقائق وفي الموسوعات الأدبية يمجد العقل والحيلة عند كبراء
الدولة من خلفاء ووزراء وقضاة وفقهاء. ويُطمأن لكون الذكاء من نصيب أصحاب
السلطة فهذا قد يبعد من التعسف والاستبداد(112). أن تحكم الطبقة الحاكمة
عقلها بدل أهوائها شيء مرغوب فيه ويستأمن منه. يظهر من النوادر أن القاضي
الفطن الذي يمتاز بقدرة كبيرة على التحايل قاض يظهر الحق وينصف المظلوم.
وقد أضيفت حيل كثيرة لعمر بن الخطاب لأنه اشتهر بالعدل(113). حيل إياس
وشريح وشريك وعضد الدولة والمعتضد وغيرهم قورنت بالإنصاف وأخذ حق المحروم
من الظالم بتحري الحقائق واستخلاص الحقوق، يظهر القاضي النور ويخرج من
ظلمات الجهل، الجهل الذي هو عكس العقل(114). فيكون العقل مأوى وملجأ(115).
د. جواد الاسدي: باتجاه فرح الانثى.. مسرحياً
أ.د عقيل مهدي يوسف
عميد كلية الفنون الجميلة- بغداد
في كل معالجة اخراجية جديدة نرى د. جواد الاسدي مفتونا بالعوالم (النسوة)،
واسرارهن، وكأنه يدخل ارضا بكرا، وفضاءات حرة نتلمس في تجربته نساء السكس-
فون التباسا يخص العنوان، اذ لا علاقة للبورغونية بموحيات العنوان التي
تخطر لدينا لاول وهلة، ولا صلة لممارسة الفاحشة بوساطة الهاتف، لنسوة
احترفن هذا النمط من البغاء الاشهاري، المعلن في التلفزيونات.
وما كان (لوركا) الاسباني منشغلا في نص (بيت برنارد البا) بهذا الضرب من
الاهتمامات، بل كانت قضية المرأة المهضومة الحقوق، بفعل جبروت التقاليد،
وطغيان ام تنذر نفسها، وبناتها، ضحايا قدرية، لصيانة (السمعة) الاسرية من
ان تتلطخ بتقولات وشائعات تتعارض مع التقاليد الاخلاقية المتداولة في
المجتمعات المقفلة.
جواد نقل الاطروحة الخاصة بلوركا، الى حقل بصري، وادراكي اخر، وهو لم يتعمد
في مغايرته، مشاكسة النص، والتمرد على انساقه المعروفة، انما حاول اعادة
توزيع مشاهده بما يتلاءم والمعمار المجتمعي للمتلقي العربي، واللبناني بوجه
خاص.
تجد في الشارع اللبناني، قربا للنبض اليومي الحضاري العالمي، في تصرفات
(النساء)، اذ قطعت المرأة اللبنانية شوطا محسوسا في ابراز شخصيتها، وتحقيق
ارادتها الى هذا الحد او ذاك، وناضلت لتجعل الوصاية الفحولية، اقل شراسة
وهمجية.
وبالتالي تستأنف الممثلة اللبنانية، هذا الدور الخلاق، من غير احساس،
بحراجة ما، من متطلباته الروحية والجسدية، كالذي يكون عليه الحال لدى جمهور
عربي اخر اكثر سكونية، ومحافظة، لانها غير ملزمة بوضع اقنعة من النفاق
الاجتماعي، بل ذهبت الى الكشف عن اسرارها الشخصية الخاصة، وهي تستعيدها من
سيرتها الحياتية الواقعية، لتمنحها الى شخصية (الدور) لا سيما الاشياء
الحميمة الخاصة ببلوغها سن الرشد، واحساسها بالتغيرات الفسيولوجية التي
تطرأ على تضاريس جسدها فتنقل من الطفولة الى نضج الانثى، المقبلة على
المعاشرة، والانجاب، وبناء خلية اجتماعية جديدة للحياة، كنت تحس بارتباك
هذا الجسد الذي نضج على حين غرة، وكيف تبتلى صاحبته بفك هذه الطلاسم،
والاسرار، ليشاركها المتفرج في ورطتها الصريحة، التي تكاد تكون (تسجيلية)
توثق الحدث للممثلة، بمثل ما توثقه (للدور) الذي تلعبه، وتبتكر اطاره
التشريحي الحديث.
اراد (المخرج) جواد الاسدي ان تتماهى الممثلة مع دورها، بطريقة استثنائية
لان الوضعية الحضارية، التي ناقشها (لوركا) هي وضعية عالمية، ويمكن تكييفها
بطرائق محلية عدة، وضعية خاصة باستغلال المرأة، وابتزازها على مدار الازمنة
التاريخية، والامكنة الجغرافية المختلفة، وبامكان مجتمعاتنا ان ترشخ للدور
الاوفر ابتزازا وتدميرا فالفسحة التي يتيحها النموذج اللبناني للخطاب، اكثر
مرونة من سواها في مجتمعات عربية مناظرة، فكيف يمكن لام، مغنية اوبرا، ان
تقفل البيت على (ابنتيها) بمعونة خادمة امينة لكنها تتلصص على المغامرات
السرية للام نفسها، والبنات، وعجوز تسترق السمع للاهات والتأوهات العاطفية؟
لهذا الجوق النسوي المحروم، والمتعطش للحياة، فتعري بذلك طبقات (الحشمة) عن
جمر الغرائز المتقد، تحت الملابس، والاسرة، والافنية الظلية، التي تأويهن
مع رجال من مقاسهن تماما!! حتى ذكرى رحيل الزوج، لا تخرج من المصيدة
القهرية للجنس! فهذا الاب الصنم الذي تدعي الام الحفاظ على هالته الكاسحة،
ما هو في حقيقته الا (عنين) وعاجز جنسيا ، اذاق الام المحترمة، الامرين،
فهو يرتمي بين احضان عشيقته، وينزو مثل تيس او قرد، لكنه يتأبى على زوجته
نفسها!! ويتركها نهبا للهواجس والقلق والانكسار والحسرات، ويفقدها الاحساس
بأنوثتها.
في هذا العرض، انتقل جواد من مستوى معهود في اسلوبه الاخراجي الى منعطف
مختلف، وان احتفظ ببعض لوازمه الاخراجية، مثل ربط ايقاع العرض الخارجي
المتسارع مع الدوافع الداخلية للابطال وباظهار صوري متوتر ومتصاعد يبحث عن
حلول تشكيلية في الزي، والهيئة، والمشي، والاكسسوارات التي يشكلها النسق
اللوني، وهنا يسهم معه (جبر علوان) بتصميم الازياء واختيار فصالاتها
والوانها وتوزيعها على اصناف النسوة، كل حسب كينونتها الانثوية الخاصة، مع
مؤثرات صوتية وغنائية ساندة.
الاسدي، ينتقل من غنائية (الحزن) وثقل الهموم، الى محور جديد نسميه غنائية
(الفرح)!! فهو الان لا يقدم بطلة مذعنة، مستكينة مستسلمة، بل انثى، تجد
الاف الطرق للخروج من (المأزق) الذي تصطنعه الام، لبناتها هاتيك!! فهي
تعلنها صريحة، وبالفم المليان، انها متمردة على الوصايا الميتة، ولا تعرف
الا خياراتها، وما يميله عليها شغفها بالحياة، وعشقها للمغامرة، وتفتحها مع
ايقاعات الليل والنهار وشموس اليقظة، واقمار الرومانسية، وتعيد سرد قصة
جسدها، على مسمع من الجميع، ولا تخجل من ابراز خصوصيات هذا (التحول)
وتمظهراته الحتمية، التي غالبا ما تتعدها الفتيات بالتستر والكتمان! انها
لا تجد في البوح هذا اية غضاضة، وبالتالي هذا الدأب من الحفر في (اركيوجيا
الجسد) هو ذاته ما يستهوي الاسدي، وكأن العالم ، تختزله معادلة جنسية كونية
متفجرة، الى شظايا، ومنها هذه الكينونات المسرحية، التي حركها بنابض شبقي
مشتعل، لا تصده حواجز او تكبحه ارادات مضادة لطغيانه العارم.
المتغيرات الواقعية في طريقة الانتاج المسرحي للاسدي تحكمت حتى بمتغيراته
الروحية فتجربة ان تمتلك مسرحا خاصا بك، وفي بلد متحضر مثل لبنان، وان
تخاطب (بيروتيا) لا يمكن ان تكتفي بمعالجات مهرجانية، او تخاطب نخبة من
المحكمين المختصين بفنون الدراما والعرض، مثل هذه التجربة تتطلب اليات
واهداف من نمط مغاير ويتعين عليك ان تبحث عن صواعق جديدة وان تكشف قوتها
باكبر من قوة الشارع، مئات المرات، فانت لا تخاطب جمهورا متزمتا، او متحرجا
من هذا الخطاب النسوي المفتوح، والمكشوف عن اقصى اسراره ومضمراته بل ان
الشارع نفسه يجود عليك بغرائب، وطرائد لم تخطر على البال احيانا!!
هذه الضواغط من المهيمنات المستحدثة، ربما استجابة لها جواد بتخطيط واع،
وبعضه غير واعن لان الجمهور اللبناني النمطي، يبحث عن (ثقافة) مسرحية خاصة
باكتشافاته الذاتية وهو يريد ان يتمتع بالمعنى الحسي، والغريزي ايضا لانه
غادر منطقة الوصايا ومسرد التحريمات، وهو يبتهج للنكتة، والطرفة ويريد
تعميق هذا الاحساس بالفكاهة، وبالحدود التي يفضها ابن حاضرة عربية، لكنها
حافلة بالروح البشري العام وموارة باختلاط العوالم وتفاعل الاجناس،
والاعراق والديانات، مما وفر ارضية صاحلة، يجوس عليها، بشر متفردون بذواتهم
الخاصة، ونوعياتهم المتمدينة، المهذبة بفعل التقاء الثقافات وتقاطعها
وتفاعلها الخلاق، هذه الارضية الغنية للجمهور هي الاساس المحفز للاشكال
الاخراجية المبتكرة.
لجواد الاسدي في البحث عن (الكوميدي) في نص لوركا، المعاد انتاجه، يقتضي
خلق حبكة فرعية، متوازية مع النسيج الرئيس للعرض الذي يقدم لنا اطراف
حكاية، تهزأ تماما من هيمنة الام، وبالتالي افقدتنا منذ البداية مرجعية
الصرامة المخيفة، وظهرت لنا، وكأنها نوع من (البرلسك) والسخرية المعقبة
بطريقتها التهريجية على اصل فيه بعض من الجدية، لكنها غير الموصولة بالحبكة
المأساوية التراجيدية، انما هي مقترح فضائحي، لا تجد بين اطرافه من يخيف
الاخر فعلا، اذ بدت لنا الام دمية غريزية، تدعو للرثاء والسخرية بتصرفاتها
الصبيانية، حيث تأتي بخلق وتنتهي عنه لفظيا لا غير!!
تحركت الظاهرة الاجتماعية في العرض، بين المحور الجذاب والخصب اللابنة
الكبرى (اديلا) وهي تتفتح على اداء مفعم بالنشوة الفنية، والمشع بهالة من
فرح وصدق ممثلة، تعرف كيف تقدم ذاكرة دورها، بانية معاشة، لحظة بلحظة
فيختلط ماضيها بحاضرها برهافة الفن الجميل، وبتنغيمات صوتية وجسدية مميزة
(ادت الدور نادين جمعة).
برزت هيئتها الجمالية في الزي (تصميم الازياء جبرعلوان) وهو من الفنانين
التشكيليين العراقيين المغتربين، والذي تقلقه كثيرا، المعالجات النسوية في
مظهرها ومخبرها، وتراه شغوفا بعوالمها الرومانتيكية، فتتفتح مسراته
اللونية، على طيات الازياء، وهو يوزع تفصيلاتها على اجساد، وشفرات خاصة
بهذه الممثلة او تلك، ليصل الى منابع الاسرار ونوابض الفعالية الحميمية،
لكائنات كتب عليهن مكابدة محنة ملتبسة، لم يخترنها.
صنعت لمساته مع اداء الممثلات، تيارا من فرح، معادلا، لارادة العتمة
المجتمعية المبتذلة.
مما حقق اهدافا اخراجية، نراها واعدة مستقبلا في صنع عروض غنائية في روحها
وتوقها الى الاحتفال بطقوس حياة يومية مشرقة، بعيدا عن العذابات والاحزان
والنكد الاسود.
اما الاخت الصغرى (ماجدولينا) التي مثلتها (ايفون هاشم) فظهرت منطوية على
نفسها، وعبثا تحاول بمكائدها الصغيرة ان تثير حفيظة الام على اختها الكبرى،
بتلفيق اتهامات وقصص او بفضحها لاسرار اختها الحقيقية، ينتهي الخط الدرامي
لهذا الدور، بخلاف ما تظهره مقدماته، فتنقلب من انثى محتشمة ومحافظة
ومتدبرة وناكسة الى طرف مغاير تماما، يدرك ويتقن فنون الهوى، وكيفية
ممارسته بحذاقة تفوق مهارته كل تلك التصرفات الشائنة لاختها واضحة السلوك،
بريئة الروح، منسجمة مع سجيتها البشرية بلا لف او دوران.
اخت ابدت من مظاهر التعقيد، ومجافاة الطبع السوي الكثير، لكنها تباغت
الجميع بسرا نيتها المخبوءة بدهاء انثى معقدة، منسجمة، الى كائنة منبسطة،
وكائنة انسانية تتقلب بين اطوار الشهوة والانانية والخوف والاحجام والاقدام
تبعا لتغير المواقف الحياتية المتباينة حققت الممثلة مقتربات موفقة في
تقديم اطار الدور ومحتواه بلباقة وتفاعل حيوي واضح.
ام حقودة ماحقة لحرية بناتها باشرت هذه الوضعية الدرامية دورها في تنمية
خزين العرض الوجداني والمعرفي، وبتنظيم مادة العرض، واطرته بمثل هذا السلوك
الاخرق، الذي يثير السخرية سواء في تناقض تصرفاته مع اقوالها، ام في
(النمر) الاستعراضية، وهي تغني (دويتو) او برالي هزلي مع الخادمة.
حتى افضى هذا الفلو الساخر الى عبث احيانا تتكرر فيه اللازمات الغنائية
المضحكة العابرة حتى للضرورة الدرامية الخاصة، برسم افق هذه الشخصية
(المتجبرة) و(البائسة) ايضا.
افضت هذه السخرية من اجل السخرية الى تطمين القاعة، وتحفيزها على شجب طغيان
الام، والانحياز الى مواقف البنات، ووجاهة تمردهن، للتنفيس عن رغائب
طبيعية، حاولت الام قسرها، وسعت الى تحطيم ارادة بناتها، بروحية ملفقة،
وشكلية زائفة، ايلة للفشل المحتوم، اثار هذا الموقف ضحك القاعة، وقهقهاتها
الهازئة بوقوف هؤلاء المتخلفين كما يصفهن العرض، امام تيارات الحياة
النسوية المتحضرة التي وكلتها الفطرة بالانسان الاعتيادي.
ويمكن اختزال الفعالية التمثيلية بالاتي: اطربتنا البنت الكبرى، واجبتنا
الاخت الصغرى (التي تنافح عن الفضيلة في العلن، وتمارسها باستغراق كامل في
السر).
واضحكتنا الام، بتصرفاتها الشائنة، الغريبة (مثلتها جاهدة وهبي) ظهرت بدور
مغنية اوبرالية سابقة، يغتني صوتها بطبقات عريضة، وبقيم تعبيرية موسيقية،
ويقوم على خامة ثمينة عند الاداء، يتساوق مع قدراتها التمثيلية.
اما ممثلة دور الخادمة (مثلتها عايدة صبرا) فقد ورثت تقاليد الكوميديا
الشعبية، برقتها وفضاضتها، وهي تقوم بواجب الحفاظ على سمعة المنزل،
بحراستها لبوابة الفضيلة المتوخاة!! لتحميها من دنس الرذيلة، عرفت هذه
الممثلة، كيف تحافظ على ايقاع دورها الخلاق، بقدراتها الارتجالية، كما ان
دورها هذا سيبقى ماثلا طويلا في الذاكرة، لانه ارتبط ايضا بتحولات المخرج
الاسلوبية والمضمونية الخاص بالطابع الكوميدي للعرض، بشكل عام.
اسهمت الجدة وقد بلغت من العمر عتيا (مثل الدور رفعت طربية) قدمها على شكل
امرأة صلعاء، لم تجد ميدانا لممارسة حكمتها، سوى حذقها بكل ما يتعلق
بالشهوة والغريزة لدى الانثى المراهقة!! وجاءت تعليقاتها الساخرة، بمثابة
كورس ساتيري ماجن يدور حول مهزلة عشق بيتية، تعايش وقائعها يوميا، وتطلق
عليها الاحكام!
وهي لا ترتضي الوشاية بين حفيداتها، ولا تسكت عليهن وهن يتكذبن مع الخادمة
على الاخت الكبرى، ويشين بها الى سلطانة المنزل (الام) لم يكن تمثيل هذا
الرجل، لدور انثى، منفرا، قدر قربة من السخرية، او المهزلة البشرية لهذا
المنزل، نتذكر ونحن ننظر الى (المضحك) في العرض، ما حسبه (برجسون) مرة،
واحدة من اليات صناعة الكوميديا هو الانتقال من المعنوي، الى المادي ففي
مشهد مراسيم دفن الاب، تنتقل الام المفجوعة!! من الاشادة بفضائل الفقيد
الراحل المعنوية وتحصي حسناته الى الغمز به، والتشهير بطيشه ماديا، لانه
كان عنينا، ومن ثم لعنه وهو رهين ابديته الصامتة.
توزع هذا الصراع المستديم بين اطراف المعادلة جميعها، سواء في طريقة ارتداء
الزي، بشكل متهتك ونزوي، ام في المغالاة في الحفاظ على توهمات الشرف
المفقودة تماما، لان اماتة العاطفية الجنسية بمثل هذا التعامل البغيض معها
سيقلبها الى بنية مولدة لمشكلات اجتماعية صارخة في وضعية منافقة، محابية
للعرف العتيق، امام دفقات الحياة، وسيولتها الدائمة باتجاه التجدد والنمو
والخصب.
حفل مجرى الاحداث بسلسلة متصلة من الافكار والافعال والمواقف الدرامية
الحادة، والمدببة، والمقعرة التي كشفت عن غنى الجوانب الروحية- الداخلية،
للبطلات، وفضحت المكبوتات والمشاعر الخاصة، وعدم القدرة على لجم الغريزة
بأسلحة معلولة، متهافتة.
تتيح هذه الصراعات بدورها ايضا، امكانية تقويم موقف المتفرج نفسه، لما يرى
امامه من وضعيتين متناقضتين فيفحص ادلة كل طرف على انفراد، ويقوم بتحليل
مواقفه ويجمع ما تناثر من انطباعات واراء واحكام في نسق واضح يشير الى
اختبار هذه النفوس، التي تتفوه بكلام يتعارض تماما مع استعدادها الواقعي،
لتجاوز تلك العقبات، عقبات مثل هذه، لا يمكن تجاوزها بمعالجات لفظية محتشمة
لانها موصولة بالتصرفات الانسانية الغريزية المعبرة عن كينونة الانسان نفسه
حتى ان كان يفضح نفسه، بفلتات اللسان او بما جاء على لسان الشخصية، بانها
تنسى نفسها، مع اول (عابر سرير) هذا ما يصنع معضلة العرض ويقربها من اسلوب
الكاتب (تشيخوف) الذي يدع البطل وجها لوجه مع المعضلة، ليكتشف حقيقتها
ووهمها معا وبالتالي ينتصر عليها فعليا، حتى ان سحقته الاحداث السابقة او
اعاقت ارادته الحرة، لانه لم يكن لاهيا عما كان يدور في عالمه من احبولات
ومكائد وحماقات.
البطلة، بتعريها للمعضلة باتت منسجمة مع نفسها- تماما- في الوضعية
الدرامية، فيتحقق التجانس المنشود بين الفرد والمجموع، مما يحفز المتفرج،
وهو الطرف الاخطر في المعادلة على لعب دور (الجوقة)، بمثل ما وصف (شليجل)
مرة الجوقة في المسرح الاغريقي القديم، وهي تقوم بدور مشاهد مثالي،
ونموذجي، يعلق على الاحداث وهنا ينبغي على المتفرج المعاصر وهو يشاهد العرض
ان يتخذ موقفا مما يرى، ويسمع.
اراد الاسدي من متفرجه ان يشاطر الممثلين، افكارهم ويقوم اداءهم، ويفرز
القيم الانسانية الخيرة من سواها، وهو يصغي لحوارات الممثلات عن مدن مفجوعة
محروقة ومرايا مهمشة، وثيران مسلحة، تأكل اخضر الحياة ويابسها معا!!
وفق العرض في توزيع مستوياته، العليا، المشغولة بتنظيف جدران المنزل،
والوسطى بما يتعلق باسرار تقع خارج هذه الجدران، والسفلى التي اشتغل عليها
المخرج اكثر من سواها، لانها تتلعق بالبوح الحقيقي للمثلات، وارتبطت
بحركاتهن التشكيلية حول حركة الطاولة، باستخداماتها المتنوعة، وكشف مهارة
المخرج في بناء علاقات محددة، يضبط من خلالها مدركات الجمهور، ويدفعها
باتجاهات مرسومة تجمع بين الجوانب البصرية الحسية، مع القيم التعبيرية
لمشاهد متدفقة الحركة وبتفضيلات جمالية توفر متعة المشاهدة لهذا الخيال
الخلاق وهو يتسجد افعالا ملموسة ومبرزة بطريقة مجسمة ومنظورة بشفافية اللون
والشكل والكتلة.
علي الوردي وغريمه
بين انفتاح الشكل وتنوير المعنى
د.قاسم مؤنس
يقوم عرض مسرحية (علي الوردي وغريمه) التي كتبها واخرجها د. عقيل مهدي على
شكل فني لمكونات واستجابات اساسية تبدأ بمواجهة الزمان تعاكسيا، يتصل ذلك
بحركة تملأ حيوية وطاقة الممثل (خالد احمد مصطفى) وهدوء وسكون واستقرار من
الممثل (د. حسين علي هارف) مرتبطة بالشخصيتين عبر خط فكري واستجابات عاطفية
قائمة على ثنائية التضاد، ومن خلال هذه الاستجابات المتماسكة تتشكل بنية
العرض على مستوى الصورة البصرية التي تتكون من الضوء والممثل والديكور
والازياء والماكياج.. التي اسست هي الاخرى نصا تنويريا مختلفا مع النص
الادبي القائم على فكرة القتل في ظل ثنائية تعمل على تطور فكرة القتل
للوحدات والتكوين البصري، الذي يتجلى في بنية الضوء مع العناصر البصرية
الاخرى، بعد ان تتسع بنية الضوء والعناصر البصرية الاخر من خلال التحول
والتواصل مكونة تركيبا بصريا للتحولات والعلامات العديدة على الرغم من ان
المصمم سعى الى تأسيس بنية بصرية ذات ابعاد ثلاثة من خلال تداخل الضوء مع
العناصر البصرية (رمزية وتعبيرية وواقعية) الا ان المستوى الدلالي في بنية
العرض على مستوى الضوء وعلى مستوى العناصر الاخرى شكلت طاقة كبيرة من
التفجير والتحريض والتأثير، وسعى المخرج لبناء مناخ واقعي عراقي، اذ طوع
بنائيات الشكل لصالح العرض المسرحي ثم منح المجال الى نوع من انواع الازاحة
دافعا بنسبة الضوء والعناصر الاخرى الى التمدد مما ادى الى تصغير الفضاء
وتكبير المساحة وتأسيسا على ذلك يصح القول ان البنية البصرية لمسرحية (علي
الوردي وغريمه) بقيت متماسكة مما ادى الى تماسك المضمون البصري، وقد اعتمد
العرض فضاء تأويليا تباين بين الرمزية والتعبيرية والواقعية.
اذ بدأ العرض بشخصية (الغريم) وبتكوين معين، وبزي ابيض وضوء احمر على هذه
الشخصية وقد اعلن للشخصية حجما اكبر من حجمها الحقيقي كما ساعدت العناصر
الديكورية الاخر الى جانب الزي الطويل الابيض، وبنية الضوء الحمراء والتي
تنذر هذه الشخصية المتلبسة بالشر والتي تتحرك شيئا فشيئا لتكتشف الجوانب
المحيطة بها شرقا وجنوبا، شمالا غربا، وتذهب لكي تتطهر بالماء بطريقة وضوء
مغلوطة، اراد المخرج والمؤلف من خلالها القول ان الوضع المغلوب سيعلن عن
سلوك مغلوط ايضا، ثم يجلس ويرتل بعض الكلمات غير المعروفة ثم يلتقي
بالشخصية الاخرى وهي (علي الوردي) ذات الشكل الواقعي والزي الواقعي، وليبدأ
(الغريم) بممارسة كل انواع القتل ضد شخصية (علي الوردي) بدءا من المشهد
الاول الى المشهد الاخير، ليؤكد المخرج فعل القتل من خلال اهتمامه بحركة
الممثل مع حركة الاضاءة مع حركة الزي، وكانت لحركة نسبة الضوء سريعة مقترنة
بسرعة حركة (الغريم) وسكون احيانا اخرى وفي كل شيء منطلق من سكون (علي
الوردي) وكذلك بنية الضوء هي الاخرى كانت ساكنة، وكان ذلك واضحاً في حركات
القتل خنقا والقتل بالبندقية او القتل من خلال الغاز او القتل من خلال
المقص او من خلال الخنجر، هذا القتل المركب داخل بناء العناصر البصرية مثل
الحركة التي يتدلى بها جسد (علي الوردي) الذي انتج علامات وشفرات ورسائل
ساهمت في اغناء الشكل البصري، وقد اكدت دلالاته ان العالم قائم على الشر
والدنس، وانه يحتاج الى التطهير، لذلك استخدم (الماء) رمزا له واردفه
بالاغتسال محولا اياه الى (دم) مع الاضاءة ذات اللون الاحمر، وفي مشهد
(الماء) كان هناك هدم لفكرة التطهير وبناء لفكرة (الدم) تم هذا التحول
بواسطة بنية الضوء الملونة باللون الاحمر، وهنا لعبت الاضاءة دورا اساسيا
بتحويل الفكرة الاساسية من ماء الى دم. وهذه الثنائية القائمة على النقيض
جعلت التكوين داخل العرض المسرحي اكثر دهشة واكثر غرابة، وقد تنوع عمل
العناصر البصرية مع بنية الضوء في ثلاثة مشاهد اساسية اختلفت وشكلت نسيج
العرض وقد استطاع المخرج ومصمم الضوء ان يخلقا توازنا موضوعيا بين المشهد
التعبيري والواقع الرمزي.
وكان المشهد الاول الذي قدم بطريقة تعبيرية يقدم الممثل في الوهلة الاولى
غير مرئي لان هناك ظلاماً، ثم يصل الضوء، وقد اعتمد المخرج على الحركة
الواسعة على الرغم من ضيق المكان، حيث اعتمدت حركة متعرجة ومنكسرة تتناسب
مع فكرة المشهد، وجاءت اللياقة البدنية لدى الممثل متقنة. اذ استطاع توظيف
كل الدلالات التعبيرية داخل التكوين البصري على الرغم من ضيق المساحة تبعت
ذلك اضاءة تعبيرية ومشهد قتل الدمية التي اراد من خلالها القول انه قتل
(علي الوردي) بعد ان عجز عن قتله بشكل حقيقي وبكل وسائل القتل، حيث استخدم
الاضاءة الصفراء كرمز للعلة والمرض حيث اخذ الضوء حريته في اجراء عملية
القتل ونفذ فعل القتل على مساحة جغرافية صغيرة لكنها في مستويات التخيل
كبيرة تستوعب العالم المحيط، كما شاهدنا (الغريب) يغتسل بالماء بعد فعل
القتل ولكن بطريقة مختلفة هذه المرة، وقد كانت السمة الغالبة في هذا المشهد
هي الحركة السريعة للضوء الذي تبع حركة الممثل.
ثم جاء المشهد الثاني الواقع، وقد كانت الواقعية ملازمة لشخصية (علي
الوردي) بكل افعاله الحياتية حيث استخدم الاغاني التي كان يرددها، وهي اغان
عراقية صرف، كما ان استخدامه للديكور كان واقعيا بما فيها البراميل
باحجامها الصغيرة والكبيرة وكذلك ادوات القتل كلها كانت واقعية في هذا
المشهد من مقص وخناجر، فشكلت رمزا للخيانة، حتى ان بنية الضوء اخذت منحى
الواقعية من خلال الضوء العادي المستعمل يوميا وخاليا من اللون وغلب على
حركة الخطوط المستقيمة.
اما المشهد الثالث- فقد جمع (الغريم ) مع الاشياء الاخرى وحاول ان يرميها
في برميل القمامة، للتعبير عن الحياة التي جفت ومات كل شيء فيها، وقد جعل
المخرج منظومة الضوء هنا ذات الوان متعددة، احمر واصفر وابيض، من اجل اعطاء
الحكم للمتلقي، وجعل الحركة الرئيسة عمودية ساكنة، وكل حركات المنظومات
البصرية الاخرى ساكنة ايضا لتكون دليلا على الخراب ثم اطفاء الضوء على
مساحة التمثيل واضاءة صالة المتلقي.
كان الضوء والعناصر البصرية الاخرى في هذا العرض يضعنا امام نمطين، الاول
واقعي امتاز بدقة الواقعية ودلالاتها، والثاني سعى الى تهذيب الواقع من
خلال الرمزية، التعبيرية، ذات الدلالات المركبة.
ان مسرحية (على الوردي) ليست مسرحية تقليدية ولا يمكن التعامل معها على وفق
هذا الاتجاه، فلها طرازها الخاص بها ولها فهمها وافاقها التي لاتتم الا
باستيعاب طرازها هذا، وبه نصل الى حقيقة انها مسرحية تمتلك سماتها ورؤيتها
الدلالية القائمة على العلاقة بين الضوء والعناصر البصرية الاخر، من خلال
استغلال المخرج الضوء استغلالاً يحفز المتلقي وفي الوقت الذي يدرك فيه
المتلقي تلك التكوينات الهندسية من خلال الخط، واللون، والتناقض، والتوازن،
والشد مع العناصر البصرية، ينتقل المخرج بنا الى شكل اخر وقد اوغل في
التعبيرية والرمزية والواقعية، داخل المنظومة البصرية، كما ظهر الضوء موحدا
لهذه العناصر على مستوى التكوين المسرحي كما كان المؤلف والمخرج في علاقة
منتجة وصحيحة تعيد تشكيل النص وتنتج المعنى، لقد تبنى (المخرج) تقديم (علي
الوردي) في الجوهر والعمق والباطن، وحاول اقتناء روح جديدة للشكل تختلف عن
النص ولكن بعمق الفكرة نفسها وبهذا اصبح المعنى غير ظاهر بذاته، بل ظل
بحاجة دوما الى استنباط .. فالمعنى في نظره ليس صريحا ولا يفضي مباشرة، بل
ظل خفيا مبطنا ومهمته ان يعمل على اظهاره وتناقضه وتفسيره او تأويله، ولهذا
ظل يحتاج الى عناصر اخر داخل التكوين البصري لتكون مسرحية مثل (لعبة
الملاكمة) وغيرها تحمل وتساعد بهدف المعالجة والوقوف على المعاني والدلالات
التي يريدها، وهكذا يتضح لنا ان المخرج اخذ على عاتقه مهمة اعادة قراءة
النص، ونهج نهجا اخر كشف لنا من خلاله بان داخل كل رؤية ثمة ما لا يرى.
محطات
عمان:
صدر عدد جديد من مجلة (عمان) الثقافية الشهرية الصادرة عن أمانة عمان
الاردنية ، العدد حمل العديد من الموضوعات المهمة ابرزها:
شيفرة دافنشي، بلاغة التكثيف وشعرية الزهد، القبر بين الرؤيا الصوفية
والراوي المميز، روافد ثقافة النكبات وذاكرتها الانا والاخر في الرواية
النسوية، فلم (الحب في زمن الكوليرا).
هذه المجلة يمكن ان تكون نموذجاً جيداً أمام أمانة بغداد لاصدار مجلة
مماثلة بدلاً من الصحف التي تقدم اعلام الامانة حسب !
أمين الزاوي:
للكاتب الجزائري: أمين الزاوي، صدرت حديثاً روايته الجديدة (السماء
الثامنة) وكان قد أصدر من قبل (ويجيء الموج امتداداً/ قصص) و(كيف عبر طائر
فينيقس البحر الابيض/ قصص) و(صهيل الجسد/ رواية) و(الرعشة/ رواية) فضلاً عن
كتب أخرى باللغة الفرنسية.
طهران مدينة بلا سماء:
عن دار المدى، صدرت رواية للكاتب الايراني أمير حسن جهل تن بعنوان (طهران
مدينة بلا سماء) ترجمها الى العربية: سليم عبد الامير حمدان وترصد جوانب من
تحولات المجتمع الايراني الحديث.
معرض للكتاب في ثقافة الاطفال:
في دار الشؤون الثقافية افتتح مؤخراً معرض دائم للكتاب العراق، يضم الى
جانب كتب الاطفال المتخصصة العديد من الكتب العراقية الصادرة عن دور
النشر.. بهدف تعزيز القراءة لدى رواد الدار.
إيسن.. ثاني مدينة في العالم تسنّ القوانين
أ. فؤاد يوسف قزانجي
إيسن isin وموقعها الان "ايشان بحريات" وهو تل كبير قرب مدينة الديوانية
جنوب العراق. وإيسن دويلة او مملكة تأسست فيها سلالة بابلية مستقلة بين
"2017-1794 ق.م" أقامها "ايشبي - ايرا" وهو امير من الدويلة - المدينة
البابلية ماري قرب الحدود العراقية، ادعي الملوك الخمسة الاوائل السيطرة
على المدينة العظيمة اور السومرية. اما خامسهم فهو الملك الشهير " لبت -
عشتار" الذي حكم ما بين "1934-1924 ق.م" الذي عرف باصدار جملة من القوانين
باللغة السومرية. فقدت إيسن استقلالها في البداية لصالح مملكة لارسا وفيما
بعد لصالح بابل. وانتعشت المدينة من جديد بين "1156-1025 ق.م" تحت حكم
سلالتها الثانية التي بسط عدد من ملوكها سلطتهم على بعض مدن الجنوب(1).
ضُمّت إيسن الى الامبراطورية البابلية فحكمت فيها سلالة بابلية تدعى سلالة
"ياشي" وهناك سلالة ثالثة من إيسن حكمت في الدولة - المدينة اشنونا التي
سيطرت على معظم الاراضي الواقعة بين نهر ديالى شمالا ونهر دجلة جنوبا وكانت
اهم مدنها شادوبم*
تبعد مدينة إيسن حوالي "20 كم" عن جنوب مدينة عفك و "40 كم" جنوب الديوانية
قامت بعثة اميركية في الحفر فوجدت طابوقة مكتوب عليها كتابة اكدية بلهجة
بابلية تعود الى زمن نبوخذ نصر، وطابوقة اخرى من زمن ملك إيسن "انليل باني"
ونقبت بعد ذلك بعثة عراقية فعثرت على كتابات في بعض الرقم وطابوق مكتوب
عليها وجرار متنوعة من الطين المفخور تعود لزمن الملك لبت عشتار. وكانت
بعثة المانية قد عثرت في العامين 1973 -1974 م على بضعة اختام اسطوانية
ودمى وجرار خضر مفخورة ورقيم يحتوي على اسماء المعابد في مدينة ايسن منها
معبد الاله "تيرانا" ومعبد للاله "كولا" واشارة الى قيام الملك البابلي
"ادد- ابلا- ادينا" الذي كان اميرا في مملكة "بيت ياقين" الآرامية في اقصى
جنوب العراق، ببناء المعبد عام "1047 ق.م" وقد وجد قرب المعبد في المدافن
دمى لكلاب، مما يدل على العناية بالكلاب او اعتبار الكلب من الحيوانات
المقدسة لدى الآله "كولا". وعثر ايضا على تمثال لرجل عار جاث على ركبتيه
قرب المعبد يرجع الى نمط تماثيل الفترة الثالثة لعصر فجر السلالات
السومرية. كما وجدت مجموعة من الرقم مكتوبة بالخط المسماري، كما عثر على
العديد من الطوابيق المختومة.
ومن الجدير بالذكر ان الملك الخامس في إيسن "لبت - عشتار" الذي حكم جنوب
العراق لمدة احد عشر عاما يعدُّ ثاني مشرع للقوانين في العالم بعد الملك
"اور - نمّو" السومري في نيبور. وقام بنشر القوانين في البلاد تكريسا
للعدالة. واشتهرت شريعته المسماة بأسمه التي سبقت قوانين مملكة اشنونا
البابلية كما تسبق قوانين حمورابي الشهيرة. ويبدو انه استولى على جنوب بلاد
الرافدين بعد زوال سلطة الاكديين، كما يظهر ميله الى العدل من خلال مقدمته
لمسلّته التي كتب عليها شريعته قائلا: "انا لبت عشتار الراعي المتواضع
لمدينة نيبور، والمزارع الضليع لمدينة اوروك: ملك إيسن وملك سومر وملك اكد.
وبتوجيه جيد تركت الاب يساعد اولاده، وجعلت الابناء يساعدون آباءهم.." وتضم
قوانين لبت عشتار حوالي "50" مادة وجدت منها كاملة "35"مادة و "5" مواد
مخرومة او ناقصة "2" وقد اكتشفت بعد ذلك اربعة كسر من اربعة رقم عثر عليها
من خلال التنقيبات في عام 1947 التي قامت بها جامعة بنسلفينيا في نيبور
وقام بدراستها ونشرها فرنسيس ستيل، اما خاتمة قوانين لبت عشتار فقد جاء
فيها: "واستنادا الى امر الاله انليل انا لبت -عشتار ابن الاله انليل قد
قضيت على البغضاء والعنف... وعملت على اظهار العدالة والصدق وجلبت الخير
للأكديين والسومريين..." (3) كما عثر العلامة صاموئيل نوح كريمر على كسرة
جديدة من رقيم تحتوي على تكملة للمادتين الخامسة والسابعة من قوانين لبت
عشتار والتي كانت ناقصة. ومن خلال قراءة نصوص القوانين التي اعدها اور -
نمو ولبت عشتار، ان قوانين اشنونا وقوانين حمورابي المتكاملة قد تأثرت
بهما.
ويذكر ان ايسن قد حكمتها في بداية تأسيس المملكة سلالة المملكة الامورية
الاولى التي تولى مقاليدها خمسة عشر ملكا مستقلا اشتهر منهم لبت عشتار
وبورسن "بور - سين" والملك المؤسس ايشيبي - اير. وعلى الرغم من ان ملوك
ايسن من اصول امورية شانها شأن ملوك بابل الا ان حمورابي قرر ان يسيطر على
بلاد الرافدين ويضمها لعرشه البابلي بالاضافة الى اجتياحه لمملكة ماري
الامورية ايضا حينما كان متوجها في شمال سوريا نحو البحر الكبير. ولم
تستعيد مملكة ايسن استقلالها الا بعد رحيل البرابرة الكاشيين عن البلاد،
وتأسيس سلالة ايسن الثانية المسماة سلالة "باشي" التي حكمت مملكة بابل بما
فيها ايسن خلال السنوات "1156 - 1025 ق. م" واشهر ملوكها كان نبوخذ نصر
الاول الذي اشتهر بصده للغزو العيلامي لبلاد الرافدين وملاحقتهم حتى جبال
زاكروس، كما قام بمهاجمة الآشوريين دون ان يحقق نصرا. وكذلك الملك الآرامي
الشهير ادد - ابال - ادين وهو امير وشيخ من شيوخ الآراميين في مملكة بيت
ياقين التي قامت على ساحل الخليج.
واستطاع هذا الامير ان يسيطر على عرش بابل خلال السنوات "1067 - 1046 ق.م".
الهوامش
*شادوبم: ابرز مدن مملكة اشنونا البابلية عثر فيها على معبد ومدرسة للنساخ
ومكتبة وجد فيها بعض الرقم الطينية وتقع حاليا في وسط حي الغدير "سومر" في
شرقي بغداد.
المصادر.
-1الموسوعة البريطانية "مدن العراق القديمة" ترجمة طالب محمد مشتاق .في
موسوعة المدن العراقية. العدد 5 - 6 تموز 2005 "ص 64".
-2رشيد، فوزي. الشرائع العراقية القديمة. بغداد: دار الرشيد، 1979 "ص66".
-3 رشيد، فوزي. الشرائع العراقية القديمة. المصدر السابق "ص54". |