|
ابواب التآخي |
الشعر .. اقتناص ما لا يراه الاخرون
رنا جعفر ياسين ـ القاهرة
التيه الدائم.
اختلف الشعراء والمهتمون في ايجاد تعريفات واعترافات عن كنه هذا القريب
اللاقريب /الغامض اللاغامض/المجهول اللامجهول/اللامسموع اللامرئي اللاممسك
الذي اصطلحنا على تسميته (الشعر).
إذ جاءت محاولات كثيرة اعتمدت في تحديد هويته على طريقة الشاعر في تقصي
مكنوناته وتلاوين صوره القادمة من المخيلة مروراً بسطوة اللغة الشعرية
المترجمة لأصداء وأضواء تلك المخيلة وانتهاءً بفهم العلاقة بين المضمون
والشكل لتولد القصيدة / العارض للنسيج الكوني المسمى بالشعر.
ومن هنا تنوعت المفاهيم ,تسطحت وتعمقت في محاولات اعترف من خلالها المعرفون
بالعجز عن ايجاد تعريفات شاملة لذلك السحر حتى وإن ابتكروا محاولاتهم
الخاصة المقتربة في لحظة ما من كنهه ,عاجزين عن القبض على تعريف شامل يعالج
المسافة بينهم و بينه.
وفي محاولة مشابهة حاولت مسك تعريفي الذي اقترب ولم يلامس الاجابات عن
استفهامات ظلت وستظل عالقة في طريق البحث , فاصطلحت على القول:
الشعر .. حالة اقتناص ما لا يراه الاخرون.
الانحسار الشعري بين القديم والحديث ..صراع الأجيال وبقاء الشعر على هاوية.
الحديث عن الشعر العربي عامة ,والحديث منه خاصة يقودنا دائما الى جدار مصمت
تتكسر عنده الأراء والسجالات ,مبعثرة في فضاء القصيدة العربية التي صارت
اليوم بلا هوية محددة , وربما ساهمت في ذلك حيرة الباحثين عن ايجاد تعريفات
خالصة تقود النص لبر الأمان وتساهم في بلورة كيان محدد تتنوع أوجهه بتنوعات
العلاقة الشائكة بين الشكل و المضمون. ان الحديث عن الشعر الحديث وتحديد
ماهيته (وعمدت هنا الى تسميته بالحديث) لا يعني بالضرورة الغاء الماضي و
التنكر لجمالياته .. فلا جديد بلا قديم عظيم وراسخ يؤسس له.
ولكن مع تغير العصر الحديث وتحول الكتابة الشعرية من الخارج المغلف بالوصف
والرثاء والمدح والهجاء و غيرها من أغراض الشعر القديمة الى الداخل المحموم
بالافتراضات في محاولة لفك شفرة الذات البشرية وما يتجسد فيها من تناقضات
ووجدانيات وتساؤلات ,أيضاً ما يحيطها من هموم وتداعيات ..كان علينا التفكير
بالطريقة الجديدة لكتابة القصيدة العربية من خلال استكشافات أعمق لعالم
الشعر الذي ازداد غموضاً وأغرق الكثيرين في تيه وأسئلة مبهمة. وهذا ما حصل
بالفعل ..لكن مانؤاخذ عليه طول الفترة الزمنية التي احتلتها السجالات
,ملبدة ًسماء الشعر العربي بالمهاترات والتناقضات ..مرة بالرفض للجديد
وأخرى بالتشجيع على خلق الحداثة الشعرية بأشكالها المنوعة ,وبين الرفض
والقبول اشتدت وطأة الاختلاف في تفسير الشعر وتحديد هويته ..أو سر
كينونته.ما جعل الخوف من تغيير قامة الشعر العربي قائماً لسنوات طويلة
..ومحدداً لكثير من الطاقات الشعرية التي أرادت اختيار الحداثة (أو بشكل
أصح التحديث في بنية ومضامين وشكل القصيدة العربية وبالتالي استحداث علاقات
خاصة متنوعة لتعريف الشعر) بعد أن أدركت أن الكتابة ضمن قواعد وأطر الشعر
العربي القديم أصبحت اليوم لا تعبر عن حاجة القصيدة/العارض للشعر ..لاسيما
وأن أهم المرتكزات الأساسية في الشعر العربي القديم صارت تعيق أو تحدد فكرة
استحداث التصوير الشعري المواكب للتغيير متمثلة بالأوزان والقوافي واللغة
الجامدة وهي تتوعك على الرغم من عظمتها السابقة ولكنها رصت ضمن قوالب جاهزة
ومجهَزة لعصر القصيدة الفخمة ..لغة العصر آنذاك التي جسدت بخصوصية كبيرة
حياة العرب السابقة ونجحت في تجسيد غاياتهم ورؤيتهم للحياة.
وبما أن رغبة الانسان في التجديد والخروج عن المالوف والمتوارث سمة غريزية
فيه .. استطاع التطاول على قامة العمود الشعري ,كاسراً حاجز الخوف من
القرون الجامدة ,مصراً على النزوح نحو حداثة مواكبة للعصر بعيدا عن
الفضاءات المقيدة التي اعتمدت اجترار الموروث ,معيقة ًالابحار نحو الخلق
والتجديد ,مؤكدةً بذلك حاجة الكائن الميال الى رفض التقليد ..الهارب من
تسلل الملل الى عوالمه الخارجية والداخلية ..المستفيد من مطوَّرات العقل
البشري في عالمه المادي ناقلاً اياها الى روح الكون المتمثلة في الشعر
..وهنا أيضا ظهرت مفاهيم أخرى وهويات شعرية تنوعت بتنوع طرق التفكير مثلما
تنوعت بتنوع دلالات الكتابة الشعرية ودالاتها ,مستفيدة ًمن استحداث أغراض
أخرى لم تكن مألوفة أو منتهجة في الاقتراب من الشعر عند الكتابة الشعرية.
فجاء الحديث منه ثائراً على الكلاسيكية الممتدة لعصور طويلة دونت تاريخ
الأجيال خلال قرونها التليدة ,مناهضاً للقنوط المخيم عليها على الرغم من
فخامتها وهيبتها الخادمة لتلك الحقبات الزمنية ,إذ ظلت محسورة في أشكال
جاهزة معدة سلفاً ..الموسيقى واحدة ..بإيقاعات متعددة ..يتفرد النص الشعري
بأختيار احداها لينظم الصور و التخيلات في أركانها المربعة الصارمة و في
شكل واحد يعتمد التناظر المهيمن كلياً على كل نصوص الشعر الكلاسيكي , و ضمن
محددات متوارثة جعلته مقيداً في أحيان كثيرة في تزويقات واضافات ,الغاية
منها سد الفراغ الايقاعي في البيت الشعري المكون من شطرين ,متوقفاً عند
قافية واحدة مكررة ربما تحد من خيال الشاعر بغية الحفاظ على الايقاع
المتكرر والمسموع (المتوقع سلفا) عند القارىء والمستمع معاً ,وهذا التغير
عكس رغبة الشاعر في فهم الفعل المحرض في المحيط الذي ألهمه للاقتراب من
الشعر برد فعل مغاير للمألوف من مفاهيم الشعر نحو تجريب أكثر اصراراً على
تحرير الشعر من قالبه التعريفي الخانق على أنه الكلام الموزون المقفى
ومحاولةِ خلق مكاشفات أكثر عمقاً تعمد على ملامسة ذلك الهائم/ الشعر.
وبالعودة الى القصيدة العربية اليوم بأنواعها المستحدثة نجد الثورة
الحقيقية النابعة من ادراك الانسان لحاجته الى استحداث انماط جديدة للكتابة
الشعرية بعيداً عن أي سائد يمكن أن يرغمه على الخلو من الفن الشعري , وهذه
الثورة منحت الباحثين حرية أوسع لمحاولة امساك الشعر وتحديد ملامحه
المتطورة , فولدت قصيدة التفعيلة العربية الحديثة أو ما سمي بالشعر الحر في
أربعينيات القرن الماضي ليرسم الانطلاقة الفعلية لحركة حداثة شعرية عربية
متمردة على السائد حتى وإن كان المحفز لها ثورة في الشعر الغربي استطاعت
النيل من النظم الكلاسيكي هناك على الرغم من اختلاف الأسس الشعرية وقوانين
النظم بين الأدبين لكنها هيأت المناخ الفكري لولادة نمط جديد للقصيدة
العربية حتى وإن كانت في اول الامر مقيدة في بعض جوانبها , متكأة ًعلى
ضوابط التفعيلة التي جاءت مبتكرة لتحتل مساحة البيت الشعري ,معلنة ًنمطاً
أكثر حداثة من الصدر والعجز ,ممهدة الطريق الى الانفلات التام فيما بعد من
قوانين الموسيقى الشعرية المكررة أيضا ضمن ايقاع التفعيلة لتظهر قصيدة
النثر بموسيقاها المختلفة والمتجددة النابعة من لحظة التصوير الشعري ,
مؤسسة لموسيقى شعرية متغيرة تنوع وقع صورها في أذن المتلقي , محلقة به في
أجواء متناغمة ملونة , وهذه الحداثة الشعرية غيرت الكثير من قناعات
المهتمين شعراء وباحثين حول فهم وتعريف ماهية الشعر ,بل كانت الأقدر على
تحفيزيهم للبحث عن تعريفات تقترب من تلك المتغيرات التي حظيت بها القصيدة
العربية وبالتالي يكون للشعر سطوته الحازمة في فرض تعريفاته على الشاعر
والمتلقي المؤمن بخروج الشعر من حلقة الكلام الموزون المقفى والاعتراف
بشرعية روحه الباحثة عن الانعتاق.
و على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على فعل التغيير مازال رد الفعل
متضارباً و ضبابياً لايميز بين رديء و جيد ,ولا يعترف في الغالب بأيجابيات
الأسلوب الجديد وإن كانت غير قليلة واستطاعت خلق النموذج المتميز المواجه
والمدافع عن هذه الثورة ,الكاسح للرديء الذي اعتمد الاستسهال في فهم عوالم
الشعر الخلابة وأدى بالنتيجة الى كتابة قصيدة غيرمتزنة فنياً وتقنياً
..أضرت بالنتاج الحالي والمستقبلي للشعر ..كما وأعطت الفرصة للمتزمتين
المتشبين بالموروث للانتقاص من امكانيات طريقة البحث الجديدة فشككوا في
قدرتها على مواكبة اصالة الشعر العربي وجذوره الممتدة متناسين ضرورة تنامي
فروعه نحو سماء تلونت الآن بألوان شتى لتواكب احتياجات الانسان اليوم وكي
لا تصطدم في أوجهها المتعددة بحركة التغيير والتطور التي تطال اليوم كل شيء
..
وهذا يؤكد ضرورة المواجهة الحقيقة للدفاع عن رغبات الشعراء في تحديد
مقتربات ربما تسهل فهم الشعر وفق معطيات هذا العصر التي أثرت بشكل مباشر في
تغيير طريقة فهم الشعر والتعامل معه بانفتاح أكثر على أنه حالة من اقتناص
الحواس الخمس بمهارة العقل والادراك والحس. وهذا يدعو الى السعي والمثابرة
بغية خلق وعي شعري جديد عند المتلقي بعد أن اعتنقه الشعراء وصارت على
المتلقي المعاصر مسؤولية استيعابه بعيداً عن التعريف المقعد للشعر الذي
تناولناه ومازالت الأجيال تمضغه على مضض في كتب الأدب العربي و الذي مازال
يدرس حتى الآن في المناهج الدراسية ,إذ يساهم بشكل او بآخر في قصور الوعي
العام لدى الاجيال الناشئة وبالتالي يحجم و يخمد وهج الشعر باستكشافاته
الجديدة وخباياه الفضفاضة ,وهذا الوعي المعاصر الذي استطاع الفصل بين
الشعر/العام والقصيدة /الخاص ربما سيعمر في نفوس الآخرين عالماً يشابه عالم
الشعراء الداخلي وكيفية تعامله مع المحيط وبشكل يساهم في خلق محددات
ابداعية لفضاءات تقرها مجسات الشاعر الشاعر فقط .
لماذا لا نصنع عالما ملونا ً؟
صورة ُ الحلم ..صورة ُ الصوت ..صورة ُ الصورة ..المعنى والشكل في امتزاج
بهي يعكس ما لايرى وما لايسمع ...إنها القصيدة في أبسط هوية تعرفها
وبالتالي يكون الشعر مزيجاً من صور الحلم والصوت والصورة وعلى مسافة تمتد
وتنحسر. هذا ما استحوذ علي ودعاني للبحث الدائم ..وربما طرح أسئلة كثيرة:
هل استطعنا خلق عوالمنا الملونة ؟ بهيجة ؟ أو داكنة ؟
اذا استعرضنا وبحيادية شاملة تطور الشعر العربي وتطور تعريفاته ومضامينه
واشكاله سنجد انعتاقا مهما منحه الحياة بعد أن قارب التحنط .تأثر
بالمتغيرات واستحدث في بيئته انعطافات جديدة جاءت متأثرة بالانعطافات التي
غيرت مجرى الشعر الغربي وفق معطيات بيئته ظروفه وتقلبات طقس الذائقة
الغربية .
وهذا الانعتاق جاء في وقته .لكن كان حرياً بنا اعتباره محفزاً لا للبحث عن
تعريفاتنا الخاصة فقط ولكن لايجاد طرقنا الخاصة في التفكير بماهية الشعر
وترجمته بخصوصية في المضمون والشكل وفق معطيات بيئتنا و محيطنا المختلف
تماماً عن محفزات ثورة الغرب الشعرية.
....و هذا كان قصورنا الكبير.
مشاكسة قصيدة / نص لا يشيخ .. يؤطرُ حدثا ًلا يشيخ أيضاً
بالوقوف على معطيات واقعنا المحيط وما ينتابه من انتقالات وتشظيات شعرت
بالحاجة الى مهارات جديدة لاختلاس مشاهدات تنفتح على اكثر من تأويل وتبتكر
تعريفا له حرية التحليق في محراب الوهج المتماهي (الشعر)
من هنا فقط تحول العالم الى غبار صاخب وانبلج (النص المطلق )
الاشتغال على قصيدة / نص يدوم الى الابد حين يحضر الشعر .. الوحي القادم من
مجاهيل العوالم الاخرى التي يتبصرها الشاعر فقط تعم السكينة المضجة قلب
الكون و يفترش الشعر غيوم الروح. الصوت ..اللون ..الملمس ..الرائحة ..الطعم
..الصور الناطقة بكل شيء ,ما هي الا عناصر تستقدم مما وراء اللحظات الفعلية
/ المكان الفعلي / الذات الفعلية .. انه زمن / مكان / ذات تخص الشاعر بوحي
خاص. والتدوين الاول يمثل المصارحة والمصالحة بين ميكانيكية الكتابة والبوح
الصارخ والمضج لقرين الروح.
فعندما يتراءى المشهد ويتعالى الصوت الفارض حضورهُ في ذهن الشاعر ينبغي
الاصغاء لرغبته .. إذ يتحول أثير الصوت و بريق اللون و التضاريس و معنى
الرائحة والطعم ووهج الصورة الى لغة تغزلُ بصمت جميل على أديم الورقة
البيضاء ملونة اياها بمناخات مختلفة من التأثر تعكس فعلها في التأثير.
و للقصيدة زمنها الخاص/مكانها الخاص/ذاتها الخاصة ..فالكتابة بفعلها
الميكانيكي تخضع لمعطيات خاصة يجسدها حضور الرغبة في تصوير ما يسمع وما يرى
و ما يلمس ,ما يشم و ما يذاق و ما ينطق في مخيلة الكاتب .. فهي اداء خاص لا
يخضع لماديات الزمن الفعلي الخارجي/المكان الفعلي المحيط/الذات الحاضرة في
وقتها بقدر ما تسيطر عليه سلاسة الوحي وانسيابه وايضا قدرته على جعل الشاعر
يصغي لتلك الانفعالات المتوالدة في فضاء الروح خارج ماديات الزمان والمكان
والذات في نطاق الخارج المحيط.
إذن للقصيدة حدثها الخاص المتجسد عند الكتابة وهو حدث كتابتها الفعلي
..ولها ايضا حدثها العام المنطرح عند التلقي. وتتجلى جماليات التعبير في
بناء فني يخضع روحيا لمقياس التذوق الجمالي من خلال جمع العناصر الحياتية
بتضاداتها وتلاقياتها لخلق تشويق يقاهر الزمن الفعلي والمكان الفعلي والذات
الفعلية في حدث كتابة النص و يجعل الكل قادرا على الانصهار مع بعض دون فقد
الدلالة الخاصة بكل منهم فيقود الى زمن آخر ومكان آخر وذات أخرى عند التلقي
وبشكل يجعل النص طرياً وشهياً دائماً ..نابضاً بالحياة ..متجدداً بذاته ..
واصلاً عالمه الداخلي بعالمه الخارجي. و هكذا فللقصيدة زمنان ..زمنها الخاص
وزمنها العام ,للقصيدة مكانان ..مكانها الخاص ومكانها العام ,للقصيدة ذاتان
..ذاتها الخاصة وذاتها العامة.
اذن للقصيدة حدثان .. حدثها الخاص و حدثها العام.
حدث القصيدة الخاص ..هو الحدث الذي اخضع الشاعر لحالة النص ,إنه حدث الشاعر
فقط
أما حدث القصيدة العام ..فهو الحدث المتجسد عند التلقي ,إنه حدث الشاعر و
المتلقي معا
و الحدث الخاص في الشعر له قيمته الابداعية .. و الحدث العام له قيمته
الاستمرارية. و ما يوحد الحدثين المطلق الحي بين الخاص و العام. الحدث
الخاص .. ساكن ,بطاقة داخلية في حالة التدوين .
الحدث العام .. متحرك ,بطاقة خارجية و دايناميكية عالية في حالة التجسد.
و من خلال المزاوجة بين الحدث الخاص والحدث العام يتحقق الدوام بطاقة اكبر
ويكون الاعجاز في خلق جديد. إذ نجد المتلقي قد خلع رداء وجوده ,لكنه ظل
ممسكا به ليبحر في حدث مطلق قصده الشاعر او تلبس به واغواه للدخول في
مجاهيل الشعر. ... و من كل هذا استيقظت فكرة النص المطلق.
مقدمة عن فكرة القصيدة / النص المطلق :
هي كتابة من منظور اخر ,الهدف منها خلق حالة من التعويم و عمل ازاحة عكسية
(حركة باتجاه القصيدة /النص) بين الكاتب/المتلقي و النص من خلال الغاء
المرجعيات في النص (الزمان و المكان و الذات/ ادوات الزمان و الأفعال و
الضمائر) باعتبارها محيلات قسرية للكاتب والمتلقي الى زمان ومكان وذات
الحدث .. وهذا التعويم/الاطلاق يجعل الكاتب و المتلقي يتحرك ويمشي بأتجاه
الحدث ويتقمصه بانفتاح حر على الدلالة والمعنى , بعكس القراءة للنص
المتوافرة فيه تلك المحيلات المشكـّلة للحدث المحدد بها والذي يسحبه الكاتب
وبالتالي المتلقي الى منطقته الخاصة بحكم تلك العناصر فيعيش زمان ومكان
وذات الحدث .
ايضا البحث عن شخصنة النص واستنطاقه من خلال الطاقة الاكبر التي ستتوافر
بالغاء تلك المحيلات على مستوى الشكل والمضمون . هو محاولة لتقشير الكون
والكتابة بشكل متمرد يبحث عن طاقة حرة كامنة في النص وتحويلها الى حدث
ديناميكي ساحب للكاتب (فعل الكتابة) والمتلقي (فعل القراءة) للتمثل بشكل هو
الاكثر حرية في النص .
المطلق .. أبخرة مكتوبة
بيان شعري بنكهة الكون
كبيرة لذة اقتناص مهارات جديدة .
الجديد ضمير طازج , و المعجزة هجرة نحو الداخل لها حس دعابة و شيء من
الحدس. دائم هو الوهج الأكبر , و الاقتراب بعد مناور.
الشعر أغنية بصدى لا يرتد , يتعاظم بمستوى حلم الاقتراب منه , ليظل الروح
الملتهبة الهائمة في فضاء سمي غدراً ( العالم ) .
إضاءة الهواء نعمة كبرى , مايحدث بعد الطوفان حياة أخرى و نمو مصدوم بكارثة
, و الكارثة أم الابداع الابداع ليس معركة , و إنما استراحة طفل
التجربة قطعة حلوى الشعر سعادة وقحة تفر دائماً .. بالتأكيد التوغل أكثر
دعوة لاكتشاف ماهو أعمق و أكثر توهجا ً, و حريقا ً.
الجديد مقابل بالغضب , عدوه الإنكار و رصاصة موجهة
من يتوغل يرجم بالارتداد , حفرة هدية صديق لدود
بمعزل عن أسلاك شائكة أقول : أدخلُ بهدوء و بعض ضجيج ( الهدوء شك متواصل ,
كما أن الضجيج خرافة محكمة ) .
أبواب نصف مفتوحة تطير في الهواء .
الشاعر ابن الروح الهاربة , الغريب بزي نهار جديد , تأخذه المسافة المدوخة
ُ برائحة الزمن , إنه المحارب التواق إلى وقاحة بثوبِ فرح , الملعون برغبة
الاكتشاف في عالم ملغم بالشيء و اللاشيء لا ريب , هو المبشر المصاب بلوثة
الحرية , الفاتح رؤاه , الحالم بجوهر الشعر طالما السماء بلونها المعتاد .
نفق طويل , و الشعر ابن الحروب و العشق , حليف النكبات و الجمال , واقف بين
شر و خير , متعب من الانتظار و النظر من ثقب الكون انفجار ملون سرعان ما
شحذ الغبار للزوال .
جواب بمتعة كنز: الشعر نافذة في هواء , رقص أبدي , مسار بزوايا تتشقق و
تلتئم , حقاً ورطة غاية في الدهشة .
نشوة هو , و القصيدة متعة معمار, جنون مسحور بالغواية
نعم , حيثما غواية .. توجد قدحة رؤيا و إكسير فاتح للشهية .
في استرخاء أبعد , بين توتر و رضا واقف كالضوء , ظهره شجرة ترصد الآخر من
الكون , فوق غيمة استثنائية , في بطن سمكة تجوع كل حلم رافض للاستكانة
أبداً.......... تصيبه بالملل و الغثيان .
( الغموض انعتاق الانفجار هوية حتماً إكتبْ الحلم بقعة صارخة , الرسم يتقن
النظر .. أن ترى لك الحق في نقض المثالية , الحياة زائفة مثل الحقيقة , من
يقول حقيقة يكذب أبداً الكذب صانع الاسئلة الطفولة مثار جدل , بعكس
الشيخوخة , هاجس بنغمة موجة ...... مفاجأة متقدة غاية الشعر ).
................ هكذا سمعت , شمعة بنبرة وحي .
لايؤطر بدخان متعرج ذلك الشفاف اللامتناهي .
الظلم ابن الحياة , و الحياة بالنسبة للشعر حسرة غاضبة ..... مجحف إخضاع
المفاجآت للقوانين كيفما تشكلت !!
) أيها الجني اللعوب ..
يا راسم الصور و موسع الحدقات برؤى مختلفة ..
يا نجار اللغة و نحات الفراغ ..
يا أيها الخيط بين الداخل و الخارج .. أضئ العبقرية بنار متسعة , تجلى بين
المعنى و الهيكل المغسول بالنور
المخدر الحاد مشتهى كهواء بخفة لعنة ).
حينما تتطابق الشرائح الكبرى للروح , بمثابة تكرار غبي جداً , و تخدش بوقت
لا محسوس , و مكان مستنسخ باختلاف .... يكون خافتاً : الفرد في جمع و الجمع
بمثابة طرقة منفردة .
تشظيات موغلة في القهر و المبهم حتى غرف نومنا الخاصة.
الحاجة : ضرب من الجنون , كسرة شعر بطموح مسرف للتحليق , طاقة بجموح
القيامة
مقترح : للتعرية جمال خاص ... من نوع آخر
) كائن ثاقب , مغتبط بجنون حاو ٍ, خارق بين الفيزيقيا و الميتا منها ,
يتفكك و يبنى , متصوف و رافض للتماهي , محب و غرائبي , محدث و بال ٍ, معلق
و طافٍ , محلق و مستقر على القعر مثل علبة جمر , منشطر و متحد , متشظٍ و
مكتمل , فارغ و ممتلئ , قادم و ذاهب , فكرة بين السماء و الارض , أحجية بين
الماء و الهواء , ينمو بين الوجود و العدم , مبتهج بين خارج الشيء و داخله
, شيء و لا شيء معا , مالك حق الرفض و الموافقة .... مقرراً أن يكون أو لا
يكون ).
وهج يقدح أمام نافذة تفتح في جدار الخيال , متعة بألون شتى مطلق ناصع علاج
المسافة التي تفصلنا عنا , مصالحة الخذلان بكأس من الشمس.
التمثل رغبة السحرة , الشعراء مثلهم على كل حال , هكذا صناعة أخرى
يمكن القول : إرتدِ النص .. تعيشه كما تشاء , افتعلْ نفسك فيه ..تتحرك في
الملحمة و تحركها أيضا , اغمض عينيك .. تجد من تريد , امتزج .. تجد أي لحظة
هاربة .
...... هكذا , يتمعنى و يتشكل كلعبة تتنفس .
الحرية .. طاقة برائحة برتقالة المكان و الزمان و الذات إحالة قسرية , تبدو
كذلك تتلبس الداخل بدلالة الأفعال و أدوات الوقت و الذوات , مصاحبة بانزياح
إدراكي في حركة محددة أصلاً تشبه شارعاً مستنشقاً للضوء, موضوعة سلفاً
كسكين فاصل بين طاقة هي شهوة السحر , و طاقة التمثل من الخارج.
محو الأمكنة والأزمنة والذوات إتاحة للتأويل , مرونة جناح مضاء ببذخ .
الرسم كتابة من نوع آخر .. هكذا نقول :(الشكل 1)
الصدام صفة ملازمة , ندبة في وجه الاكتشاف .
غير مدرَك أن الالتباس حلم , و سلطان الحلم يجيز لنا إزالة الفواصل ..
لاشيء مؤكد الحلم قابل لأكثر من تفسير , إذن الالتباس انفتاح , و لغز مشفر
من الخلف
نبصر قدما ُ: لاضير , منفعة بحجم ثروة أو فردوس طائل بهذا الشكل , ممكن شد
الإبصار بمرونة , يتمدد و يتقلص كترياق مبهر
لاسيما و أنه مدرِك أن هناك ( ما بين ) في كل ما هو مصنوع / مصطنع .(الشكل
2)
القصيدة العارض للشعر , المعمار هيكلاً و بناءً
المادة لانهائية .. رؤيا و صور و لغة , مثل فوران للمادة ما للشكل , هنا
متكاملان و متبادلان .. الأبيض للأبيض , و الغرابة إثارة للسؤال النص شبكة
معلقة , متشكلة بخصوصية , لغة منتقاة لمعمار متعدد الأوجه
غياب بحضور مختزل .. حضور باختزال الغياب , ناعم كوشم .(الشكل 3)
المعنى و الشكل وجهان لمطلق حي يتنفس ليتماهى في تأويل مختلف يتجدد كرئة
حقاً إنه نص تواق للتأويل شهي , لكنه ليس الوحيد بالطبع
الإلغاء للإظهار و التمثل , شفرة بغموض لؤلؤة مغايرة إبداع الغموض غاية
أخرى .. باب مفتوح من خلفه نوبة لمعان و فرقعة صدمة الصدمة وسيلة للاختراع
الانفجارات هوية طازجة دائماً , علينا بها لتقشير العقل .. إثارة مختلفة و
عظيمة
عظيم هو الوهم .. مثلما عظيم الشعر.
النفق ممتد , مغاليق تلمع من بعيد ...
هذيان في بلورة ملعونة
)تقشير كوني )
نماذج تطبيقية عن البيان:
( 1 )
استئصال ..
هكذا قرارُ لص .
عدة ُمهاراتٍ للاستكشاف :
قفازاتٌ لمداعبةِ عسل ٍمدهون ٍبالملح
غطاءُ لصداع ِالدخان
و حفنة ُمطر ٍلصناعةِ شمع , مؤكد .. غيرُ قابل ٍ للذوبان .
اختلافٌ عاطلٌ , مكررٌ وتائه ..
-هل صحيحٌُ أن الورقَ صحراءٌ مشوية ؟ لا , ربما عشبٌ متناولٌ للهرمونات .
-متى القبضُ على كف ٍمشغولةٍ بقراءةِ الطالع ؟ حينما النافذة ُ مسنودةُ
بهيكل ِ مقصلة .
-من مغري الزجاجة َ للتلصص ؟ أوه , رسالة ٌ مستغيثة ٌ , مطوية ٌ , و مربوطة
ٌ بجواربِ ماري انطوانيت .
ياللجراح ِ العصي !!
إبرة ٌ عاطلة ٌ , فاسدة ٌ و مخذولة ٌ بقدر ٍ كبير جدا
كموت ٍ ناعمة ٌ , مجاورة ٌ لمقص ٍ موضع ِ عناية
الخلاصة : قضمة ُ لحم حي و اسفنجٌ عفن .
مريعٌ جدا ً ....
( 2 )
رسمٌ مخدوشٌ
و قبضة ُرمادٍ عار ٍ.
عالمٌ من التيه بعرفِ جوَّال ٍحقود عارف للطريق , مثلما عارف لزيفِ عملةٍ
بلاستيكية .
البستانُ بمثابةِ متاهةٍ مزروعةٍ بالمدافع
مكنسة ٌفي الجوار , لازالةِ نفايات .
سبعُ وشاياتٍ مجبلة ٌ على التشهي
موثوقة ٌ بندم ٍ قديم , ربما أكثرُ لذة ً.
النقوشُ الأكثرُ حزنا ً.. المقارناتُ بسوداويةِ نيسان المذاباتُ بهدنة
بالقرب من جنةٍ واقفةٍ تحت المطر بثوبٍ مدان السبب : بلاغ ٌجديد لنهايةٍ
مبتكرة , حكمٌ أخير .. بطئٌ .. و مخدوعٌ بثلج .
) الجحيمُ الأنقى من صلبان فزع (
صورة غاضبة ٌ ..
مناورة ٌ لرحيق مأكول
من غير ِ ذاكرةٍ ساخنة لاشكَ موحشة ٌ بقدر فناء .
( 3 )
لا رؤية َأبهى من الحلم .
عروسُ الصباح ِ مفزوعة ٌ من ضجيج ِ المسافة مدانة ٌ ببرودة ٍ لافحة .
الغضبُ المسيطرُ أحدُ أوجهِ الفرح , لكن من نوع ٍآخر
جحيمٌ تعسٌ , بنسيم ٍ, كوميض ِحطام
انتحارٌ .. إمساكُ سرِّ عالق أوسعُ جوع إتقانُ دور الضحية لا جنونَ أفضلُ
من استنشاق رعب , بدلاً من التلوث .
برفق ٍ , سؤالٌ عجيبٌ :
هلعٌ أم كونٌ مؤجل ؟
أبخرة ٌ أم نفاياتُ فوضى ؟
ربما , لغزٌ مقلوب ٌ , نوع ٌ جديد من الفظاعة
أو غباءٌ مقدسٌ منقسمٌ بينَ لص ٍو شيطان .
هنيئا ً ..
الباقي غيرُ الاحتضار
بهجة ٌ و ريبة ٌ معا ً
قادمٌ صوتٌ عبرَ منام ٍ ملون ( ياللعجبِ .. صفاءٌ بهي رغمَ شهوةِ الانصهار
!! ) .
( 4 )
سابح ٌ بينَ بين
موغل بقدر ِ استلاب
ناعمٌ , و مفتوحٌ على دفتيه
قلابٌ الخياناتِ , جبهته الانعكاس
ما مسحورٌ الا بالطاعةِ , لا الهذيان مهاتفٌ المتعتة َ بخيطِ صراخ
-هل مسموعٌ سوى الشؤم ؟
لا فرقَ حتما ً..
( 5 )
الكتابة ُ رائحة ٌ شاحبة
وهجٌ و اختزالٌ لغايةٍ ما .
يا حبرَ الضجر ..
-ما للمهارة و الصمت ؟
-أينَ رباعياتُ الرغبةِ المنحدرةِ كضحكٍ مفتوح ؟
شبيهُ الخياناتِ بزي ناعم قامة ٌبحرمان ٍ لا شرط فيه مُزحلِقة ٌ على الجلدِ
بريقَ الحقيقة .
أسئلة ٌ حبلى بالاكتراث , شائخة فوق هواءٍ لزج عنادٌ بجمرةٍ مبتورة
متكررٌ كزيزفون ٍ عجوز نييءٌ
كأنَّ السؤالَ جانبٌ آخرُ من الوجه , أو لعلَّ الضبابَ من أمزجة مكسورة
انطفاءٌ مبحوح ..
لماذا الاغنياتُ مغتاظة ٌ؟ و الخضرة ُ ماثلة ٌ للاسوداد ؟ لماذا للتأمل
ِكلُّ تلك َالبحةِ الموحشة ؟
أ كلُّ السأم من عمل ٍ مزروع ٍ فوق غيمة هائجة ؟!!
( 6 )
بالغة ُ الاحمرار أسنانُ الموت
منقضة ُ أسرعُ من عطر ٍ أنثوي .
بينَ التلوثِ و الحديث فصلٌ جديد , خامسُ
منبوذ ٌ بصاعقة مدبرة , حتى اذا ما مغلفٌ النوافذ َ ببعض ِ فرح فصل مناورٌ
كلما العناقٌ مؤجلٌ
و كلما رائحة ُ الاجداد ِ مبثوثة ٌ من القوس ِ قزح
- كيف الرؤى ؟ غواصة ً بين موج ٍ صبور و أغلفةِ سماءٍ موثوقة
- ما الدافعُ لرشق الظلام بوردة ؟ قرارُ العنب : ثمةَ أفواهٌ جوعى و عيونٌ
فارغة ُ في انتظار .
إذن , خطوتان ِ بظل وحيد
لا ريبَ أن الحياة َ مبتورة ٌ
.... صديد ٌ مبتلـَع ٌو نوبة ُاسترخاء
حياة ٌ بلا أدنى رقيب غاية ٌفي التمني , حنجرة ٌ ببصمةِ ناي .
( 7)
غاضبٌ لون الماء حانق ٌ كفجر مخطوط ٌ بأسفٍ مظلم ٍ تحتَ طقس الدماء
إذن , لعنة ٌ أكيدة كلهو ٍ و موج.
بوحشةٍ مجهولةٍ مصطبغا ًٌسوى وجنةٍ مغرورقة غايةٍ في التوهج
شاهقا ً بذات الأنين.
بلا فضةٍ و لا نصفِ تمنِّ , مكافأ ٌببوح ٍ قالبٍ للجموح
باديا ًكبرق ٍ بوجهٍ مغدور
مباغتا ً كالمرايا شتاءَ العناد.
مصير وحيد لجني الأفق اللماع وقتَ صناعةِ هدنةٍ غاضبة
بل و اغفاءة ٌ لاحتكار الشروق بنهم هكذا الانحدار , شفاه منزوعة من فراغ
مفتوح .
المجهول طازج و مالكٌ لنوم ٍ متكتم فورَ اختفاءِ الاحجيات
سرِّهُ الغرابة ُ الفاتحة , بلغز ٍ شديد معاشٌ بيقين ٍ نصفِ غامض.
معتقدٌ :
الماءُ مخفي جنونَ البشر .
( 8 )
رمادي ..
غاية في الاشتعال محطم كالرعد بشير الحلم .
فوق الرحيق ..
قهر و اشلاء موتى اين البياض ؟
متواري بين الخيالين , جاثم , مغزو بنثيث معتق .
لماذا للصراخ مرأى الجريمة ؟! و للبكاء عذاب الماء و النار ؟!
معا .. كل ما ظاهر عميق التكتم ابتلاع ٌ و توغلٌ في غموض شهي مشع كما لو
مغطى بالصهيل .
ظلام بلا قبلتين و درب
بلا نفخة غاضبة
أقل حزنا من خرافة ملتوية , حافرا الموسيقى بقدم من زجاج , بلا موعد .
( 9 )
مشابه ٌ للتكون
رافضٌ لما مخفيٌ ومعتاد
مدبرٌ للهروب ِ حيثما الهاوية.
بجرأة ٍ لا مألوفةٍ طبعاً ..
الخجلُ رداءٌ و عزلة بخلافِ عهر ٍ مزعوم له حضورٌ غيرُ لذيذ .
بركانٌ معربدٌ بفم ٍ و غضبٍ و أشباهِ خطوة
مقسومٌ بينَ قلقين ِ
و بين نفور ملهب وقت الشموس معلنا ً:
لا قاهرَ إلا الفزع .
( 10 )
شبيه الاختلاس
حفيد الأرض الملفوظة من النار
المعاند الهواء بألسنة الشك
الراشي السماء بالبهجة , موغلاً في النأي , غارقا ً في شتاء الفصول .
الفاتح الغيبَ
الرائي انغراس النصل في لون طفولي
وريث النهاية
ابن الشهية الماجنة
الداعي الأصابع لتأمل المرجان في صيف بنكهة سماوية محمرة
الغضب بعينه .. متنفسا ً الكون, منفلتاً كالأسرار
لا مناهض إلا للعجب و المرايا المراهقة .
( 11 )
مختلس
راغب بالبقعة الطائرة حيث الدفء
لا تلاش ٍ , فقط افتراش الفراغ و الخيبة قرب الزاوية الحادة من الخريف .
الكابوس الأنقى:
) مسافات متنوعة , مرايا غامقة(
كأن التأويل اعوجاج بسيط و الوساطة بين الابيض و الاسود لا صواب .
الخيط ابن الطريق , واصل بين نقطتين أو بين اختفائين , مبهج حد رعشة .
مهمة غاضبة : الاقبال نحو الهواء اشتهاء الوصول , إذ لا ظلال مواعدة
بالطريق و ما الروح الا حاجة مغلفة بالتيه إذن , الاغواء ايجاد من نوع اخر
, مختلف كرذاذ اللاعودة .
لكن , لماذا العبور منشغل بقوس قزح ؟
- ربما لأن الضوء تعويذة خرفة / فرح مغمض مصاب برشق الضجر !
ما الفرق بين بين الهواء و اللاهواء ؟
- الندبة المغلفة بجلد الوهم المختومة بالغياب , الفاصلة بين الشي و
اللاشيء .
ادراك مستوحش : التلويح غير مجد ٍ الانطفاء هداية متجمرة , توبة بشراسة
شاحبة بينما الاشباح منغلقون على الذهول , التائهون متثلجون غير مهتمين
بالاشارات , متناسين الأضواء .... المستحوذ خلو ... كمسافة .
الشطب اعلان مختلف , رغبة في التجديد , أيضا ً اكتفاء و مناهضة للملل
نعم , لا بقاء
زوال فقط كثير كثير من اللا أي شيء !!.
من الصعب قهر البياض.
الاسهل انتحال ذكي .
سوى الانحدار .. لا حاجة لمزاولة الهاوية .
الشاعرة في سطور:
1.ولدت في بغداد 1980
2. شاعرة و اعلامية و تشكيلية
3. صدر لها في الشعر (طفولة تبكي على حجر- بغداد 2006) ,(مسامير في
ذاكرة-القاهرة 2007) ,(مقصلة بلون جدائلي- القاهرة 2008) , (المدهون بما لا
نعرف-القاهرة 2009)
4.فازت بجائزة نازك الملائكة في الشعر التي نظمها منتدى الشاعرة نازك
الملائكة في بغداد 2008 5. حصلت على قلادة العنقاء الذهبية في مهرجان
العنقاء الذهبية الدولي الرحال في القاهرة 2008.
6. لها العديد من المعارض التشكيلية ( التشكيل بمادة الحديد و اعمال
الكولاج و الحبر).
7. تعمل معدة و مقدمة برامج في قناة الشرقية الفضائية.
8.مقيمة في القاهرة.
مزارع الوقت
سلام مكي
نار ..
ترسم اللّيل على فخذ شجرة
احتفت بذكرى تكوينها ..
صدر النهاية ، جزئي (لام)
موسم تلقيح الأرض
صلاتي العالقة
في قشرة المطر
أيامي المركونة في
متحف الحرب
كلهم يتساءلون :
كيف يواري سفور الأشجار
عورة آدم . ؟
تستهويني الفكرة ، حقاً
حين أبتكر جنيناًُ
يداعب طفولة الماء
حين أواريه في مقبرة يومه
ينتصب البرق
يداهمني اللّيل برغباته
أعتصره النهار ، أحرج عتمته
لينام شفافاً
حيث أرى ثغر ليلة
وهي تقبلني
تؤنب غربتي
فأستظل بأشجان
مقطوعة من الأمس
وأنكر تمدد اليابسة
في الفضاء
المثقل بالضجيج
ينزف السحاب مطراً
فترتدي النجوم أكمامها
وتبدأ بقراءة الأشياء
يخرس الريح ،
ينطفئ القمر
انفجر من هول الغبطة
وكل ما في جسدي ينطق :
كان يشرب الآثام
ويغرس في سمك الشارع
ذكرى ...
ممحوة من السنين
كأنها جيران الوقت
غابت عن أعين السماء
لم يألف خصر النور
محلقاً في اللّون ،
موزعاً للشك
وسيطاً للكبريت
والأرائك خذلها
صمت الأمكنة
افترضت...
إن الوقت سيّجها بالجرأة
كي تنتزع ذكورة الأيام ،
كي تتوهج أجراسها بالرهبة
لتلعن ختن نهار مغترب
دس عقارب الوقت
في مضجع شهر مغمور
فكان السجال : صداع مزمن
يتجول في أزقة رأس السنة
******
كان الوقت
يتربص بالسؤال
يحدق بحدّته
لينام ( مغناطيسياً )
فيضرب عن الجري
وراء ركام الأجساد
***
الموج يحتك بلغتي
ليخلق أسماء هجينة
تتلذذ بقفر السواحل …
لاوجه للمقارنة بين مسرح الماضي ومسرح الحاضر
د. سامي عبد الحميد
يعاتبنا البعض من مسرحيي هذه الايام لكوننا ننحاز الى مسرح الستينيات
والسبعينيات من القرن الماضي ونشيد به ونعلي شأنه متصورين اننا نبخس حقهم
ونستهين بانجازاتهم وننتقص من إبداعاتهم في حين اننا لا نفعل إلا ما هو حق
وما هو حقيقي ولا نرجع إلا لميزان التقييم أو التقويم وبالتالي لا نجد
وجهاً من أوجه المقارنة بين مسرحنا في ذلك الزمن ومسرحيي هذا الزمن.
كلنا نعرف ان المسرح في العراق بدأ نهضته أوائل الخمسينيات عندما تشكلت
(فرقة المسرح الحديث) وعندما عاودت (الفرقة الشعبية للتمثيل) نشاطها وبعد
أن استقطبت الفرقتان جمهوراً واسعاً وبعد ان تطور المستوى الفني للاعمال
بفضل اولئك المخرجين الذين درسوا الفن المسرحي في الخارج أمثال (جاسم
العبودي) و(بهنام ميخائيل) و(ابراهيم جلال) وعندما حلت الستينيات تبلورت
الأفكار والتقنيات ووضع معهد الفنون الجميلة برنامجاً مسرحياً متطوراً حيث
كان الموسم يشهد عدداً من العروض المسرحية من المسرح العالمي والعربي
والعراقي وبالمعالجات والاشكال المكتملة وشاهد المتفرجون مسرحيات شكسبير
وموليير واونيل ومشاهير آخرين من المؤلفين، ولم يشاهد المتفرجون مسرحيات
قصيرة إلا فيما ندر وربما من إنتاج الطلبة، وبمرافقة نتاجات معهد الفنون..
وأكاديمية الفنون ظهرت نتاجات الفرقة القومية بمستوياتها الفكرية والفنية
العالية وعلى سبيل المثال (الحيوانات الزجاجية) و(اتنيغونا) و(النسر له
رأسان).
وفي الستينيات انضم الفنان كاظم حيدر الى الاسرة المسرحية وكانت تصاميمه
للمناظر المسرحية إضافة فنية عالية الجودة وكانت إضافة مصمة الازياء (ترودي
مثلمان) هي الاخرى رفعت من الرصيد الفني للمسرح العراقي. وبدأ التغيير في
تقنيات الاضاءة المسرحية وجمالياتها.
وتطور فن التمثيل بشكل واضح بعد ان تعرف الممثلون على طريقة ستانسلافسكي
وعلى أسلوب التغريب البرنجني واصبح الممثل العراقي أكثر تلقائية في الاداء
وأكثر اقناعاً وأخذ يبتعد عن الاسلوب النمطي أو الاسلوب التمثالي..
وفي الستينيات ظهر كتاب مسرحيات وصلوا بكتاباتهم الى المستوى الفكري والفني
الرفيع ومنهم (عادل كاظم) و(نور الدين فارس) و(طه سالم).
وفي تلك المرحلة برز المخرجون المجددون ومعهم ظهرت الاساليب المختلفة في
الانتاج المسرحي فظهر مسرح اللامعقول لأول مرة وظهر المسرح التعبيري
والمسرح الرمزي وغيرهما.
صحيح ان المسرح العراقي قد كبا كبوته الاولى بعد ان الغيت اجازات الفرق
المسرحية عام 1963 إلا انه سرعان ما استعاد عافيته خصوصاً بعد ان اعيدت
الاجازات الى أصحابها وتأسست فرق مسرحية جديدة وتم تشكيل الفرقة القومية
للتمثيل واتخذت فرقة المسرح الحديث من مسرح بغداد مقراً لها واتخذت فرقة
المسرح الشعبي من مسرح الستين كرسياً مقراً لها وظهرت نشاطات مسرحية في
النوادي ومنها النادي الثقافي المسيحي والجمعية البغدادية وجمعية الهلال
الاحمر حتى إذا وصلنا الى السبعينيات ليظهر مخرجون جدد عادوا من بعثاتهم في
أقطار اوربا الغربية والشرقية ومنهم (قاسم محمد) و(محسن العزاوي) و(سامي
عبد الحميد) و(بدري حسون فريد) و(سعدون العبيدي) وكانت نتاجاتهم المسرحية
ومازالت عالقة في الاذهان لمستوياتها العالمية وتكاملها الفني فهل يمكن ان
ننسى (تموز يقرع الناقوس) و(النخلة والجيران) و(طنطل) و(الاشجار تموت
واقفة) و(ملحمة كلكامش) و(الشريعة) و(بيت برناردا البا) و(نفوس) وغيرها
الكثير.
ولأول مرة قامت إدارة الفرقة القومية للتمثيل بوضع خطة سنوية لانتاجها فكنت
ترى جدولاً معلقاً على احد جدران مقرها في المسرح القومي تظهر فيه عنوانات
نتاجات الموسم ومؤلفيها ومخرجيها ومصمميها وممثليها. ولأول مرة خرج المسرح
العراقي الى الخارج وانطلقت نجاحاته فمازال المسرحيون العرب يتذكرون (البيك
والسائق) و(أنا ضمير المتكلم) و(الثعلب والعنب) و(كلهم أولادي) و(بغداد
الازل بين الجد والهزل).
وأتساءل هل تظهر هذه الايام مسرحيات متكاملة ومتقدمة مثل (الطوفان)
و(الحصار) و(فوانيس) و(هاملت) و(نشيد الارض) و(الخراب)و(المفتاح) و(في
انتظار غودو) واتساءل هل يقضي المخرجون هذه الايام تحليل المسرحية التي
يتناولون إخراجها أياماً وأسابيع وأشهراً قبل ان ينتقلوا مع ممثليهم الى
خشبة المسرح؟.. اتساءل هل يجرؤ مخرج مسرحي هذه الايام إلا نادراً على إخراج
مسرحية طويلة من الادب العالمي أو من الادب العراقي؟
وأتساءل هل يوجد نقاد مسرح مثل الدكتور علي جواد الطاهر وثامر السعدي
وياسين النصير وحسب الله يحيى وممن برزوا في تلك المرحلة؟ وقد أكون متجنياً
حين أقول ان المسرحيين الجدد لم يطوروا العمل المسرحي ولم يرتقوا به بدرجات
أعلى مما وصل إليه من سبقوهم فانهم ليسوا إلا أبناء أو احفاد أو تلاميذ
اولئك الرواد وبلاشك لقد اقتفوا اثارهم وساروا على خطاهم ولكن الذي لا شك
فيه ان اوزان واقيام مسرح الستينيات والسبعينيات أثقل وأعظم، فمن الظلم ان
نجري مقارنة فلكل مرحلة متطلباتها ولكل مرحلة مبدعوها وبلا شك في ان الظروف
التي يمر بها المسرحيون هذه الايام أكثر صعوبة من كثير من النواحي، من
ناحية جذب الجمهور ومن ناحية بيئة العمل المسرحي ومن ناحية حماسة العاملين
واسمحوا لي القول ان الاعتباطية أو العشوائية إحدى سمات العمل المسرحي هذه
الايام وأن الغموض والتهويم سمة اخرى والتي كانت سبباً في إبعاد المتفرجين
عن مشاهدة ما نسميه المسرحيات الجادة واسمحوا لي القول ان المسرح العراقي
لا يستعيد عافيته إلا عندما تسمح الظروف بتقديم مسرحيات طويلة متكاملة
وعندما لا يضع المخرجون نصب اعينهم المشاركة في المهرجانات الخارجية.
التجريب والتلقي المثير في المسرح
فاضل خليل
التجريب، إشكالية في غالب الأحيان عصية على الفهم، سواء بالنسبة إلى القائم
على التجريب أو متلقيه. ولقد أثارت هذه الظاهرة التي صارت فيما بعدت موضة
أو صرعة تنطلق من فهم أن التجريب إنما هو ( لعب ) غير مدروس على ان نعرف
بأن اللعب في المسرح ليس سوى لعبا ( تمثيل play )، وعليه فان اللعب الذي
نقصده في البعض الذي فهم ( التجريب ) لعبا للصغار، هو الذي ابعده عن معناه
النبيل الذي نقصده في المسرح منذ بدأ العمل فيه والى اليوم. وعليه فان (
التجريب ) يثير الكثير من اللبس على صعيد العمل في المسرح، وصار اختلاف
الفهم فيه معنى واصطلاحا يثير الكثير من المتاعب للمختصين من العاملين في
المسرح. وفي المحاولة للتوصل إلى معنى مشتركا فيه وجدت البحث فيه ضرورة قد
توصلنا إلى اتفاق لا يجعلنا نتنازل عن ثوابتنا في الذي اتفق كل واحد فينا
على معرفته فيه. وسأبدأ من التعاريف التي وردت فيه. فهو يعني:
experimentalism وهذا لا يختلف كثيرا عما أورده قاموس المورد) الذي نص على
أنه:
1-تجربة، اختبار.
2-تجريب.
3-يقوم بتجارب.
والمقصود بمن يقوم هو ( المبدع ) بشكل عام، وفي الاختصاصات المتنوعة. ولا
يختلف الجميع على ماورد في المعنى القاموسي، بل ان الكثير من الباحثين
يتفقون في ان التجريب إنما هو: حدث من الأحداث action، يحوي الكثير من
الإبداع غير المألوف، البعيد عن التقليدي الذي سار عليه الغالبية ممن
أطلقوا عليه هذه التسمية. شرط ان يتم التقديم للمادة التي لم يتعرف عليها
الجمهور من قبل والتي تعرض لأول مرة، باعتبارها ( أنموذجا ) لم تسبق معرفته
والخاص بالمبدع، بالعمل على اختباره كي يصبح تقليدا. وهنا يدخل ( المنجز )
في منطقة التجريب، يضاف إلى ذلك شرط آخر كي تكون ( المادة ) غير مسبوقة أو
متوارثة ولم تدخل بعد في إطار الحياة، أو المسرح ( حاضنة التجارب المسرحية
المجربة ). وهنا يدخل ( التجريب ) في سياق التعريف التالي: ( وهو عملية
البحث في حقيقة شئ ما من اجل الوصول إلى مظهر آخر aspect لنفس الحقيقة ).
من هذا المنطلق سيصيب المبدع معنى ( التجريب ) حتما، وسيكون من حقه اختبار
تجاربه بامتحانها أمام الجمهور لمعرفة استقبالها ومقدار قبولها سلبا أو
إيجابا، فيما إذا كانت تكرارا لسابقة، سواء كانت لذات المبدع أو لغيره من
المبدعين. وحتى لو انها لاقت إخفاقا ولم تصب النجاح، فله شرف المحاولة. على
أن نعرف بان البعد الذاتي غير الموضوعي، هنا لا يفيد ادعاء التجريب مع
التجربة المعروضة، لأن هناك من يفصل بين رأين هما رأي الجمهور الخاص (
النخبة ) الذي قد يتفق في كون الذي يراه ( منجزا ) أو ( تجريب ) يحمل
الإضافة، عن الجمهور العام الذي لم يتفاعل معه. وقد يعتبر الكثيرون من
المعنيين بالتقييم، بأن عدم الإجماع في الرأي هنا إخفاقا، بسبب أنه لم يحض
بالاستقبال الايجابي من الجميع، وانه حاكى النخبة فقط، وعندها يصبح الرأي
في أن المنجز الحقيقي عند التجريب يجب ان يلقى اتفاقا جمعيا، فالرأي
الأحادي سيكون رأيا ناقصا حتما، لا يكفي قياسا في نجاح التجربة. انطلاقا من
أنه لم يمتحن من قبل الجمهور بنوعيه، المتخصص، وغير المتخصص باعتبارهما ـ
الحاكم الأول على التلقي ـ اللذان يضعان ( المنجز ) في امتحان التشابه أو
عدمه في محاكاة العروض، سواء لذات المبدع أو لغيره من المبدعين. وهنا سيكون
المعنى الاصطلاحي expermentalisim متفقا في المعنى مع التجريب الذي نسعى
إلى الوصول إلى معانيه وفق ما وردد في معجم ( المورد ) على أنه: أنه عمل أو
فعل أو نشاط يؤدي إلى سلسلة من الأحداث غير المتوقعة التي تشكل نتائجها
أثرا أدبيا أو فنيا جديدا، بعيد عند التماثل أو التشابه مع منجزات أخرى في
ذات الحقل. وعليه سيتفق مع الرأي الذي يرفضه البعض أحيانا ( الخروج عن
المألوف ). وانطلاقا من ذلك، فإننا نستطيع الجزم بأن كل ما قدم سابقا ومنذ
بدايات المسرح تسمى ( تجريبا ) قبل امتحانها بالعرض أمام الجمهور الذي
سيقرر على كونها تجريبا. وعليه فأن الجهود المسرحية الأولى ومنذ العصور
الإغريقية، والبابلية، والسومرية، والفرس، والفرعونية، وسواها من التجارب،
إنما هي تجارب حظيت بالمشاهدة فصارت تقليدا لا يحق لآخر محاكاتها إذا ما
أراد أن يكون مبدعا وليس مقلدا يمتهن حرفة الفن وليس مبدعا. والتجريب الذي
نعني هو الذي يمتلك ( الإدهاش ) من خلال المثيرات التي تحمل ذات الدهشة
كالتي أحدثتها تجارب كافة المبدعين اللذين تركوا بصماتهم على الحركة
المسرحية من العصور التي جاءت بعد العصور الكبيرة ـ إغريق، بابل، سومر،
فرس، فراعنة، وسواهم ـ وماتلاها من معاصرين كتجارب ستانسلافسكي، بريخت،
وصولا إلى التجارب الأكثر معاصرة والتي تركت أثرها البالغ فينا في كونها
السباقة التي خلدتها الذاكرة. وكما يمكننا القول بأن الشعر العربي، ليس سوى
قصيدة واحدة، تبدأ من حيث ما بدأت في القدم ومن كان أول شاعر لها، ولم
تنتهي حتى آخر شاعر كتب القصيدة في اللحظة الراهنة. لكون ديمومتها
واستمرارها تدوم مع دوام الولادات لشعرية الجديدة شعرا وشعراء. وكل التجارب
ما أفرزت من تجارب في الكتابة، دخلت بامتحانات التلقي وثبتت جدتها في
التجريب. حتما ستوضع في سياق التسلسل الشعري للقصيدة الواحد لكل المشتغلين
في منطقة القصيدة الواحدة ـ حسب التفكيكية ـ. هذا بالنسبة للتجارب ذات
القيمة والإضافة، أما ما عداها من التجارب التي لم تترك أثرها الإبداعي بعد
التجريب في التلقي كانت خارج سياق القصيدة الواحدة من منطقة الشعر بشكل
عام، لأنها لم تحاكي ما سبقها. ورغم أن اللذين وصفوا ( الجواهري ) العظيم
بـ ( متنبي العصر ) لم ينطلقوا من أنه قلد المتنبي، إنما انطلقوا من
التماثل الرصين في البناء الشعري الذي امتلكه ( الجواهري ) شاعرا. وهي لا
تقل من قيمة الجواهري ولا شأنه، بل هي نوع من المديح والاعتراف، قاربته من
( المتنبي ) الذي لا يجارى شعريا. ولأن الشعر العربي قصيدة واحدة، فمن
المؤكد، أن الجواهري مخبوء في المتنبي، والسباب مخبوء في الفرزدق ..وهكذا.
وكما في الشعر كذلك في التجربة المسرحية، باعتبارها سلسلة من التجارب، يكمل
بعضها بعضا، تتصل هذه التجارب بما سبقها من التجارب وابتداءا من أول مسرحية
سجلتها الذاكرة الجمعية التي قد تصل إلى التجارب المسرحية عند الإغريق، وما
تلاها. تلك التجارب التي تتفاوت في مكانتها من حيث القوة، لكنها تتفق في
عمق التأثير التي جعلها انموذجا نتمثل به. جميعها تضل سلسلة إبداعات تحسب
فيها التجارب بعد خضوعها للاختبار وفق منطق التجريب الذي حددناه آنفا والذي
يتحدد من خلال التلقي الرصين، الموسوم بالجدة والدهشة، والمشحون بالمثيرات
التي تجعل منها أثرا إبداعيا.
المواطن المجهول
للشاعر اودن
ترجمة :عبد علي سلمان
لقد وجد مكتب الاحصائيات انه
شخص لاتوجد اية شكاوى ضده
وكل التقارير عن سلوكه تتفق
على انه بالمعنى الحديث للكلمة القديمة الطراز كان قديسا
ففي كل شئ كان يقوم به فانه يخدم المجتمع العظيم
،ولحين احالته على التقاعد عدا مدة الحرب
لقد عمل في مصنع ولم يفصل
لكنه كان يرضي رؤوساءه في شركة فوج للسيارات المحدودة
حتى انه لم يرفض الانتماء الى النقابات وما كان غريبا في ارائه
وحسب تقارير نقابته فانه كان يدفع كل مستحقاته
وتقاريرنا عن نقابته تظهر انها كانت سليمة
وموظفونا في علم النفس الاجتماعي وجدوا
انه كان متواضعا مع زملائه ويحب الشراب
والصحافة كانت واثقة من انه يشتري صحيفة كل يوم
وان استجابته للاعلانات كانت طبيعية
بكل السبل
وسياسته الصادرة باسمه تثبت انه مأمون الجانب
وبطاقته الصحية تظهر انه دخل المستشفى مرة
لكنه غادرها مشافى
وبحوث منتجينا وبحوث المعيشة الراقية أوضحت
انه كان مدركا لفوائد نظام الدفع بالتقسيط
وكان يمتلك كل ما هو ضروري للانسان العصري
حاكي ,مذياع ,سيارة وثلاجة
وباحثونا في الاراء العامة مطمئنون
بانه كان يتمسك بالاراء الصائبة طوال وقت السنة
عندما يكون هناك سلام ,فانه مع السلام وعندما تكون
هناك حرب فانه يمضي اليها
ولقد تزوج ،وأضاف خمسة اطفال
لعدد السكان
والذي كما يقول اختصاصيونا في علم تحسين النسل انه العدد الصحيح
لوالد من جيله
وتقارير معلمينا تقول انه لم يتدخل
في الشؤون التربوية
هل كان حرا.. هل كان سعيدا؟
وان كان ثمة خطأ ,فاننا بالتأكيد سنسمع به .
|
ديوان شعراء جائزة نوبل في مئة عام
ترجمة: كاظم سعد الدين
شيموس هيني: آيرلندي ـ نوبل 1995
14
( شيموس هيني من أبناء ايرلندة الشمالية. ولد في اكونتي ديوي عام
1939. درس في جامعة الملكة في بلفاست وأصبح مدرساً في عدة جامعات في بلاده
وفي الولايات المتحدة. ديوانه الاول "موت عالم بالتاريخ الطبيعي"، سنة 1966
يظهر قابليته في تناول موضوعات الحب والموت والتوليد والتجديد بثقة متمكن
من صنعته وبحس درامي شديد. عزز ذلك الانجاز بديوانه "باب نحو الظلام، 1969)
جَني البطاطا
)المقطع الاول من قصيدة ذات خمسة مقاطع) حفارة آلية تنثر ما تحفر وتنبذ
وابلاً من جذور وتراب يندفع حشد الشغبلة وراءها محدوديتي ليملأوا سلال
عيدان، واصابعهم تموت من البرد * كالغربان الهاجمة على حقول سود، يمتدون
فوضى من الوشيع الماجز حتى الارض المحروقة، بعضهم يخرقون الصفوف المبعثرة
لجلب سلاسل مليئة الى الجفرة ويعتذلون، وينتصبون * فارعين لحظة، وسرعان ما
يعودون متعثرين لاصطياد حمل جديد من الامواج المنقوضة الرؤوس منكسة والجذوع
منحنية تتحسس الطريق نحو الام السوداء. موكب مطاطيء يعاود * خلال المرج
غافلاً كالخريف. قرون من الخوف والتنعية. لان المجاعات تيبس العضلات خلف
الركب المقهورة وتقيم مذبحاً موسومياً من المرج.
سامويل بيكيت ـ ايرلندي / نوبل 1969
15
(ولد سامويل بيكيت في مدينة (فوكس روك)، قرب دبلن، درس في كلية ترنتي وحصل
على البكلوريوس والماجستير.
اشتغل في باريس سنة 1928 مدرساً فيها. وعاد الى دبلن سنة 1930.
وقرر ترك التدريس متفرغاً فيها نهائياً وصار يكتب بالفرنسية اشتهر برواياته
ومسرحياته بعد الحرب العالمية الثانية وكتب عدداً من القصص القصيرة.
واصدر مجموعتين شعريتين بين سنتي 1930و 1935 ويعد اسلوبه اجمل الاساليب
النثرية في القرن العشرين.
وهذه قصيدة باربعة أبيات وقد ترجمها الشاعر نفسه من الفرنسية الى
الانكليزية.
القصيدة اتمنى ان تموت حبيتي وتسقط الامطار على المقبرة وعليّ وانا سائر في
الطرقات ابكي أول من احبني وآخرهم
قصــــــائد
للشاعر الاسباني:
غوساتوفو أدولفو بكير 1836ـ 1869
ترجمها عن الاسبانية:
ناجي هجول
الوحل
كما يحتفظ البخيل بكنزه
كنت أحتفظ بآمالي
كنت اريد ان اثبت بأن
هناك شيئاً أزلياً
إلى التي أقسمت لي بحبها الازلي
لكن اليوم ادعوه عبثاً وأسمع
الزمن الذي مَرّ يقول
آه: أيها الوحل التعيس
أزلياً لا تستطيع حتى ان
تتألم
أعماق
كما في كتاب مفتوح
أقرأ من رموشك
ما في أعماقك
لأي شيء تنفرج الشفاه؟
ضحكات تخدع العيون
ابكي لا تخجلي
من ان تعترفي بانك
قد احببتني
إبكي لا أحد يرانا
وسترين أنا رجل وأبكي كذلك
أصوات
الصوت الاول
امواج عطر البنفسج الطري
تتدفق بنسق مبهم
ليلة باردة من ضباب
وحجر وضاء من ذهب
يوحي بالحب
الصوت الثاني
نسيم هادئ
غيمة لامعة
ريح تقبل الارض بحنق
هذي الروح
جزيرة أحلام مهمشة
الصوت الثالث
ظلال رائعة لجذوة محترقة
المال، المجد، الذهب
أباطيل فارغة
التي أعشقها هي
الحرية
الحقيقة الباقية
مسرحية مترجمة
الشحاذ والملك
تأليف : وينثروب باركهورست
ترجمة : رياض ممدوح
شخصيات المسرحية ملك لبلاد كبيرة خادم الملك شحاذ
)غرفة في قصر تشرف على فناء ونوافذها مفتوحة . الوقت هو منتصف الصيف الحار،
ومن مسافة بعيدة يأتي صوت رجل يطلب الخبز )
)يجلس الملك على كرسي ذهبي ، وعلى رأسه تاج مرصع بالذهب ، وفي يده صولجان
من الذهب أيضاً ، يقف في جانبه خادم في يده حزمة من ريش الطاؤوس يقوم
بتحريك الهواء البارد لتهوية الملك ) .
الشحاذ:(صوته من الخارج) خبز . خبز . خبز . أريد كسرة خبز .
الملك:(بضجر وبصوت خافت) من ذلك الذي يبكي في الشارع من اجل الخبز ؟
الخادم:(وهو يقوم بالتهوية) انه شحاذ ، أيها الملك .
الملك: لماذا يطلب الخبز ؟
الخادم:انه يطلب الخبز ليملأ بطنه أيها الملك .
الملك:أنا لا أحب صوته هذا ، يزعجني كثيراً ، اطرده بعيداً عني .
الخادم :( بانحناء) سبق أن طرد أيها الملك .
الملك: فلماذا هو هنا ، ولماذا اسمع صوته ؟
الخادم :لقد طرد مرات عديدة ، لكنه يعود في كل مرة وصوته أعلى من السابق ،
أيها الملك .
الملك : انه يزعجني في مثل هذا اليوم الحار . انه يجب أن يعاقب لوقاحته .
اضربه بالسوط .
الخادم: لقد سبق وان ضرب بالسوط أيها الملك .
الملك : اضربوه بالرماح والسيوف .
الخادم: سبق وان أدمى العديد من الحراس رماحهم وسيوفهم لإبعاده عن القصر،
وبلا جدوى أيها الملك .
الملك : إذن اسجنوه ، وان اقتضى الأمر اقطعوا لسانه . أنا لا أحب صوته
أبداً . صوته يزعجني كثيراً .
الخادم : إن هذا هو ما قمنا به في الأمس .
الملك: (بعبوس) إن ذلك مستحيل ، لا يمكن لشحاذ أن يطلب الخبز ولسانه مقطوع
.
الخادم: بإمكانه أن ينمو له لسان أخر ، أيها الملك .
الملك: ما هذا الكلام ؟ لايمكن للإنسان أن يعطى أكثر من لسان واحد في حياته
. تلك هي خيانة .
الخادم: إذن إنها خيانة إن يكون للإنسان أكثر من لسان واحد . فهو مذنب أيها
الملك .
الملك: (بغرور) عقوبة الخيانة هي الموت . الجو حار ، حرك يديك أسرع .
الخادم: (يحرك الريش بسرعة أكثر) كل أوامرك هذه قد نفذت أمس . أيها الملك
العظيم .
الملك: كيف ! لاتهزل مع الملك .
الخادم: أنا لا اهزل ، فتلك هي الحقيقة ، وأن الشحاذ الذي يجهر بصوته الآن
في الشارع قد ذبح يوم أمس بسيوف الحرس .
الملك : هل الأشباح تطلب خبزاً ! إن الرجل إذا ذبح أمس لايمكنه أن يعود
ويطلب خبزاً .
الخادم: حقاً إنهم أشباح ومصممون كهذا الشحاذ .
الملك: إن الإنسان لايمكن أن يعود للحياة بعد الموت .
الخادم : سأروي لك ما حدث يوم أمس أيها الملك .
الملك: أنا أصغي .
الخادم : الجنود والحرس ضربوا هذا الشحاذ بسيوفهم ، فكانت جراحه تشفى
فوراً، وقطعوا لسانه فنما له لسان أخر فوراً . ذبحوه فعاد حياً بالحال ،
وهو الآن حي كما ترى أيها الملك .
الملك : لايمكنني أن افهم هذه الحكاية أبداً .
الخادم : قد يكون رجلاً صالحاً أيها الملك .
الملك : كيف ذلك ؟ لا افهم ماتقول .
الخادم : قد يكون من الرجال الصالحين .
الملك : لاتحدثني بالألغاز والخرافات ، إن ذلك يربك تفكيري . ( يصرخ الشحاذ
فجأة بصوت عالي )
الشحاذ : ( من الخارج ) خبز . خبز . خبز . أعطني كسرة خبز .
الملك : آه! انه يصرخ بصوت أعلى من السابق .
الخادم : الجوع كغذاء للرئتين .
الملك : إذن فرئتيه قد تغذتا بشكل جيد ، ها ها !
الخادم : لكن معدته فارغة جداً .
الملك : ذلك ليس شأني .
الخادم : ألا يمكنني أن ارمي إليه بفتات خبز من النافذة ؟
الملك : لا ! إن ذلك تشجيع له ولغيره .
الشحاذ: (من الخارج) خبز . خبز . خبز . أعطني خبزاً .
الخادم : يبدو انه جائع جداً أيها الملك .
الملك : نعم . ولهذا علي أن أسيطر عليه .
الخادم : إذا لم تسمح لي برمي كسرة خبز إليه ، فسيتراكم دين يجب دفعه بيدك
أنت نفسك .
الملك : ليس لأحد دين عندي . لايمكن لملك أن يكون مدين لأحد .
الخادم : ذلك صحيح فإذن يجب تحمل صراخ استجداء الشحاذ أيها الملك .
الملك : انه حقاً يزعجني .
الخادم : انه يشتهي فقط كسرة خبز من مائدتك وسيكون راضياً .
الملك : نعم . وبعد ذلك سيشتهي أن يكون ملكاً ليكون سعيداً وراضياً في
الحقيقة .
الخادم :لاتصعّب الأمور أيها الملك . فأنت حكيم وهذا الشحاذ هو زميل جائع
جداً أفلا تأمرني بأن ارمي إليه بكسرة خبز من النافذة ؟
الملك : سبق وان أعطيتك أوامري . واعمل على إبعاد هذا الشحاذ .
الخادم:عفواً ، إن أبعدناه الآن سيعود ثانية كما كان يفعل دائماً .
الملك : لو أني اسمع صوته وهو يذبح لما أزعجني ذلك .
الخادم:عفواًً أيها الملك العظيم ، إذا ذبح سيعود ثانية كما حصل من قبل .
الملك : آه حقاًً لكن صوته يزعجني ولا أحبه .
الخادم : رئتاه مسمّنة بالجوع ، حقيقة لديه رئتان قويتان جداً .
الملك : حسناً . اقترح إضعاف رئتيه .
الخادم : أي علاج هذا أيها الملك ؟ (يتوقف الخادم عن التهوية)
الملك : العلاج الذي قلته . ولا تتوقف عن تهويتي ، إن الجو حار جداً .
الخادم : (يهوي بشدة) إن كسرة الخبز التي نرميها من النافذة هي العلاج أيها
الملك .
الملك : (بغضب) قلت بأنني سوف لن أعطيه كسرة خبز . إذا أعطيته اليوم فسيجوع
غداً ويأتي ثانية وستكبر المشكلة أكثر .
الخادم : حقاً ، إن عقلك مليء بالخبرات الكبيرة أيها الملك .
الملك : لابد من وجود حلول أخرى .
الخادم : إن الكلمات الخارجة من فمك هي عين الحكمة .
الملك : (مفكراً) دعني أفكر . أنت تقول أنه لايتألم فقد ضرب بالسيوف
والسياط وقطع لسانه وذبح وعاد وكأن شيئاً لم يكن .
الخادم : لذلك لايمكن التغلب عليه بالتعذيب .
الملك : ولايمكن أن يموت .
الخادم : إذاً لاجدوى من قتله .
الملك : الآن دعني أفكر ، فيجب أن أفكر بطريقة أخرى .
الخادم : ربما كسرة خبز أيها الملك .
الملك : ها ! لدي الحل . أنا نفسي سآمره بالكف عن تسول الخبز .
الخادم : (مذعوراً) أيها الملك !
الملك : أرسل في طلب الشحاذ ليحضر أمامي هنا .
الخادم : أيها الملك !
الملك : ها ! لابد أن المواطن يكون سعيداً عندما يؤمر من قبل الملك عن
التوقف عن فعل عمل ما. ها ، ها ، ها ! .
الخادم : أيها الملك لايمكن استدعاء شحاذ إلى غرفتك الملكية .
الملك : (مسرور بفكرته) نعم . اذهب واخبر زميلك بأن الملك يرغب بحضوره .
الخادم : أيها الملك . من المؤكد أن هذا العمل غير لائق بك . ومن غير
اللائق أن تلوث عينيك الملكية بالنظر إلى مثل هذا المخلوق القذر . ومن غير
اللائق أن تلوث شفتيك بالكلام مع شحاذ يجوب الأرض صارخاً في الشوارع طلباً
للخبز .
الملك : لقد تلوثت أذناي كثيراً . فاذهب ونفذ ما أمرتك به .
الخادم : أيها الملك العظيم والشهير . بالتأكيد انه من غير المناسب ...
الملك : (غاضباً) قلت اذهب (يخرج الخادم خجلاً) حقيقة انه سيوقف صراخه
عندما أنا آمره، حقا سيكون خائفاً كثيراً عندما يعلم بأن الملك يرغب حضوره
. ها ، ها، ها !
الخادم : (يعود) هاهو الشحاذ أيها الملك .
) مخلوق بخرق قذرة يتبع الخادم ببطء في الغرفة الملكية )
الملك : ها ! أي منظر رائع ، بالتأكيد . هل أنت الشحاذ الذي يصرخ في
الشوارع طلباً للخبز ؟
الشحاذ: (بصوت خافت ، وبعد برهة) هل أنت الملك ؟
الملك : أنا الملك .
الخادم : (هامساً في اذن الشحاذ) ليس من الأدب أن يسأل شحاذ الملك . تكلم
فقط حين يطلب منك التكلم .
الملك : (إلى الخادم) تصرف أنت أيضاً بهذا الأدب . (إلى الشحاذ) أمرت
بمجيئك هنا لأمر هام ،أنت الشحاذ الذي يصرخ في الشوارع ليستجدي خبزاً ، إن
صوتك ليزعجني كثيراً . لذا كف عن ذلك .
الشحاذ: (بضعف) أنا .. أنا لاافهم .
الخادم : (هامس في اذن الشحاذ) يأمرك الملك بأن لاتستجدي بعد اليوم . إن
صوتك يلوث أذنيه . إن ضوضاء صوتك كقمامة في أذنيه .
الملك : (إلى الخادم) ها! إنها خطبة ممتازة . (إلى الشحاذ) أرى انك بحاجة
لغسل أذنيك أكثر من حاجتك لغسل جسمك . لقد قلت لاتستجدي أبداً بعد اليوم.
الشحاذ : أنا.. أنا.. لاافهم .
الملك: ياللسماوات ! انه اشد صمماً من حجارة الحائط .
الخادم : أيها الملك ، لايمكن آن يكون أصماً لقد فهمني بسهولة عندما كلمته
في الشارع .
الملك : (إلى الشحاذ) .. هل أنت أصم ؟ هل تسمع مااقوله لك الآن ؟
الشحاذ : عفواً ! يمكنني أن اسمع كل كلمة تماماً .
الملك : ياللوقاحة ! سيقطع لسانك لوقاحتك هذه .
الخادم : لا فائدة من قطع لسانه أيها الملك ، فسينمو له لسان آخر .
الملك : المهم أن يقطع لسانه بأية حال . (إلى الشحاذ) طلبت منك أن لاتستجدي
في الشوارع بعد اليوم . هل هذا صعب الفهم عليك ؟
الشحاذ: إن الكلمات التي تخرج من فمك اسمعها بشكل مثالي ، لكنها كضوضاء
رنين الأحمق في آذاني .
الملك : سأجلدك بالسياط إن لم تكف عن وقاحتك . أنا الملك وطلبت منك أن
لاتستجدي بعد اليوم ، فما عليك سوى الانحناء إلى الأرض ثلاث مرات .
الشحاذ: ذلك مستحيل .
الخادم : (هامساً في اذن الشحاذ) لا يغرنك صبر الملك عليك فان صبره حقاً
كبير، لكنه سرعان ماسيفقده فوراً .
الملك : تعال الآن ، والمس الأرض بجبهتك .
الخادم : (يدفعه) وبسرعة .
الشحاذ: لأي سبب يجب علي أن المس الأرض بجبهتي ؟
الملك : لكي تعدني بخضوعك لأمري .
الشحاذ: لكني لن أعدك بأي شيء أيها الملك .
الملك : ها ! إن ما تعدني به هو الأمر الذي أمرتك به ، أن لا تستجدي بعد
اليوم ، وان صوتك يؤذي أذني، وعليك أن تلمس الأرض بجبهتك وبعدها ستذهب من
هذا القصر حراً طليقاً أيها القمامة ، وإلا سأجعلك تأسف على الساعة التي
ولدتك فيها أمك .
الشحاذ: أنا دائماً ألعن الساعة التي ولدت فيها شحاذاً ولم أولد ملكاً .
الملك : إن لسانك نشيط ليس كجسمك العليل . الآن المس الأرض بجبهتك ثلاث
مرات وتعهد بعدم الاستجداء بعد الآن ، وبسرعة .
الخادم : (هامساً في اذن الشحاذ) انه من الحكمة أن تنفذ لان صبر الملك قد
نفد .
الملك : لا تخف من أن تلوث الأرضية بجبهتك ، فأنا سأغفر لك ذلك .
)الشحاذ يقف ساكنا بلا حراك )
الخادم : قلت ليس من الحكمة إبقاء الملك منتظراً .
) الشحاذ لايتحرك )
الملك : حسناً ؟ (بعد مهلة) حسناً ؟ (في غضب) حسناً ؟
الشحاذ : أيها الملك . أنت أمرتني أن لا استجدي في الشوارع طلباً للخبز لأن
صوتي يزعجك .والآن أنا بالمقابل آمرك بنفس الطريقة برفع التاج عن رأسك
ورميه من النافذة إلى الشارع وعندما ستنفذ أمري سأنفذ أمرك .
الملك : أنت تأمرني ! شحاذ من الشوارع يأمرني أنا الملك أن أرفع تاجي من
رأسي وأرميه من النافذة إلى الشارع !
الشحاذ : ذلك ماقلت .
الملك : ألا تعرف انه بإمكاني ذبحك على كلماتك هذه ؟
الشحاذ : لا ، لايمكنك ذبحي ، إن رماح جنودك كالقش تتكسر على جسمي .
الملك : ها! سنرى . سنرى .
الخادم : إن ما قاله صحيح أيها الملك .
الشحاذ : طلبت منك أن ترمي هذا التاج عن رأسك ، فإذا كان بإمكانك ذلك ، فان
صوتي سيتوقف عن إزعاجك . وان لم يكن بإمكانك ويصعب عليك ذلك ، فان لياليك
وأيامك سيملأها الرعب كسفينة مليئة بالجرذان .
الملك : هذه الوقاحة هي خيانة .
الشحاذ : يصعب عليك أن ترمي التاج من النافذة ؟
الملك : هذه خيانة عظمى .
الشحاذ : أسألك ، أيصعب عليك أن ترمي تاجك من النافذة ؟
الخادم : (يهمس في اذن الملك) ربما من الحكمة أن تجاريه أيها الملك . فبعد
أن ترمي تاجك من النافذة اذهب أنا واجلبه إليك ثانية .
الشحاذ : حسناً ؟ حسناً ؟ (يشير إلى النافذة) حسناً ؟
الملك : لا ! لن ارمي تاجي من النافذة .. لا ، ولا من أي نافذة أخرى . هل
أطيع أوامر شحاذ ؟ لاأبداً !
الشحاذ : (يستعد للمغادرة) حقاً ، هكذا يتكلم الملوك . إنهم يفضلون أن
يفقدوا رؤوسهم ، على أن يفقدوا تلك الدائرة الذهبية السخيفة التي تجلس عليه
، ياللحماقة . ( يمشي بشكل هادئ نحو الباب )
الملك : (إلى الخادم) أوقفه ! اقبض عليه . يعتقد أن بإمكانه أن يفلت
بوقاحته تلك .
الشحاذ : (بشكل هادئ) إن خادمك لايستطيع توقيفي . ولا عشرة آلاف من خدمك أن
يفعلوا ذلك . أنا أقوى من جبل . أنا أقوى من بحر !
الملك : ها ! سننظر ، سننظر . (إلى الخادم) احتجزه ، أدعو الحراس ، قيدوه
بالسلاسل .
الشحاذ : قوتي أعظم من جبل وكلماتي مخيفة أكثر من إعصار . خادمك هذا
لايستطيع حتى أن يلمسني ، وبنفس واحد من فمي يمكنني أن أزيل هذا القصر
برمته .
الملك : (إلى الخادم) هل تسمع وقاحته ؟ لماذا لاتقبض عليه ؟ ما أمرك ؟
لماذا لاتدعو الحراس ؟
الشحاذ : أنا لن أؤذيك حالياً . لكني سأصرخ في الشوارع طالباً الخبز لأملأ
بطني ، لكن في يوم ما سوف لن أرحمك . في ذلك اليوم سيكون النفس الخارج من
فمي أسرع من الريح ،وأسلحتي ستكون قوية كالفولاذ، وسأمحي هذا القصر، وكل
عظمة في جسمك سأسحقها بين أصابعي ، وسأضرب على طبل كبير ورأسك سيكون هو
الطبل . لن افعل هذه الأشياء الآن. لكن سيأتي اليوم الذي سأقوم بذلك . لهذا
عندما يصل صوتي إلى أذنيك وأنا استجدي الخبز تذكر كلامي هذا . امتلئ رعباً
أيها الملك !
) يخرج الشحاذ . يصاب الخادم بالذهول . ويسقط الملك على كرسيه منذهلاً )
الملك : (يجمع تفكيره فجأة) اتبعه ، لاتدعه يهرب ، اتبعه !
الخادم : (يتعثر) لاأستطيع الحركة أيها الملك .
الملك : تحرك بسرعة ، وادعوا الحراس . يجب القبض عليه وتقييده بالسلاسل ،
بسرعة ادعوا الحراس !
الخادم : لايمكنني التحرك .. أيها الملك .
الملك : كيف ! هل أنت أخرس ؟ آه !
( صوت الشحاذ يسمع خارج القصر )
الشحاذ : الخبز . الخبز . الخبز . أعطني كسرة خبز .
الملك : آه . (يقترب بخوف من النافذة ، وبلا وعيه يرفع تاجه من على رأسه
ويبدو وكأنه يريد رميه من النافذة ، ولكنه فجأة يغير رأيه ويضع تاجه على
رأسه وبحزم) هكذا ! أكون خائفاً من شحاذ !
الشحاذ : (يستمر صوته في الخارج) خبز . خبز . خبز . أعطني كسرة خبز .
الملك : (بغضب كبير) أغلقوا كل النوافذ !
)يقف الخادم بشكل غبي ، وصوت الشحاذ يزداد ارتفاعاً ، وتسدل الستارة)
الستارة
الموت وحيدا
للشاعر التشيلي : بابلو نيرودا
ترجمها عن الانكليزية : عبد علي سلمان
هناك في المدافن
الموحشة
قبور ملأى بعظام من دون صوت
والقلب يمر عبر نفق
مظلم ,مظلم , مظلم
كأننا نموت في سفينة قد تحطمت
أو نغرق في القلب
كأننا نسقط خارجين من الجلد
الى الروح
هناك ثمة جثث
هناك أقدام البرد
والموت داخل العظـــــــــــام
مثل صوت صاف مثل نباح بلا كلاب
ينبثق من عدة اجراس
من قبور عديدة
ويتضخم في الرطوبة مثل الدموع أوالمطر
وطول الوقت وحيدا ابصر
الاكفان والاشرعة
بعيدا تحمل موتى شاحبين ونساء بضفائر ميتة
وخبازين مثل ملائكة
والصبيات الكئيبات اللواتي تزوجن الكتاب العدول
تصعد التوابيت للموت مع النهر العمودي
النهر الارجواني
وفي اعلى الجدول مع الاشرعة التي امتلأت بصوت الموت
صوت الموت الصامت
وصل الموت الى الشاطئ المدوم
مثل حذاء بلا قدم , مثل بدلة من دون رجل
وصل الموت ليدق دقات من دون حجر
ومن دون اصابع
وصل الموت ليصرخ من دون فم وبلا لسان
ولا حنجرة
صدى صوت خطواته لايزال
صدى اغطيته يتردد مثل صمت الشجر
انا لا اعرف , لاافهم الا قليلا وبالكاد ارى
لكني أدري ان لاغنيته لون ندى البنفسج
البنفسج الذي اعتاد على التراب
ولأن وجه الموت اخضر
مع تلك الرطوبة التي تسري في ورق البنفسج
ولونه الكئيب لشتاء هائج
لكن الموت يجوب العالم مثل
مكنسة
طا ويا الارضيات , باحثا عن الموتى
الموت هو المكنسة
هل يبحث الموت عن الميت
وهل تبحث ابرة الموت عن الخيط
الموت في الاسرة المطوية
في الحشيات المتأنية ,في البطانيات السود
يحيا مستلقيا على ظهره
وبعدها يعصف فجأة
يعصف بصوت غائم فتتطاير الشراشف
وتمضي أسرة النوم مبحرة صوب الميناء
حيث ينتظرها هناك الموت
مرتديا بزة قائد اسطول .
قصتان قصيرتان
أحلى ((ابو )) في الكون
طه الزرباطي
تعود أن يسألني بعينية الصغيرتين منتظرا جوابا
منطوقاــ وليس مجرد أيماءات وحركات رأس ـ محدقا في شفتي بنظرة ملؤها الود،
تبرق عيناه بمنبت دمعة ،لا افهمها ،تبدو ماكرة ،وعميقة، وحادة ،قلت له
هاربا من دقة سؤاله مثلا ما الذي يجعلك قريبا مني ؟أجاب كأن الجواب كان
جاهزا :
ـ ليس لأنك أبي ،بل لأني احبك لأنك تشبهني . قلت : من يشبه من؟ ابتسم
متلعثما أنت تشبهني على الرغم من أنني اصغر منك ،أنا أشبهك في أشياء كثيرة
،لكنك تشبهني ببعض ــ مؤشرا بطرفي أنملتي يده الصغيرة حاصرا الحجم المقصود
ــ متزامنا بحركة غمازتي عينيه .
أردت أن أقول له وبلغة حادة تجرى عادة بين ندين ـ ماذا تريد جنابك؟ لكنه
أسعفني بنظرة من نظراته المميزة فامتص غضبي ،بعدها شعرت بنشوة انتصاره في
هذه المعركة الصغيرة التي أودت بكل دفاعاتي ،بل صرت عبدا لآلته الحربية
الفطنة ،وسرعة تحركها،فلا غرابة ان يقول بعد صمت طويل وهو يضغط أزار ((الكي
بورد)) دافعا دبابته بين دبابات العدو ـ منتقما منهم أيما انتقام ـ على
شاشة الحاسبة: بابا ..بالضبط كان حديثنا ـ بالأمس ـ معركة بالدبابات لكن
أسرع كثيرا ،يجب حسم المعركة بسرعة ،هكذا يقول البطل الكارتوني ((وقفليد)).
أجبت بسرعة ومن دون تفكير:ـ لكنني لم أكن عدوك يوما أنا أبوك ،ما الذي
يجعلك أن تشبه حديثنا بمعركة ودبابات ،وعدو،واكوان بعيدة؟
قال حاسما محركا يده اليمنى المبسوطة كسيف :- لا....لا..لا المعركة لا تعني
الحرب ،انك يا أبي تحاول أن تبدو أكثر ذكاء من الآخرين ،انك تصارع الآخرين
يوميا ، تنتصر ،وتخسر لكنك كغيرك لا تعترف بنصرهم ،أردت أن أخبرك انك لا
تنتصر في كل المعارك .
وهل كان النصر من نصيب جنابك المبجل ،وهل علينا أنا وابني ذو الثمانية
أعوام أن نعقد هدنة لنلملم أشلاء قتلانا ؟وهل علي أن أوقع على معاهدة
استسلام ؟
قال :- ولم لا ؟ الرجال الطيبون مستسلمون لأطفالهم الحلوين ،يخسرون كل
المعارك ،وينتصرون في الحرب ضد الأستسلام للحياة .
ـ: وهل هذه جولة جديدة من الحرب ،عذرا اعني المعركة ؟ وستنتهي لصالحك حتما
وفقا لنظريتك العتيدة ؟ وما هو المطلوب مني ؟ أن أقدم أليك من فروض الطاعة
، واخرج ملابسي الداخلية البيضاء على رأس القلم مستسلما رافعا راياتي ؟
قال :- يكفي ان تبتسم ورأسك مرفوع لتبدو عظيما ، وعملاقا ،وجميلا أكثر من
جمالك الساحر يا أبي .
من أين تأتي بهذا الكلام ..؟
قال متهكما وبنظرة ضيق لها عينيه :- الكلام يأتيني من نور بعيد ،لكنك بعيد
عني أحيانا، متداركا مع انني (( أنام أبحضنك )) بعض الأحيان ، انظر انك أنت
من يخلق أسباب المعركة وها قد بدأت .أنا ابن رجل رائع ،ذكي،لكنه بذيء ،
مشغول دائما،يلعن القدر ويسب من لا يحق له سبه وينسى انه يسب رجلا رائعا
انه أحلى ((أبو)) في الكون.
سألته:ـ ما معنى الكون ؟ قال:- يعني النجوم البعيد التي يصلها عقلي ليليا
عندما اسبح بعيدا .
وهل الكون ماء ؟ حتى تسبح فيه .
قال مستنكرا غبائي المفرط با بتسامة عريضة ظلت تلازم شفتيه اكثر من الوقت
المطلوب ، كأنه نسي امرها لبرهة:- أطير ، أسبح ،اركض ،وأنا في فراشي ،اذهب
بعيدا، بعيدا ،في أضواء تتلألأ بشكل غير نهائي ،التقيت بكل الحيوانات ،وكل
،الكائنات ،والسفن الفضائية ،وكائنات المجرات البعيدة ، لكني لم أجد ألا
أبا واحدا هو ((أحلى أبو في الكون )) هل استوعبت ؟ أم اشرح من جديد ؟
المعلمة التي قاسمتني شطيرتي طيلة الأسبوع كتبت أملاء ممتعضا خطأ، وعندما
اخبرتها بالصواب زعلت ، ولم تعد تشاركني شطيرتي ،والموز!
صورة وارتداد
بثينة الحسن
حين انظر في المرآة أتذكر تلك الفتاة التي تزوجت قبل ثمانية عشر عاماً..
فمنذ سنين عدة لاحظ زوجي شحوب وجهي فسألني عن سبب ذلك.. قلت انه التعب
والاطفال و..ومنذ ذلك الوقت لم يعلق على مظهري بشيء:
قررت في الاسبوع الماضي ان أعيد ترتيب أثاث بيتي، حيث مللت مظهرها الثابت
لمدة طويلة، وفي احد المجرات وقع نظري على إحدى الصور التي التقطت قبل
سنوات.
أخذت امعن النظر فيها غارقة بذكريات قديمة وفي أول سنة على زواجنا.. حينما
كان "عادل" يلاحظ أقل تغيير في مظهري.. اجهشت بالبكاء نظراً لما أنا فيه من
واقع.. حيث ارتدي الدشداشة الفضفاضة.. وألف شعري الى الوراء..
- أين أنا من ذلك السحر الغامض الذي كنت اتمتع به، ولماذا فقدته؟ كنت اعتني
بمظهري وألبس أجمل ما عندي للترحيب به.. وعند عودته الى البيت كنت أستشعر
مكافأتي في لمعان عينيه وفي كلماته المنمقة..
رزقنا طفلنا البكر "أحمد" وبعده "نور" ثم "بسمة".
أخذ عادل ينظر الى أولاده وأثاثه وسيارته ويهتم بهم أكثر مما يهتم بي..
وأنا اقلب الصورة. صممت أن ارى ذلك اللمعان في عينيه من جديد وان اسمع تلك
الكلمات الحلوة من جديد وقبل فوات الاوان وضعت خطة مستقبلية لذلك.
لحسن حظي ان مساء يوم الخميس سيقام حفل زفاف لأحد اقاربنا، ذهبت الى السوق
واخترت فستاناً جميلاً باهظ الثمن مما أرهق ميزانيتنا.
ذهبت بعد ظهر الخميس الى صالون الحلاقة القريب من بيتي حيث طبقت عاملة
الصالون فنونها ومهاراتها على شعري ووجهي وأنا أقول في نفسي:
- يازوجي العزيز سأجعلك تلاحقني هذا المساء..
وعند عودة عادل الى البيت أسرع في أخذ الحمام وتغيير ملابسه، أما أنا فقد
تعمدت ان لا يراني وكأني عروس بثوب الزفاف انظر الى مرآتي وأستجدي رأيها في
منظري.
خرجت من غرفتي امشي بغنج ورشاقة.. ناديته انني جاهزة نظر إلي وقال لي:
- أين وضعت مفاتيح السيارة.. لقد نسيت؟
توقعت دهشته وإعجابه، قلت له:
- ألم تلاحظ شيئاً؟
تطلع فيّ وقال:
- نعم، فستانك ضيق بعض الشيء.
أشعل سيجارته وواصل تفتيشه عن مفاتيح سيارته! كانت لي الرغبة في ان اقول له
كل هذا من اجلك وليس من اجل الحفل ولكن منعتني عزة نفسي.. أما الحفلة فكانت
ميداني الحقيقي.. وتحقيق النصر غايتي.
القاعة تغص بالمدعوين. النساء يصفقن ويرقصن ويأكلن وعيونهن تتربص بما يلبسه
المدعوون.. أما انا فلديّ هدفي الذي تعرفونه.. فتشت عن عادل لأرى إن كان
مهتماً بي.. ولكني رأيته في أحد الاركان وقد انهمك في الحديث عن الاوضاع في
البلد والسياسة والعمل كعادته.
وعند نهاية المساء ألفيت نفسي غارقة في اليأس، لم يلق زوجي بالاً لأي تغيير
طرأ على شكلي.. تسريجة شعري ومكياجي وفستاني وتألقي في الحفلة وإعجاب
المعارف في هذا التغيير.
وفي اليوم الثاني وأنا أعد طعام الغداء سمعت ابني يقول وبصوت مرتفع:
- انظر يا أبي من في هذه الصورة؟
قالها متعجباً وكأنه يرى صورة من قبل الميلاد! إنها أمي وكتب عليها 1979!
أجابه عادل:
- نعم، لقد التقطت هذه الصورة في السنة الاولى لزواجنا.
وأعاد تكرار السؤال، هل هذه أمي حقاً؟
هكذا سأل ابني بصوت مرتفع يدل على عدم التصديق.
كانت امي رائعة الجمال حقاً.
أجابه عادل وبكل هدوء.. بالطبع هي جميلة ألم تلاحظ ذلك؟
لاحظت قوله "هي جميلة" لا "كانت جميلة"، أو مازالت جميلة لم تفرحني وترضيني
بالقدر الذي أرضتني تلك النغمة في صوته.. النغمة التي اوحت بأن الامر الذي
لا يحتاج الى دليل، وكأنه يقول ان الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب.
وماذا يغير إذا لم يعبر عن إعجابه.. مادام يحمل في قرارة نفسه الصورة
الحقيقية لي.
نصان
مهدي الماجد
-1ظهيرة للدم.. والصهيل
في ظهيرة منفلتة
صاخبة الصهيل
كأنها خيل مستفزة
جلست الى الماء
تلك التي شاغلتني
حلت غدائرها
وقالت:
الى الماء يسعى..
فكيف بي وقد بلغ اللظى رباه؟
ومن يعنيهم الامر
يبرزون من مخادع تأوهاتهم
تتراقص بقايا النوم على جفونهم
البهجة تتثاءب على ورد وجناتهم
كلهم يؤدون على الملأ فروضهم
وتزعق مكبرات الصوت تعدد مآثرهم
حين يفارقون صوم الكلام
تتبعثر من أفواههم الكلمات
طرائق شتى
فتخال الامر كما شاءوا
والدروب تزدان بالسندس الزاهي
تغرد في منعطفاتها
عنادل بيض
فاذا انقلبوا الى كهوفهم
نضوا عنهم لباس النساك
لحسوا بالسنة دبقة
مااندلق من الكلام
وتزاحم على ابوابهم
شحاذون
ارامل مقموعات
وقطرات دم بريء
تسفح في عتمة زائفة
في تلك الظهيرة الجامحة
كحصان ادركته الفحولة تواً
نقعد الى الماء
أنا وتلك التي شاغلتني
نعقد قراننا على القيظ
ومن يعنيهم الامر
يدسون من يسرق لهم غدائرها
ليتقوا بها من برد ديارهم
مكبرات الصوت تزعق.. مازالت
معددة مآثر اختزلوها
وعلى الباب
أرامل مقموعات
ينتظرن عطفهم الروحي
شحاذون يحلمون بولائم اللئام
وقطرات دم بريء
مازالت تسفح
في زوايا العتمة
-2خواطر لأيام الحصاد المر
لأن النسيان نعمة
سألهم ذكرياتي التراب
وأدعها تذوي.. تموت حتف الانف
سأبعثرها مثل قطع الدومينو الصماء
على رقعة صحارى الارض
تائهة....
ليس من نسغ يغذيها
لن أدع شيئا يقلق جدار الرأس
أو يطرق في ليل مبهم
حاجز النعاس
والذاكرة التي هي غابة مشتعلة
سأقطع موردها
فلا يكون ما كان
ولا الزمان الذي دار هو الزمان
ما الذي خلف الاجداد فينا؟
وما صار حتى اشتبكت عليك يا جيلي
يدا الخطوب؟
وما اقترفت عليك النوائب من ذنوب
وانت تسير من صدمة
الى هوة سحيقة
لا ترتجي من عالم موبوء
رنوة صديقة
لربما التبست عليك معالم الحقيقة
فالمبتدا كان الشقاء
ومنتهى الامر حريقة
لهاثك المسعور
يطفئ جمرها
فترجع أخرى
موقدة نفسها
حرباً شفيقة
وخواطر الايام تترى
تنزع ثوبها
عارية.. أليفة
لم تعطك الايام ـ ياجيلي ـ من الالوان
الا كالرماد
لا الماء تسكبه بجوفك
يطفيء الظمأ المضاف
ولا الحقول...
غذتك يانع قوتها
أو سرت في درب فكان لك الصديق
ويلاه...
يالك من عتيق
تمسي وتصبح
تمضغ الخيبات علكاً
والحروب لك الشهيق
فما هو فعل هذي الذكريات
وليس لك في مثل حظك..
من شقيق
آراء
الجلاد.. ورقة الشعر
تلك الادوار الصعبة.. تلك العذابات المرة
شكيب كاظم
قال الجنيد:
دخلت على المغربي وهو قاعد يكتب، فقلت له:
-الى متى هذه الكتبة؟ متى العمل؟
فقال: يا أبا القاسم أوَليس هذا عملاً؟
فبقيت دَهشاً لا أدري ما أقول.
قولة المغربي المتصوف الزاهد في الحياة الدنيا، ستجد صداها بعد أكثر من ألف
من السنين لدى الشاعر السوفياتي (جوزيف برودسكي) الذي اعتقلته السلطات عام
1965، بتهمة (التطفل) أي التعطل عن العمل اليدوي، وكان كل الناس يجب ان
يؤدوا أعمالاً يدوية، لتقديم الخيرات المادية للشعب المسكين! إذن أين سيذهب
مبدعو العقل والمواهب والمفكرون والشعراء؟ يبدو ان لا مكان لهم في دولة
العمال والفلاحين العتيدة !!
ويوم قدم جوزيف برودسكي الى المحكمة، سأل ممثل الدولة فيها: - لماذا لا
تعمل بشرف؟ فجاءه الجواب الصاعقة:
- انني اعمل، انني أكتب الشعر!!
لكن من أين لهذا الحاكم المدجج بالاديولوجية، المعبأ بالاقصاء، ان يفهم
معنى الشعر وجدواه في الحياة؟ وان الشعر نشاط انساني مفعم بالوجد والبحث عن
أسرار الذات والوجود، ومحاولة اكتناه هذه الاسرار.
هذا الشاعر الذي حورب من قبل النظام الشمولي السوفياتي، سيحصل على جائزة
نوبل للاداب عام 1987، ويطرد من بلده، وليموت عام 1996، ويدفن في مقبرة
المنفيين، في جزيرة القديس ميكائيل في مدينة البندقية الى جوار عدد من كبار
المبدعين، لعل من أشهرهم الشاعر المثير للجدل إزراباوند، الذي اذيق
الامرين، بعد سقوط الفاشية في إيطاليا، بحجة تعاطفه مع آراء الدكتاتور
الايطالي بنيتو موسوليني!!
هذا التصادي، أو هذا الذي سماه النقاد العرب القدامى: وقوع الحافر على
الحافر، أي تطلق مقولة ما، فتجد صداها بعد عدد من السنين أو قرون، تجد
صداها في مجتمع آخر، ولدى شعب آخر، كيف يحصل هذا؟ مما يؤكد مقولة الجاحظ:
من أن المعاني مطروحة في الطريق وان لا اختلاف بين عقليات الشعوب، حتى التي
تسمى ـ متأخرة ـ ولقد قرأت مؤخراً رأياً طريفاً لعالم الانثروبولوجيا
المصري المعروف الاستاذ الدكتور أحمد أبو زيد، الذي كان له شرف الاسهام في
إصدار المجلة المعرفية الرصينة (عالم الفكر) الى جانب الراحل الكبير
الاستاذ أحمد مشاري العدواني مفاده.."اهتمامي بتلك المجتمعات كشف لي اشياء
غريبة جداً، أولاً وحدة الجنس البشري، بمعنى انه ليس هناك فارق، فالافكار
الموجودة عند الانسان المتقدم، لها مثيل لدى الانسان الذي يقولون عنه
بدائي، لديه قيم إنسانية عليا.."
ويوم شغل العالم بمقولة الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596ـ 1650) (أنا أفكر،
إذن انا موجود) والذي شغل بالشك المنهجي الذي يوصل الى اليقين، لأن القناعة
والقبول بما لديك توصلك الى بلادة الفكر وعجزه، هذه المقولة كانت صدى
لمقولة أبي حامد الغزالي (505هـ 1059ـ1111) في الشك.
وإذ أطلق المؤرخ البريطاني الشهير ارنولدتويبني، نظريته في نشوء الدول
والحضارات والامم،وان كل حضارة تمر بمراحل متعددة، لا تشبه مراحل عمر
الكائن البشري، بل هي مراحل خاصة بتطور تلك الجماعات وهذه المراحل هي مرحلة
نشوء وتكوين حضارة الجماعة، ثم مرحلة النمو، ثم مرحلة السقوط، ثم التحلل أو
التفكك، فان أفكار تويبني هذه إنما كانت صدى لما دونه عالم التاريخ ومبدع
علم الاجتماع العربي، الذي كان يطلق عليه اسم (علم العمران) عبد الرحمن بن
خلدون (732ـ 808هـ) في كتابه (المقدمة).
لم يقف هذا التصادي عند النظريات والمقولات، وإنما وصل الى عنوانات الكتب،
ترى هل كان يعلم فرانز فانون، ذلك الزنجي المولود في جزيرة المارتينيك وهي
جزيرة صغيرة في جزر الانتيل الفرنسية والذي درس الطب في جامعة ليون
الفرنسية، وعين طبيباً للامراض العقلية في مستشفى (بليدة) الجزائرية، والذي
أوقف جهده للدفاع عن الثورة الجزائرية (1954ـ 1962) ضد الاستعمار الفرنسي،
وكتب عنها، أي عن ثورة الجزائر كتاباً فكرياً ممتعاً ورصيناً أسماه
(سوسيولوجية ثورة) ترجمة ذوقان قرقوط ونشرته دار الطليعة ـ بيروت عام
1970،واصيب بالمرض والوبيل، السرطان ولفظ انفاسه الاخيرة في احد المشافي
السوفيتية عام 1961، ولما يكحل عينيه بانتصار الثورة التي أخذت منه كل
اهتماماته؟ أقول هل كان يعلم فانون يوم كتب كتابه (معذبو الارض) وفي بعض
الترجمات، الطبعات (المعذبون في الارض) ان للاديب المصري الدكتور طه حسين
كتاباً بهذا العنوان؟!!
وإذ ذكر الطبيب المفكر فرانز فانون الزنجي المارتينيكي، فلا أرى مندوحة من
المرور على الكاتب المارتينيكي والشاعر (إيمي سيزر) المولود عام 1913 والذي
رحل في شهر نيسان من عام 2008 وكان قد التقى بالشاعر السنغالي ليوبولد
سنغور، الذي أصبح أول رئيس لدولة السنغال بعد استقلالها عن فرنسا عام 1960،
وكان أول رئيس افريقي يغادر السلطة بمحض إرادته، وكان لهما فضل إجتراح
مصطلح أدب الزنوجة أو الادب الزنجي والذي يهدف الى إعلاء شأن الزنوج ووأد
الصور التي استقرت في أذهان العديد من الناس، عن الزنجي الكسول المتواني
غير القادر على قيادة نفسه!! وفي الادب الامريكي جانب مهم ووثائقي عن أدب
الزنوج والزنوجة، ابدعه قامات باهرة في ذلك الادب من الزنوج، وتناولوا فيه
حياة السود هناك والعسف الذي مورس ضدهم في موجات الهجرة المبكرة نحو تلك
القارة البكر، وما تلاها حتى مراحل التأسيس، مثل: آرسكين كالدويل،
وريتشاردايت وجون شتاينبك وهواردفا ست وهارييت بيتشرستاو...
الضرورة الشعرية
أين يكمن جوهر القصد؟
محمد يونس
من اهم جوانب تمثيل الشعر ابداعا وعكس قيمته الفنية والتاريخية هي الضرورة
التي يمثلها الكيان الشعري ,وهناك عدة اراء غير اساسية تتلمس تفسيرا غير
مباشر لذلك المقصد كونه غير محدد ولامتفق عليه علميا, ولنأخذ رأيا لجاك
لاكان يعتقد فيه هناك تبدي تكون فيه الضرورة خارجية وتقريبا هي نتاج
القارىء لكنها ليست وظيفة ,ويعاكسه جاكوبسن حيث يرى ذلك محض عامل جوهري
جاعلا من الاستاتيك مثالا اساسيا في تبدي الضرورة الشعرية وبتراكب التاريخي
والفني والاخلي والخارجي , ولابد من خلال المقصد الجوهري لتلكما الرأيين
نكون منقادين بسبب تاريخي للتواصل مع الشعر والاتصال الجانبي , ولنبدأ من
العيوب في تسويغ المعنى الجمالي في الضرورة لهدف اجتماعي او ايدلوجي وهذا
سائد في الحاضنة الشعبية للثقافة العريبة على الاخص في المسابقات الشعرية
وما يماثلها , رغم أنها من وجه معين ترسخ معنى الضرورة الشعرية ولكن من دون
مسعى تفسيري أو تأويلي للظاهرة الشعرية , ونرى تلك التعبيرات رغم انلاقها
لافق جماهيري هي تحييد شبه فطري للضرورة الشعرية ,وهي تأتي استجابة للقيمة
الاجتماعية لاحد الانماط الشعرية , وهنا تكمن الصفة الجماهرية للشعر
العمودي والتي تتبدل بها اليا صفة التراث الى ضرورة دون اي انتباه في
الجانبين الاجتماعي والفني .
أن الفنون والاداب قائمة الى حد ما على ما هو خيالي وليس واقعيا , وهذا ما
يجعلها امام وحدات تأويل تكون احيانا مجنبة تضييق الحدود كما في التفسير,
اي يدرج مقصدها في الاستفهام عن ما وراء واقع النص الادبي وتكمن الضرورة
هنا في جوهر المقصد وكما تكون هي الفاصل بين تاريخ النص وراهنيته التأويلية
, وهنا كما اعتقد تتراجع فكرة موت الاجناس الادبية وتفقد منطقها ,كون
الضرورة تمنح في الاجناس صفة الخاصية والاستقلالية ورسوخ الاطر الاساسية
,وتلك الميزة ليست قابلة للتزعزع والتبدل .
ادرك أن هذا الموضوع صعب في جوانب تفسير علاقته بالشعر وبالتالي بالاجناس
الادبية الاخرى والفنية كذلك ,ولكن لابد أن نسأل عن الاطار التاريخي للادب
وعوامل رسوخ الاداب في المدرك الاجتماعي , ومؤكد من وجود اسباب لها دورها
الفاعل في العملية , والضرورة هنا تمثل الاطار التاريخي الماسك للشعر ,
وهذا من الجهة التاريخية عبر قيميتها , وهناك دور اهم للضرورورة في عدم
جمود الاداب والفنون وحركيتها على الدوام , ومن اهم ما اوجدته الضرورة في
الشعر هو تحريك الابداع في مجالات ممكن استغلالها دون ان ينفصل الشعر عن
تاريخه ,كما ان القيمة الجمالية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالضرورة الشعرية ,
وما قدمه النموذج الشعري في تبدلاته من تجديد فني لامس الحياة الجديدة عبر
الاصرة المؤهلة لذلك وهي الضرورة , وهناك عوامل اخرة فاللغة هي جامدة
اجتماعيا وتامة المعنى , ولكن في الشعر تتعدى ذلك الى المجاز عبر تمكين
الضرورة لها .
ليس لي توجيه الامر الى اطار فلسفي يفقد التفسير الوضوح ,ولكن ارى هناك
جوانب اخرى ربما ترتبط بالضرورة من جانب او اخر , بيد ارجو البحث في هذا
المجال تفصيلا لاهميته في عدة مستويات .
أن مقومات الشعر تتحرك عبر الضرورة الشعرية بهدف غير قصدي , ولكنه يحمل نتا
ئج ايجابية الى حد ما , وهي راسخة بشكل فردي على الغالب , ومثال لمقصدنا
مثل التحولات اللغوية تفرض على الشعراء ضرورتها في الخصوصية والاختلاف
والفردانية بتداول اللغة شعرا , ويكون دور الضرورة من جهة اخرى أن تبقى
اللغة تامة ولاتنفرط , وكما يشير بارت حيال ما تكون عليه اللغة تامة بمجمل
تاريخها وغير ذلك فينا كأفراد .
من الطبيعي ان يبقى هوميروس حتى اليوم هو ولايتغير شكسبير ولاحتى تنبت
الارض اليباب ولا الفردوس جعل ميلتون يرى ما حوله,ولامنع عن المتنبي القتل
في تراثنا الشعري , ولا جعل وادي عبقر محجة , والمعري تغير الى الجاحظ ,
وذلك ليس اسهاما تاريخيا عبر التدوين فقط , بل أن الضرورة هي الماسك الحيوي
الذي خلد من خلاله باعتبارات متعددة امكنت ذلك الخلود الصافي .
نقد
رسم مملكة القمع في رواية(طوفان صدفي)
علوان السلمان
ان العمل الابداعي الفني ـ أي عمل ـ لايقتصر على تحقيق وظيفة جمالية بل
يغدو تصويرا لواقع وحافزا لاساسات واقع جديد مشار اليه بمداليل اللحظات
التاريخية ..
والسردية التجريبية بحاجة الى ذهنية اكثر حضورا واستلهاما للوقائع .. مع
قدرة الروائي على استبطان الوقائع والخروج بها من دائرة الحدث الى شمولية
الواقع مع قدرة على استلهام الاحداث ..
والتجربة السردية عند( سعد عوض الزيدي) عبر روايته (طوفان صدفي) الصادرة عن
دار الشؤون الثقافية / 2008 والتي ضمت بين دفتيها التي ابدعتها انامل
الفنانة ( اميرة البياتي) ثلاثة طوفانات اخترقت حدود المدينة والقرى
المتاخمة .. وارهاصات الواقع واخيرا كان الطوفان الصدفي الرابع وتمثال
الرمز الذي اتخذت منه المجموعة عنوانا لها والذي يرتبط رمزيا بالاحداث
العاصفة التي قلبت حياة الناس والمدن والقرى من خلال تقديم تفسير تاريخي
لحقبة من الحقب او شريحة اجتماعية او مقطع زمكاني من حياة فئة اجتماعية ..
ففي هذه الرواية تتقاطع خطوط التجربة السردية لتمازج بين التجربة الواقعية
التاريخية والرمزية التي تتخذ منها سبيلا الى الاشارة والتدليل على قصدها
واتخاذها اداة فكرية للتعبير عن قيم غامضة لعلاقات كان يراها الروائي
بمنظار متفرد .. كونه يرى ان السرد هو عطاء حسي من احاسيسه التي تكشف عن
شخصية مأزومة لفرط حساسيتها مما يدعو الى البحث الذي ينتهي ( ويغلق اثرا
وسرا الى الابد..) ( انغمر الميدان القديم بالماء .. تدفقت المياه من كل
اتجاه .. من كل صوب .. من كل الشطوط .. وانمحى الميدان القديم وغرقت معالم
المدينة التي احتار في دخولها الجلائريون والقادة من الصفويين وقادة
الخروفين .. قبل اولئك او بعدهم لايعلم ابناء المدينة من الجيل الحالي بزمن
الغمر فقد توالت قوافل الدخول والخروج ولكن جميع اولئك اسقطوا من رؤوس
فرسانهم فكرة الانتصار الاكيد في هذه المدينة وميدانها المحاط بالتلال ..)
ص15 فالروائي عبر طوفاناته يتحول في كل واحد منها الى مجموعة من التداعيات
التي يوظفها بقصدية فتعطي بعض التفسيرات المتسلطة على ذهنه .. فطوفانه
الاول فيه ( ابراهيم الانقطاعي) الذي يعرف كل شيء وهو يتابع مونولوجا
داخليا يفصح عن مكنونات ذاته ..فيفرش روحه بامتدادات اول طوفان حتى
الصدفي.. بشهادة الراوي الذي يسرد مواقفه بلغة متفجرة محققة للوعي .. قريبة
من العدسة السيمية ..
ـ لا باشا ولا بطيخ ـ لا قانوني الا واحدا ومات منذ آلاف السنين ذلك الذي
وضع مسلة
وسط المدينة .. انه سيدنا نفخر به .. / ص12 وهنا يحاول الكاتب التركيز على
بعد تراثي ( مسلة حمورابي) في محاولة لتوظيف التراث من اجل تفسير الواقع
واعادة تشكيله .. والتراث هنا ذو حدين : الاول تفسيري والثاني تجريدي مغرق
في السكون .. وبذا يكشف الكاتب عن واقع نفسي متأزم والذي تتعذب وسطه
الشخصية الروائية ..واقع متصدع يحتاج الى افق التغيير من خلال النص نفسه لا
من خلال اللغة المباشرة ومن تدفق الوعي لدى بطله ..
( اذن ستغمر المياه وادينا .. هكذا ظل يصيح ابراهيم الانقطاعي ..
الشريرارتقى المرتفع الاوسط وصاح صيحات متعددة ( ان مدينة الاجداد ستندثر
والسيوف الموضوعة على جدران الغرف العديدة سيطمرها الماء ..) ص11 لذا كان
سيدهم الاول صاحب المسلة ( -حمورابي) .. وهذا يعني ان الروائي رسم مملكة
القمع المسلطة على كلية العلاقات الاجتماعية فيكشف عما يعانيه المسحوق
ماديا ونفسيا فيرمي في زاوية الشعور بالغربة ..فكانت ازمة الانسان الحضارية
الحادة مشرعة وقائمة تتمثل في مرحلة الاحتلالات بما تحركه من عنف وتشنج ..
فالروائي يمتلك قدرة على تحريك الواقع وتفجيره من خلال وعي مستند الى نظرة
معرفية قادرة على فهم التاريخ .. فكان كل طوفان عنده يتحول الى مجموعة من
التداعيات التي يوظفها السارد بقصدية لتعطي بعض التفسيرات المتسلطة على
فكره .. فكان وعيه للواقع يدفعه الى تجسيد لحظة الانتفاض باعتباره واقعا
ضاغطا على حريته والآخر .. بالتركيز على رسم الابعاد النفسية لشخوصه من
الداخل مع تعميق البعد النفسي في سرده .. اضافة الى اعتماده جو التخييل
والمجاز وهو يحاول عبر رموزه ان يمزج الحقيقة بالحلم .. فكان طوفانه مشبع
بروح تاريخي وترميزي في آن واحد ..وسردية تكشف عن مسألة اجتماعية ورؤية
رجعية تسم وعي رجال القرية ونسائها مما يفيد منه الرجال المتنفذون وعلى
راسهم الشيخ ..
( قال الشيخ له قبل ليلة من الاحتدام : لك ان تبادر فانت فارس القرية وفحل
النسوة.. كون سلالتنا منك .. افهمت الجميع بذلك ونسوتي وابنتي الوحيدة لك
ايضا ..) ص34 لقد مزج الروائي مشاهد مقطعية وهو يعتمد اسلوب الاسترجاع الذي
من خلاله يحاول ان يكشف اللحظة العيانية ويعري الواقع ضمن بثه مجموعة من
الاشارات ضمن اطار الوصف والسرد .. حتى ان عملية الاسترجاع التي تقوم بها
الشخصية كامنة في قدرة الفعل على الاشارة بالامتلاء بعاطفة التمرد على
الواقع....
( فرك يديه برماد الموقد البارد منذ النهار وخرج نحو الفضاء والقرية ..
قذفها بسيل من شتائمه وهو يشهد تنكر الاولاد جميعا لأبوته وآخرهم اسماعيل
.. حماران وفرس واحدة كانت قافلة رحلته وخروجه الاخير من قرية عجنته
بالمحنة ..آه ايها الولد صرت حملي الخاسر انتظره حتى اموت .. ( قالت امه )
..
احتفظ بتلك الرحلة في ذاكرته الى الآن وكانت ذاكرة متوقفة عند مزاح ومزاج
الاطفال الذين يحتفظون بوصايا الاباء لحين عودتهم من العمل ..) ص52 وهنا
يختلط صوتان صوت ابراهيم الاب استذكارا وصوت الام دايلوجيا (حوار ذات)
واقعا ..مع قطع الحدث الرئيس ليضيف مشهدا له صلة غير مباشرة بالجوهر السردي
المتمثل بحوارات ابراهيم الانقطاعي الداخلية وهو الشخصية الرئيسة في العمل
وتدور هذه الحوارات والتأملات حول كيفية مواجهة الواقع الاجتماعي باستخدام
ضمير الروي الغائب .. مع محاولة توسيع اطار الحدث ليشمل قطاعا اجتماعيا ـ
تاريخيا .. اذ ان قراءة تاريخ الواقع الاجتماعي من خلال بناء نصين
متوازيتين الاول ذا بنية رمزية يدور حولها النص والثاني ذا تفاصيل زمكانية
ولكنها مجرد اعادة صياغة للنص الاول ..
( في المدينة التي نقطنها مكث الجلائريون .. في سنة ما .. اعقبهم برابرة
وقبل هؤلاء واولئك سخر الفوضويون من برابرة النهر لذواتهم الاطفال واتخاذهم
الصبايا خليلات ..وغضب الجلائريون وهكذا مات البرابرة ـ الفوضويون الذين
سبقوهم والبرابرة بعدهم بفيضان الرائحة العطنة من النهر ومخارج الجلائريون
وسميت تلك السنة لعام العطونة .. وعلى مسافة ساعة يقطن مزارعون لاتخمد
همتهم من البذار والحصاد ـ موقع العطونةـ الذي صار حيا سكنيا ..) ص7 وهنا
يروي ضمير المتكلم (نحن) ضمن ما يمكن ان نطلق عليه صفة الحكاية بسبب خلو
النص من سياق النمو الروائي وتبلور الشخصيات .. اذ يستمدها من الذاكرة
الجمعية ( النحن) .. فتظل الرواية تتأرجح بين المنزعين الذاتي والموضوعي..
فتذهب تارة من استبطان الشخصية وعرض تجاربها الفردية الى الاهتمام بقضايا
المجتمع واوضاعه وعرض مشاهد عنه .. اضافة الى كشفها وتعريتها لبعض الظواهر
مع تحليلها واستجلاء ابعادها .. وبذا تكشف عن سلبيات المجتمع كونها لا تقصد
التأثير في متلقيها بقدر ما تقصد الى تحريك الخزانة الفكرية وحثها على
الفعل والانجاز ..
لقد حاولت الرواية ان تقدم وثيقة سردية تاريخية ـ اجتماعية لقطاع زمني محدد
من تاريخ هذه الارض مع قدرة على اخفاء ما يدور في ذهن السارد من ايديولوجيا
ضمن الاختيار السردي الذي اعتمد الانقطاعات في جسد النص .. وهو يتوسم الشكل
الروائي الواقعي والتوشيحات الرومانسية .. اذ يرى الراوي ويعرف كل شيء بحيث
تذوب الشخصيات وتصبح مجرد خيوط يتحكم بمصائرها .. ويتضح هذا الجانب من خلال
شخصية ( ابراهيم ) العين التي يوهمنا الكاتب بانه يشهد من خلالها العالم ..
(هرب ابراهيم الصبي نحو تنفيذ الوصايا وليس المجهول وظل الولاة يتسقطون
اخبار ابراهيم لعلهم يحظون بالوصايا التي انفرد بها ..) ص17 وبذلك كانت
الرواية شهادة وثائقية الى جانب كونها عملا فنيا له خصائصه المميزة
والمشتركة في مجموع هذا العمل بامتداد وظيفتها القصدية التي ينوي الروائي
من خلال تحقيقها .. باعتبار فن السرد تعبيرا عن الواقع وانعكاسا له ..
متداخلا مع الخيال والابداع الفني لخدمة هدفه الذي يسعى اليه ..
أخبارهم ديواني مه ولانا خاليد
بطبيعة أنيقة ممتازة وبلغة كوردية صافية، صدر حديثاً " ديواني مه ولانا
خاليد" وقد جاء في القسم العربي:
أوقدت ناراً في الحشا
أحرقتني كما تشا
فارحم بصب قد نشا
ما أشم منكم من نشا
أقمار معلقة بخيوط
عنوان مجموعة شعرية للشاعر المجدد: ليث الصندوق، صدرت عن دار الشؤون
الثقافية ـ بغداد.
المشترك الفني والجمالي
كتاب جديد صدر مؤخراً للدكتور عقيل مهدي يوسف/ عميد كلية الفنون الجميلة ـ
بغداد، الذي عرف بدراساته النقدية وترجماته الجمالية واخراجه وتأليفه
للعديد من المسرحيات ومساهماته في سلسلة من المقالات النقدية التي نشرها في
"أبعاد ثقافية".
شيخ الآثاريين
شيخ الآثاريين المهندس محمد علي مصطفى، كتاب جديد يتناول تاريخ مدينة
الفلوجة في العهدين العثماني والملكي ـ تأليف الحقوقي مؤيد حسن مصطفى.
صدر عن مؤسسة مرتضى للكتاب العراقي التي عرفت بنشاطاتها في إصدار الكتب
المعرفية المعمقة وتوزيعها في مصر والعراق.. والمطلوب دعمها وتعزيز مسارها
الثقافي الجديد من قبل وزارات: الثقافة والتعليم العالي والتربية.
المعيار القانوني
كتاب للاستاذ فارس حامد عبد الكريم العجرش/ نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً،
والاكاديمي المعني في فلسفة القانون.
الكتاب.. دراسة معمقة في القانون وعدالته.
آفاق صحية
مجلة شهرية مهنية صحية تصدر عن قسم الاعلام في وزارة الصحة.
رئيس تحريرها: د. أحمد بريسم الرديني، والمشرف العام عليها: د.صالح شبر.
العدد الذي ورد إلينا يضم العديد من المواد التي تعنى بالثقافة الصحية..
إلا ان المجلة تحتاج الى جهد مهني يتعلق يتحديد زمن الاصدار واغناء الجانب
الصحفي للتحرير والتصميم. |