|
ابواب التآخي |
كل ثلاثاء
العالمية والغرور
خالد
جبر
الوصول الى العالمية ليس بالشيء السهل بل يحتاج الى مسيرة طويلة من الابداع
والتميز والحظ في ذات الوقت وربما اشياء اخرى نجهل اسبابها وقوانينها
فنلاحظ أن للفنانين المصريين خبرة ونشاطاً ومعرفة وجهوداً حثيثة وخاصة في
المجال السينمائي ولكن لم يحصل اي منهم على العالمية الا الفنان عمر الشريف
بينما الفنان شكري سرحان لا يقل خبرة وكفاءة ونجومية عن الشريف ولكنه لم
يحظ بالعالمية وكذلك نجيب الريحاني او يوسف وهبي.
واما بالجانب التشكيلي فلم يحظ اي فنان بالعالمية لأن هذه الصفة صعب الوصول
اليها والا لكان الفنان فائق حسن استحقها بكل جدارة وتفوق.
ولكنني في هذه الايام عندما اتصفح واتابع اخبار الفن التشكيلي عبر الوسائل
الفنية وكذلك اخبار الفنانين التشكيليين ارى كثيرا منهم يطلق على نفسه
الفنان العالمي حتى بدأت اتذكر مسرحية (بيت وخمس بيبان) والفنان العالمي
(علو) وهذا قمة الغرور لأن العالمية او النجومية او الصفات تطلق على الفنان
الرسام من خلال الجماهير ومن خلال سيرته الابداعية وليس من خلال العلاقات
الشخصية مع النقاد او بعض من الصحفيين حديثي المهنة الذين لا يفرقون بين
كتابة ايضا من (ايضن) او العلم (نورن) وهكذا.
فعندما ندرس سيرة وحياة الرسام بابلو بيكاسو نتعرف بأن هذا الفنان استحق
العالمية بكل جدارة من خلال ابتكاره اسلوب التكعيبية او المراحل التي مر
بها والمعاناة والفقر والتشرد خلال بدايات حياته واستمر بالعمل بدون كلل أو
ملل فقد عاش هذا الرجل اكثر من تسعين عاما رساما مبدعا مفكرا مثقفا وحتى
الاسبوع الاخير من حياته وقبل مماته فقد رسم اكثر من ثماني لوحات فنية ونحن
نعرف اسعار لوحاته وقيمتها في الاوساط الفنية والتجارية فيجب ان يتعرف
الرسام على نفسه ويتجرد من الغرور والنفاق الاجتماعي ويعمل بصمت من دون
المسميات والعناوين لأن اللوحة هي التي تتكلم بعد ان يصمت الفنان.. وكلنا
يتذكر الرسام المبدع فان كوخ كيف كان يعمل ويرسم من اجل الفن وقد مات جائعا
فقيرا ولكن بعد موته اشتهر اسمه وعرضت لوحاته في كل متاحف العالم لينال
العالمية بجدارة وبتفوق وكذلك الرسام جوجان وغيرهم الكثيرون الذين كانوا
يبحثون عن الشيء الجديد في اللوحة اسلوبا وفنا وتطوير هذا الفن الرائع الى
الامام غير مبالين بحياتهم واوقاتهم ولكنهم بعد ذلك استحقوا العالمية فدعوة
لكل فنان يتصور نفسه رامبرانت عصره ان يقف قليلا ويعرف حقيقته وان يترك
الغرور والعلاقات الجانبية ويكتشف سيرته واعماله لينال العالمية في يوم ما
ويدخل اسمه وفنه في التاريخ الفني المشرق وقد صدق من قال (رحم الله امرءا
عرف قدر نفسه).
قاموس الفن التشكيلي
الرسم المينافيزيقي:
هذا التعبير أطلق علي الرسومات الغربية الشبيهة بالحلم للفنان جورجيو دو
تشيريكو ، ولوحاته في ما بعد 1910 كانت تبشر بالسريالية ، وهي موازية في
عملها لفنان آخر إيطالي هو كارلو كارا.
السلوكية:
هم بالتحديد الأسلوب الفني الذي نشأ في إيطاليا خلال القرن 16 ، وقد تميز
بالبحث عن الجديد في مقابل التقاليد الخاصة بعصر النهضة التالي الذي أدي
إلى تقديم نسب مبالغ فيها للجسم البشري ، ووقفات معقدة وتراكيب غير متناظرة
، النحات بنفنيتو سيلليني والرسام ال بردنزينو عملاً في هذا الاتجاه ،لكن
أبرز ممثليه هو ألغريكو.
الكلاسيكية
تعتبر المدرسة الكلاسيكية الأساس المتين لبدايات الفن التشكيلي حيث تعتمد
على الرسم الدقيق للأشكال وغالباً ما تكون الموهبة فيها مفيدة بخطوط
قواعدية لا يجوز الخروج عنها. بدأت الأضواء تتسلط على الكلاسيكية منذ عصر
لويس الخامس عشر ويرى بعض المؤرخين إلى أن صديقة الملك هي التي لفتت
الأنظار إلى ذلك الفن حيث أن الاهتمام بالكلاسيكية صار يضمحل بعد وفاة لويس
عام 1774 وذلك بعد أن أشرفت ماري أنطوانيت زوجة الملك لويس السادس عشر على
شؤون الفن في فرنسا. ولكن الكلاسيكية عادت لتستعيد مكانتها بعد قيام الثورة
في فرنسا وإعدام الملك عام 1793. ويعتبر جاك لويس دافيد هو رائد الكلاسيكية
الحديثة وكان معه عدد من الفنانين مثل انفروغرو وجيرار وشافان. واشتغل
دافيد بالسياسة. واشترك في الأحداث التي مهدت لاندلاع الثورة ثم تعين عضواً
في الأكاديمية الملكية عام 1781 وصار يستقي مواضيعه من القضايا الوطنية. ثم
اتجه لرسم لوحات إعلامية تمثل ضحايا الثورة الفرنسية وبعد أن وصل دافيد إلى
أعلى المراكز السياسية عاد ليخبو من جديد عام 1794 بعد أن خارت القوة
السياسية لأحد أصدقائه وانكفأ بعيداً في مرسمه إلى أن أعاده نابليون
للأضواء من جديد لكنه ما لبث وتوارى مجدداً بعد نفي نابليون. اشتهر عن
دافيد تسلطه في فرض أسلوبه الكلاسيكي على الفنانين الناشئين ورغم كل
الانتقادات التي وجهت له إلا أنه يظل يصنف في خانة الذين أخلصوا للرسم
بحالته القواعدية الكلاسيكية.
الكلاسيكية والكلاسيكي:
تعبيران مستخدمان بمعنيين مختلفين تماماً .
أولاً : تعبير كلاسيكي يطلق لوصف فن الإغريق القدماء من القرنين الخامس
والرابع قبل الميلاد في هذا المعني فإن تعبير كلاسيكي باستخدام كأحد مكونات
الفن اللاحق للفترة الإغريقية مثل الروماني والنهضوي المستمدين من المثال
الإغريقي.
ثانياً : تعبير الكلاسيكية يستخدم بمعني أشمل ليقابل مصطلح الرومانتيكية
والصفات الكلاسيكية هي الموضوعية والمنطق الرسمي والوضوح وهي مقابل صفات
الرومانتيكية الذاتية.
مجموعة باتو لافوار:
وهى مجموعة اقترنت باسم الفنان الشاب بيكاسو سنة 1908 ، أبرز أعضاء
المجموعة هم : براك ، جيرترود شتابين ، أبولينير ، خوان غريس ، وقد سميت
مجموعتهم هكذا على اسم المكان البائس " مونمارتر " الذي عاش فيه بيكاسو.
فن المينيمال:
أول من أدخل مصطلح "المينيمال" هو الفنان الروسي "جون جراهام" في كتاب له
بعنوان "النظام والجدل في الفن " نشره عام 1937 في باريس. وهدف جون جراهام
إلى تجريد اللوحة ليس فقط من الموضوع ولكن من الألوان العديدة والدرجات
اللونية المختلفة وضربات الفرشاة وغيرها من التقنيات التي كانت مستخدمة في
التجريدية اللونية، مثل أعمال كاندنسكي، والاكتفاء باللون الواحد فقط موزعآ
على مساحة اللوحة بالدرجة نفسها. عام 1966 نشر الفيلسوف ا إنجليزي "ريتشارد
ولهيم " مقالة بعنوان "المحتوى الأدنى للفن" أكد فيها على إزالة اللوحة من
أي موضوع، وأكد أن اللوحة هي نتاج عملية المحو.. كلمة المينيمال وهي تعني
"الأدنى" أي الأقل أو التقليل من شأن الشيء، تطلق على العمل الفني الذي
يتسم بالصرامة أوالقسوة والتقشف، وهي تستخدم لتوصيف العمل التشكيلي المرئي.
وميزة هذه الأعمال أنها أكثر جمودآ وقسوة من التجريد، وفارغة من أية تفاصيل
تزينية من حيث تقليل استخدام الأشكال التزينية إلي الحد الأدنى، واستبدالها
بالأشكال الهندسية الصارمة مثل المربع والمستطيل كما تتجنب التقنية
التعبيرية، مثل ضربات الفرشاة وطريقة الرسم وغيرها من التقنيات المستخدمة
في التعبيرية التجريدية. هذا النوع من العمل الفني "المينيمال" يرجع تاريخه
إلى ا لإنشائية الروسية وتفوقية "كازمير مالافيتش" وإلى أعمال الفنان
الهولندي "بيت موندريان ".
المورفولوجيا
المورفولوجيا: تعني دراسة في بنية الشكل، أدخل الفنانون والباحثون في أمور
الفن البصري هذه العبارة في سياق الفن للتأكيد على أن ما قامت به
الإنطباعية منذ عام 1890 هو دراسة في بنية الشكل، وبالتالي الإنطباعية
والتكعيبية والمدارس الفنية التي تأثرت بهما فيما بعد حتي التجريدية
التعبيرية والإنشائية الجديدة هي أساليب تقليدية، لأنها قبلت بأن تكون
استمرارآ للقواعد والطرق الفنية الأوروبية كما في السابق، أي القياس
المورفولوجي في التصوير والنحت عند هذه المدارس هو نفس القياس التقليدي
الأوروبي، مثل المنظور ونسبة الرسم والكتلة والفراغ وغيرها من القياسات
التي تعامل معها التقليد الأوروبي في التصوير والنحت منذ عصرالنهضة.
بطاقة فنان
الفنان جعفر كاكه ئي
جعفر كاكه ئي فنان تشكيلي معروف وله بصماته المتميزة في الوسط الفن
التشكيلي ، ومن خلال تجربته الطويلة في مدينة خانقين رغم طبعه الهادئ غير
أنه تجده صارماً في فنه ومحافظاً على نبرة خطابه التشكيلي. الفنان جعفر ومن
خلال معرفتنا لعالمه الفني يتميزأسلوبه بقوة التعبير والثراء في معرفته
لتوزيع التونات اللونية في لوحاته ومع تماسك عناصره الفنية ، حيث تماسه
اليومي مع اللون والفرشاة وأستلهامه من تراثه الثرالذي يكون حاضراً في أغلب
مساحات لوحاته وألوانه الى حد التماهي معها. وعبر مسيرته الطويلة أستطاع أن
يغني مسيرته الفنية بالعشرات من الأعمال الفنية منذ 1979 في المهجر والتي
تركت صدى واسعاً لدى الجمهور الاسباني وألأوروبي وحتى على الصعيد العالمي .
بطاقة تعريف
ولد الفنان العراقي جعفر الكاكه ئي في مدينة خانقين كوردية سنة 1951 ،
وينتمي الى الجيل الوسط بين الفنانين ، وترك مدينته عام 1979 مع ذكريات
معالم تلك المدينة الجميلة على ضفاف نهر الوند الخالد ، وأستقر في اسبانيا
بعد هروبه من سطوة النظام، ويحمل الجنسية الاسبانية. وله العديد من الاعمال
الفنية الرائعة ، ودخل عالم الفنون وهو في الخامسة عشر من عمره بتشجيع من
أخاه الكبير الفنان قطب الدين كاكه ئي الذي عمل سنوات طويلة مصوراً في
مدينة خانقين ، وأصبح محله (مصور الوند) من معالم المدينة .
نتركه يتحدث عن مشواره الفني حيث يقول:
أنا من مواليد مدينة خانقين ومن عائلة فنية ، نشأت وترعرعت في هذه المدينة
العريقة بالتأريخ والمواقف الشجاعة، وأكملت دراستي الأبتدائية والثانوية
فيها، تعلمت تلوين الصور بالأسود والأبيض منذ طفولتي على يد أخي الفنان
المصور قطب الدين ، حصلت على شهادة الليسانس (البكالوريوس) للفنون الجميلة
من جامعة بغداد سنة 1976 وبدأت عملي لفترة وجيزة في تصميم الصحف والمنشورات
في وزارة الثقافة -دار الثقافة و النشرالكوردية في بغداد - وغادرت العراق
في سنة 1979 الى اسبانيا حيث حصلت على شهادتي الليسانس وفصول الدكتوراه في
تاريخ الفن و التقنيات المعاصرة من كلية الفنون الجميلة بجامعة مدريد عام
1984. 1995 حصلت على منحة دراسية للبحث حول تقنيات الحفر والطباعة من مؤسسة
جوان ميرو في جزيرة مايوركا. كما حصلت الرسم والحفر و الليتوكراف على
الحجرفي سنة 1986 . وفي عام 1989عملت كمدرس في الدورة الدولية لدراسات
الحفر في أقليم كنالونيا ، وثم عملت مدرساً في الدورة الدراسية جرافيكا
1991 بالجامعة الدولية مينينديز بيلابو في مدينة لاكورونيا اسبانيا ،
وشاركت في عشرات المعارض المشتركة مع الفنانين أسبانين وأجانب منذ وصولي
اليها ولغاية يومنا هذا ، وأنا أعتقد بأن الفن رسالة من الحاضر الى
المستقبل بما تحمل من أشياء الذاكرة . |
الفنان رسمي الخفاجي
والرسم بالابيض والاسود
منذ عام حدث شيء ما في رسوم الفنان رسمي ظاهريا يبدو ان الامر يتعلق بعملية
تخلي مزدوجة تخليه عن اللون الذي كانت لوحاته في اواخر التسعينيات تتوهج
بانغامه الانيقة والمشعة- من "شجرة الحياة" وحتى "عناق الشجرة" ثم تخليه عن
المادة تلك المادة الكثيفة والغنية بالانخطافات الرومانتيكية التي عبرها
يكشف عن قدرته في معالجة الشكل ويجد صوته المميز ضمن المراجع والمؤشرات
التي كان يحاكيها والتي تعود الى فترة مابعد الحداثة وتقترب من الاجواء
الاثيرية والساحرة في اعمال الفنان الايطالي "روجيرو سافينيو" في الواقع
عندما يهجر رسمي قماشة اللوحة ويتوجه الى الورقة البيضاء ذات السطح المحبب
والمضيء تاركا وراءه مادية الالوان الزيتية من اجل شفافية وخفة الالوان
المائية احادية اللون انما يقوم بعودة الى اصوله كحفار غرافيكي مستبدلا
التناسق اللوني وتدرجاته التي اكتسبها على مدى الزمن بتناسق اخر اكثر رقة
يمتد بين سواد الظل العميق والضوء الابيض المشع انها الرغبة في تمثيل
الفراغ عبر الممتلئ.. ثم اكتشافه امكانية ان يحيل الى الفراغ تدفق الطاقة
الحقيقي الذي يتواتر بين الضوء والهواء ويقوده الى حتمية الابيض والاسود اي
الى وضعية روحية فضلا عن كونها تقنية تعتبر، ليس من باب المصادفة، كونها
منذ بداياتها البعيدة، الاكثر تناسبا على امساك وتطوير الصور التي يتأملها
في العالم فتتقاطع وتتطابق بشكل طبيعي مع الصور الموجودة في الذهن تلك
الصور التي عندما تتحول الى اعمال فنية تكون قادرة على اثارة المشاعر او
الاسئلة.
ان عملية ادراك رسمي للابيض والاسود قد نضجت ببطء حتى انه عندما بلغ هذا
المستوى من الوعي اثارت عنده كفنان احتداماً غير منتظر فقد مر بفترة من
الشك والتردد تبعها انغماره في نشاط مفاجئ ومتواصل وكأنه محاولة للتنفس عن
النفس مازال في اوجه تهيمن عليه دقة اللمسة وشفافية اللون وبتقنية تستوجب
سرعة التنفيذ ولاتترك مجالا لاعادة النظر غير ان هذا النشاط يأتي من تركيز
صامت رغم الوضعية القلقة وشروط معاكسة وضرورية وكأن الصور التي احتفظ بها
طويلا في ذاكرته قد وجدت لها اخيرا طريقا للخروج او بتعبير اخر كأن الذاكرة
نفسها قد وصلت الى حالة من الهدوء والسكينة من خلال المسافة التي فرضها
الابيض والاسود.
رسمي فنان عراقي ولد في الديوانية عمل لمدة عشرة اعوام في المجال الفني قبل
ان يترك بلده العراق عام 1977 لاسباب سياسية وهو في الثلاثين من عمره منذ
ذلك الوقت لم يبق عنده من ارضه غير الذاكرة الجميلة دوائه الوحيد في
اللحظات الصعبة غير ان انفصاله عن بلده لم يكن مصدراً للالم فقط والزمن لم
يمر دون جدوى فذاكرة اخرى قد تكونت ببطء عنده في الثلاثين سنة الاخرى ذاكرة
ايطالية او فلورنسية بالتحديد ولقد اخذت هاتان الذاكرتان في حركتهما بين
زمنين ومكانين مختلفين تقتربان من بعض فتكشفان عن تنوعات مفاجئة وفي الوقت
ذاته عن تناغم مهم ومفاجئ هو الاخر فنشأ عالم نرى مادته الرقيقة امامنا
منتشرة من خلال اشكال وخطوط خفيفة ومرنة، انها اجساد مشاهد مفتوحة مثل صور
الناظور على اجساد ومشاهد متعددة، فهي حينا تتجسد كالهواء وكالضوء الابيض،
وحين تتموج كالتلول المحروقة وحينا اخر تمتد على مدى البصر كاشجار رقيقة
جدا.
عندما نتابعها بالنظر تدخل في رقصة من الايحاءات، حكاية عربية حيث كل شكل
هو لغزيشير الى عالم معلق بين السماء والارض، غير انه قبل كل شيء عالم مشبع
بطاقات حية هذه هي "حرية الحلم" التي كان رسمي يشير اليها في اعمال فنية
سابقة والتي تعود ثانية اكثر صفاء بما شبه تحولات خيميانية مفروضة على
الوان العالم غالبا ما يضمنها رسمي خفيفة شفافة في الرسوم التي ينجزها
بالالوان المائية: (يهبط الليل ازرق، بين الخطى والنجوم... ارى شجرا ازرق
وشوارع مهجورة وبلادا من الرمل، لي وطن، ثم ضيعته، لي بلاد... وهاجرتها...
كم احس النجوم القريبات، ملصقات بالخطى، ايها الشجر الازرق الخشب الازرق..
الليل...) حيث التخلي والهجران يرتقيان بالالم فيتحول الارتباط بالارض الى
شعور بالانتماء الكوني، فيهدأ العنف تحت انوار النجوم البعيدة تستكين ضجة
العالم متحولة الى (شجر للاكف التي قطعت، شجر للعيون التي سملت، شجر للقلوب
التي نسخت حجرا..) ويصبح الحضور الشديد للاشكال الطبيعية كافيا لوحده على
تكوين فعل ادانة قوي، وهذا ما ادركه رسمي وهو ينشر اشجار السرو المتسلقة
على قطعة الورق الكبيرة مستوحيا لوحة (كوارتو ستاتو) للفنان "بوليتزا
دافولبيدوا" غير انه قبل كل شيء استطاع بعد ثلاثين عاما ان يجد توازنه
الغنائي الذي يظهر في صور ذات جمال اخاذ مشاهد طبيعية ذكريات، احلام وآمال،
فينزلق النظر من قمة التل التوسكاني المتألقة باللون الابيض ترافقها الظلال
التي تنبعث من الضوء فيتصاعد الشكل فجأة نحو السماء السوداء بما يشبه
السفينة، ومن القمة ثمة شكل انساني مصغر يتأمل السهول الممتدة على مدى
النظر تفترشها ابيات من الشعر.
سوزان راجونيري
عرض كتاب
السيرة الذاتية لـ (غوغان) والبحث عن المجهول
مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة ماريا بلانكو المختصة بدراسة الفن
الحديث بشكل عام، والدراسة الانطباعية بشكل خاص، وهي هنا تقدم سيرة ذاتية
عن واحد من أكبر الفنانين في العصور الحديثة: بول غوغان، فمن هو هذا الفنان
الرائع يا ترى.
ولد بول غوغان يوم 7 يونيو من عام 1848: أي قبل اندلاع الثورة العمالية
بأسبوعين فقط، ومعلوم أن الأمير لويس نابليون بونابرت قام بانقلاب عسكري
واستلم الحكم لكي يقضي على هذه الثورة الاحتجاجية الغاضبة، وعندئذ اضطر
كلوفيس غوغان، والد الفنان المقبل، إلى مغادرة فرنسا والعيش في المنفى
الأميركي ـ اللاتيني (البيرو)، ولكن والده مات أثناء الرحلة وخلّف وراءه
أرملته "ألهين" وطفلين. وقد استقبلهم لدى وصولهم إلى عاصمة البيرو جده الذي
كان قد أصبح غنياً وقوياً هناك.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وهناك بقي بول غوغان ست سنوات قبل أن يعود مع
عائلته إلى فرنسا، وقد شعر الطفل بالاغتراب والحزن لأنه غادر بيرو، ولم يكن
يفهم الفرنسية جيداً ولا يحب الدراسة والمدرسة، كان يعيش في الخيال والحلم،
كان يشعر بالحنين إلى السفر.
وعندما أصبح عمره سبعة عشر عاماً انخرط في الملاحة البحرية التجارية في
مدينة الهافر، وهناك انخرط قبله الفنان الكبير مانيه عام 1848 كبحار،
وعندما ركب بول غوغان الباخرة وانطلقت راح ينظر إلى شواطئ فرنسا وهي تبتعد
عنه..
وكانت وجهة احدى المدن الكبرى في أميركا اللاتينية ريو دي جانيرو، وقد شعر
بالسعادة عندما عاد إلى القارة التي شهدت طفولته وتفتحه على الحياة لأول
مرة، ومعلوم أنه ظل يحن إليها ويتمنى الخروج من فرنسا.
ثم زار قبر والده وانحنى أمامه طويلاً. وبعدئذ ذهب إلى جزيرة بنما وبقية
الجزر الأخرى. وفي أثناء ذلك كانت أمه تحتضر في فرنسا. وعندئذ عاد إلى
البلاد، حيث كانت أخته تنتظره، وكانت الحرب بين فرنسا وبروسيا (أي ألمانيا)
قد اندلعت للتو، فعاد بول غوغان إلى سفينته لجوب البحار من جديد، وفي كل
ميناء كان يلتقي بامرأة فيحبها قليلاً ثم يرحل. ثم سمع بأن البروسيين حرقوا
بيت أخته في منطقة سان كلود بضواحي باريس.
وعندئذ عاد إلى فرنسا من جديد لكي يبتدئ مهنة جديدة هي: فن الرسم، وكان ذلك
عند صديقه الحميم "أروزا" وهناك التقى بفتاة دانماركية تدعى "ميت صوفيا
غاد" فتزوجها عام 1873، وقد أنجبت له خمسة أطفال.
ثم التقى عند أصدقائه في ضواحي باريس بالفنان الانطباعي الشهير: بيسارو،
وقد نصحه بأن يرسم باللون الفاتح لا الغامق. ثم قبلوا بأن يعرضوا له احدى
لوحاته في صالون باريسي عام 1876.
وفي البداية اختلف مع مانيه وجماعته، ولم يقبل بالانضمام إلى الفن الجديد،
كان يريد أن يصبح زعيم مدرسة في الفن لوحده. ثم التقى بعدئذ بكبار الفنانين
الذين سيشغلون العالم في القرن التاسع عشر، بل وحتى الآن: سيزان، ديفا،
رينوار، مونيه، مانيه.. الخ
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن بعد أن ترك عمله الذي يؤمن له راتباً شهرياً،
وقرر تكريس كل وقته للرسم، ساءت أمور المادية، وعندئذ قررت زوجته أن تعود
إلى الدانمارك مع أطفالها لأنها لا تستطيع أن تعيش في حالة البؤس والفقر
المدقعين. وهكذا تركته وابتعدت عنه ظانة أنه لن ينجح في الحياة. وهكذا
ابتدأ غوغان حياة جديدة مليئة بالوحدة، والعزلة، والحرمان المادي، وفي برد
الشتاء كان يجد نفسه مع ابنه وهو فقير معدم لا يمتلك إلا ثمن الخبز، وعندئذ
سقط الطفل مريضاً، فراح والده يداويه ويسهر عليه، ولم يستطع الفقر أن يكسر
عزيمته، فقد كان يحمل في داخله مشروعاً كبيراً: فن الرسم، وكان يعرف أن
ساعته ستجيء، فالعبقرية في داخله ولم تتفتح بعد بالشكل الكافي، ثم قرر أن
يذهب للعيش في منطقة الريف بعيداً عن باريس، وهناك قضى معظم الصيف والتقى
ببعض الرسامين الآخرين، وقد وصف له أحدهم الحياة الجميلة في احدى الجزر
المقابلة لجزيرة بنما، فقرر السفر إلى هناك للعيش بشكل بدائي من دون
التفكير في الوقت أو في هموم الحياة المعيشية، وهذا دليل على مدى سذاجته
وعبقريته في آن معاً. ولكن سرعان ما خابت آماله وانتهت فلوسه، فعرض نفسه من
أجل العمل في قناة بنما، وكانوا قد ابتدأوا بشقّها، وكان يهدف إلى جمع بعض
المال، ثم السفر إلى جزر المارتينيك، وهناك التقى برسام آخر، وسقط كلاهما
صريع المرض، ولكنه استمر في الرسم على الرغم من كل شيء.
ثم عاد بعدئذ إلى فرنسا ونزل في أحد الفنادق مع رسامين آخرين، وهناك وقع في
حب بنت أحد الفنانين وتدعى مادلين، ولم يكن عمره يتجاوز السابعة عشرة، ثم
اختلف مع والدها بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ بسبب التنافس على الفن
واختلاف تصورهما له
وراح غوغان يعبّر عن الموضوعات الدينية من خلال الرؤى الطبيعية البدائية
والغرائبية، لقد جاء غوغان إلى تاهيتي عام 1891 من أجل تجديد فنه، فقد كان
يبحث عن مناظر طبيعية خلابة وجديدة كلياً، وكان بحاجة إلى عزلة كاملة ووحدة
مطلقة من أجل الإبداع
فخياله الوثاب كان في حاجة إلى مثل هذه المناظر البدائية التي تمثل البراءة
المطلقة، كان حلمه الداخلي بحاجة إلى حوافز خارجية لكي يتفتح، وعلى هذا
النحو أصبح غوغان شاعراً كبيراً تخلت عنه أو قد تخلى عنها، ثم فقد ابنته
المفضلة "ألين"، ثم أصبح فقيراً بائساً على الرغم من لوحاته الرائعة التي
لم يقدرها أحد حق قدرها، وكان يعيش في خوف دائم من ألا تصله من فرنسا
الفلوس مقابل بيع لوحاته، ولذلك قرر الانتحار، ولكن قبل أن يفعل فعلته قرر
أن يرسم أعظم لوحة في حياته لكي تكون بمثابة وصيته الروحية
ثم مات غوغان في الخامسة والخمسين من عمره فقيراً معدماً وبائساً، لكي تباع
لوحاته بعد موته بمئات عدة من ملايين الدولارات!! تماماً كما حصل لصديقه
اللدود: فانسان فان غوخ، فهل هذه هي ضريبة الفن والعبقرية؟
|