|
ابواب التآخي |
كل ثلاثاء
حين تكون اللوحة شقيقة!
خالد جبر
اللوحة الفنية هي المقياس الحقيقي لثقافة الفرد فعندما تزاحمنا كتلة
كبيرة من الاكسسوارات موزعة بشكل فوضوي على جدران البيت وغرفه قد نفقد
التركيز في تلك الدوامة المنبعثة من عالم القلق اليومي ونشعر باحباط في
التذوق الفني ونطالب بدراسة عميقة للعلاقة الوثيقة بين دواخل النفس
واستقرارها وبين الغوص واختراق الجدران الى عالم ينقلنا بعيداً وخارج الزمن
لاعماق اللوحة وما تتضمنه من مفردات والوان تداعب اوتار القلب، فهي الفسحة
التي تداعب نسائمها اعماق الروح لننتشي بعبيرها الذي يعيدنا الى ايام الصبا
والشباب فاللوحة تعيش معنا لسنوات طويلة وتظل خالدة على جدران بيتنا وتصبح
كأحد افراد العائلة لا نستطيع الاستغناء عنها ابداً.
احدى المرات قمت بزيارة لأحد اصدقائي وعلى الجدار لفتت انتباهي لوحة لامرأة
عراقية تجلس بجانب المدفأة وقد رسمت بالالوان الزيتية وكانت بامضاء النحات
العراقي ميران السعدي، وقد حدثتني ابنة صديقي بان هذه اللوحة تعتبرها
كاختها الكبرى وتعتز بها كثيراً وتحافظ عليها وتقول بانها تشاركني في حياتي
اليومية حتى اني أؤدي لها تحية الصباح وسأظل احتفظ واحافظ عليها الى نهاية
عمري وذلك الحب يأتي من خلال وجودها في بيتنا قبل ان أتي الى الحياة فقد
كان والدي الاستاذ فاروق صبري تربطه علاقة جيدة بالفنان وحصل عليها كهدية
ويالها من هدية، وفي غرفة الكاتب احسان عبد القدوس هناك لوحات نادرة اعتز
بها كهدية من والدته روز اليوسف واما الفنان ابو عوف فهو يمتلك متحفاً
يتضمن اللوحات الفنية الاصلية النادرة والتي يحافظ عليها اكثر من الاشياء
الثمينة وقبل ايام قرأت تحقيقاً موسعاً مع الفنان محمود مرسي فهو يمتلك
لوحات نادرة اصلية لمجموعة من الفنانين العالميين، فان حب وهواية جمع
اللوحات النادرة عبارة عن الذوق الرفيع والثقافة العالية لدى هؤلاء الناس
الذين تبهرهم الاعمال الفنية، ولكننا نجد عند كثير من الناس انهم لا يبالون
للوحة واهميتها بل يعتمدون على وضع الصور الصينية المطبوعة كاستنساخ ويتم
لصقها على جدران الغرفة بطريقة ساذجة ومضحكة ولملء الفراغ فقط وليس للتذوق
الفني الذي يعبر عن مشاعر واحاسيس الفرد، فأن اللوحة تنبع قيمتها الفنية من
خلال سنوات قدمها عكس باقي الاشياء الاخرى في البيت والتي ترمى في سلة
المهملات بعد ان يتم الاستغناء عنها، فاللوحة هي كنز دائم وفي الدول
المتحضرة يتم شراء اللوحة بملايين الدولارات وكماحدث مع لوحة عباد الشمس
لفان كوخ فقدتم بيعها بمبلغ 45 مليون دولار لتزين جدران دار احد الذين
يرغبون في الفن والرسم وبمرور الزمن يتصاعد هذا المبلغ فانها بحق تعد كنزاً
وذخراً عزيزاً ربما ينفع في ساعة الشدة وفي حالات الضيق.
khalidjabor@yahoo.com
الفنانة انغام محمد ومتعة الفن وجماليات اللوحة
ان الفنون هي سمة جمالية عبر سياقات عدة , تبدا من افتراضات الفنان ويشترك
مع مفترضه حسه الاجتماعي ,وسمي هذا الاشتراك بفطرة النص , وبما ان اللوحة
كمنتج مركب بين البصري والحسي لابد ان تبرر تلك الفطرة وتجعلها عبر وحدة
موضوع اكثر ترجمة لاحاسيس الفنان وانعكاس دلالي لمدلوله المفترض.
ولكن ذلك بمجمله يكون مستوى استاطيقيا لفاعلية الفنان ومعطى تجربته الفنية
وخلاصة بصمته , ومجمل ذلك النشاط ومنحى الابتكارفيه وهدفية الفنان ,تكون
قيمة جمالية لجوهر العمل الفني ,وكانت لوحات نساء منتظرات لانغام محمد جواد
اموري مثالا مقتعا لواقع رمزيته ذات دلالات عدة ويؤشرعبر افتراضاتها تنوعا
دلاليا.
وللون دوره الاساس رغم تكرس الشكل المتكامل الابعاد ووضوح المقصد فيه , حيث
للون قابلية اضافات دلالية وازاحة , وبما ان المرأة هي الوحدة الاساس في
اغلب اللوحات فلا بد لها من مضامين سماتها وكينونتها وتفسيرها لمعاني
الحياة , وهنا سعت الفنانة افتراض نسبي لشكل المراة كي يتناسب الشكل
ومضاميته المتعددة وافاق دلالاته , وكانت امثلة المرأة حيوية لونا وقيمة ,
حيث قدمت الفنانة انموذج اصله متخيل سردي , اكتمل على سطح اللوحة وصار وحدة
دلالية هادفة بمعطاها الجمالي , ومحققة مضمون اللوحة وفكرتها وفي اقصى
حالاتها المفترضة.
وقدتجلى الهدف الفني في بعده الانثربولوجي ,فليس اي غموض ولاحتى تبرير سيان
في عالم اللون او الايقونات , ولاريب ان هناك خلاصة للفكرة تجدها في جميع
اللوحات .
ان هناك معنى للحداثة في مجمل اللوحات التي سعت الفنانة الى تأطير اعمالها
بها , وقد جعلت اللوحات وحدات تناغم حداثي يؤثر في التلقي البصري بمناحي
عدة , حيث اللون شكل بعدا اساسيا للاختزال والتعبير عن صفات ورموز ,
فالنساء افرغهن اللون من الزمن الاجتماعي , وجعل موقفهن كونيا برغم سياق
اجناس في بعض اللوحات ,بل اغنت الفنانة منجزها الفني بحسها الحيوي حتى داخل
النساء حيث هناك ابعاد عدة تمثلت مشتركة بلون الفنانة الفاعل , ومهدت
قابلية اللون الى تأكيد بعد جمالي رغم جوهر الموضوع الذي هو اجتماعيا مفرط
الحساسية ومفثار تاريخيا , لكن الفنانة انغام محمد لجأت الى عنصر المفارقة
شكلا ولونا , فكان المستوى البصري للوحة يتفاعل مع القيمة الجمالية للون.
وكما ينعكس عليه جوهر الموضوعية مباشرة , حيث جعلت الفنانة نصها مفسرا حتى
على مستوى البعد الاجتماعي , حيث برغم الاضافات السريالية لم تتأثر وحدة
الموضوع وبقي البعد الاساس لها منطقيا , بل دعمت الافتراضات الفكرة العامة
واثرت البعد الدلالي , فكان فضاء اللوحة من جانب ممهد للمتعة البصرية , حيث
دور اللون خارج سياقه التقليدي لكنه لم يفقد طابعه في التأثير جماليا وعلى
مستوى البعد السايكلوجي , وكما انه ابدى ميزة سردية , حيث تبرز التفاصيل من
خلاله , ومن جانب ثاني هناك انبثاق للدلالات وبمستوى من الفاعلية جعلت
الاطار السريالي , او الاستعارات الموصوفة بأنها سريالية المنحى ,كما في
احدى اللوحات , ولكن ليس من السهل ان نقبل بتفسير احادي للفن.
كما ان بيئة العمل الفني في لوحات نساء منتظرات اتاحت للمسرود لونا تجاوز
الافق الاجتماعي , وجعلت اتصال الواقع بها ليس وفقه بل من خلال افتراضات
الفنانة ومتخيلها وحسها ومن ميزة اللون وقابليته , حيث صار المنجز وحدة
متكاملة عبر تفسير الفن لنفسه بمستوى يؤكدها كقيمة جمالية تبرز الاحاسيس
الذاتية للفنان عبر قيمة منجزه الفني , وحيثيات تجربة فنية لها حيزها
وموقعها في الفضاء التشكيلي العراقي في سياق الحيز الاجتماعي ,وللفنانة
وتجربتها وقيمة تلك التجربة كأثر فني ملموس شمول الجانبيين الجمالي
والانساني وفي اجمالي مساحتهما وانعكاستهما داخل المنجز الفني .
لابد للعمل الفني من معنى دلالي , حيث يشكل سمة مهمة واساسية في جميع
الاحوال , ولكن لابد لذلك المعنى من معادل موضوعي له وهو المعنى الجمالي في
الفن , والذي وفقه يتميز البعد الدلالي للمنجز الفني و كما ينعكس من خلاله
القيمة الجوهرية للعمل , واللون تتحدد احد اهم وظائفه عبر المنحى الجمالي ,
وصراحة تجربة الفنانة انغام محمد جواد لها من المستوى الجمالي في جميع
لوحات نساء منتظرات , حيث شملت لوحاتها على وحدات جمالية متعددة , حاولت
بها اولا انضاج تلك التجربة , ثم التمهيد استاطيقيا لمفترضاتها كي يفسرها
المتلقي البصري ,وكما ابدت ميزة لونية ومهارة عالية فنيا في استثمار اللون
وحتى اقصى حد جمالي , لاستيعاب ماهو فوق مستوى الواقع الاجتماعي داخل مظهره
, ولكنه حسيا يندرج ضمن ما يعقلنه الفن ويبديه مقبولا في اطار اللوحة ,
ويمنحه حيزه على سطح اللوحة , وهذا ما تجد في اغلب اللوحات في نساء منتظرات
,حيث كانت اللوحة تفيض متعة بدمج الواقعي بالحسي ,كما كانت سمة روية
الفنانة الجمالية لذلك واضحة تماما ومتجلية عبر ايقوناتها شكلا وجوهرا .لقد
سعت الفنانة الى دمج مدارس فنية عبر تجربتها , وقدمت رؤية مميزة عبر وحدات
هارموني كما في الموسيقى , وللون دوره الواضح حتى لاول وهلة ,اذ كانت
اللوحات مؤثرة ووممتعة وكما في الموسيقى , حيث هناك تناغم وفاعلية الى حد
كبير تؤثر في التلقي البصري والقراءة النقدية , وهذه اهم الميزات الغير
واضحة الا من خلال الخلاصة اللونية .
ولكن اللوحات اغلبها موسيقاها عبر عيون النساء تجد هناك طابع هارموني ,
وكذلك القامات عبر الطول تبدي نفس الغرض , وتلك الميزة صراحة ليست سهلة
ولايمكن التعبير عنها الاوفق اشتراطات تأهيلية , حيث ان التناغم ايضا هو
معيار جمالي وقد لمست الفنانة التشكيلية انغام محمد اشتراطات اشتغاله , حيث
جعلت اطار الموازنة عبر امكانات اللون وقدرته على تنظيم المظهر الجمالي
للوحة وعبر ادارة ومهارة فائقة , فشكلت لوحات نساء منتظرات مستوى متميزا
الى حد ما عبر تفسير النقد الفني والرؤية النقدية للفن بفاعليتها الثقافية
الداعمة لافكار الفنان بكل مستويات افتراضاتها ودعمها الموضوعي لتجارب غير
نمطية ومستويات انجازيملك تفسيرا حداثيا للفن , وتلك هي مهمة الابداع في
الاداب والفنون , حيث من الضروري تأكيد حيثيات التجربة بمستوى المعاصرة ,
ولوحات نساء منتظرات للفنانة التشكيلية انغام محمد جواد اموري كانت مثالا
ملموسا للمعاصرة وانعكاسا لبعد اجتماعي حساس ,وقد اثرت اللوحات ذلك الاحساس
بمستوى التفهم الفني للقيمة الاجتماعية , حيث عكست اثر ذلك في النفس
الانسانية بوضوح الفكرة وتجليها لونا ودلالة .
|
الابداع الفني العراقي ونبض الحياة
يحيى الشيخ
فيما كان العراق يشرف على منعطف بالغ الأهمية في تاريخه أثر قيام الحرب
العالمية الثانية, كان الفن العراقي يمر بفترة ارهاص شديدة القسوة والعمق,
من خصائصه أن تجاوب مع ايقاعه الفنانون المبدعون من ذلك الجيل الذي كان
يسمع عن قرب نبض الحياة , ويعرف في اي الدروب تمر شرايين المجتمع واعصابه
المشدودة.
دللت حركة الفن التشكيلي العراقي على حيوية فريدة في تفاعلها الذاتي
وفاعليتها الاجتماعية , فلقد كان لهاثها يسمع في صدر الثقافة الوطنية عاليا.
فالحرب, بكل تداعياتها, أضافت وضاعفت المؤثرات في حركة الفن...ومن ابرزها "
التوجه الى الفن الحديث من جهة, والبحث عن شخصية وطنية من جهة اخرى ".
لقد شكل اكتشاف الفن الحديث - الانطباعية تحديدا - انعطافا حادا في حياة
الرسم ونشاط الفنانين الذاتي, وفي مسيرة الفن عموما. لربما تم هذا الاكتشاف
" صدفة " كما يقال عن طريق لقاء الفنانين العراقيين الشباب ببعض الفنانين
البولونيين في احدى قاعات العرض في شباط 1942 في بغداد ... والذي شكل على
حد تعبير النقد السائد "بداية المرحلة الهامة الاولى في حركة الفن العراقي
الجديد". لكنه في تلك المناسبة "السعيدة" في حياة الرسم العراقي ولدت أكبر
عقدة واجهت الفنان في مسيرته الفنية , نمت وتطورت مع تطوره , هي عقدة البحث
عن معادل وطني لأساليب الغرب الفنية ..معضلة صهر حضارة اوربية متكاملة
ببوتقة ثقافة محلية في طور التأسيس. باعتماد صريح على النفس, أقدم الفنان
العراقي على مغامرة " الحداثة "محمولا على تيار التجديد الذي جرف الثقافة
العراقية الى مديات شاسعة, بتجربته الذاتية الصغيرة "بلا خبرات ترفد بحثه"
انما بثقة مطلقة بأهمية ما يقدم عليه " فخضعت اكتشافاتهم الأولى الى طيش
التجارب التي ألهبت ظهورهم ". في 1944 كتب جواد سليم يؤكد الحالة ذاتها ..(كانوا
قلائل تحدق بهم المصاعب من كل جانب في عملهم الابداعي, وتهيئة الجمهور
للفهم والتذوق. أما عملهم, فبصفتهم المنطلق الأول منذ خمسة قرون, كانت
محاولاتهم صعبة وهم يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة..)
بفعل حماسة التجديد أفلحت التجارب البسيطة التي أقدم عليها الفنانون آنذاك,
في اشاعة روح البحث في معطيات الحياة العراقية, تراثها وملامحها, لكن
تجاربهم هذه أرست بهم الى ضفاف فقيرة نبهتهم الى أن زادهم لمواجهة مفازة
الفن الحديث المترامية الآفاق كان ضئيلا الأمر الذي دفع أغلبهم الى السفر
نحو المصدر الأم للفن الحديث, اوربا, للتزود بما كان ينقصهم من معارف
وتقنيات. توجه أغلبهم, تقريبا,الى بلدان اوربية مختلفة بعد الحرب مباشرة,
أمثال ( جواد سليم, نزيهة سليم, أكرم شكري, اسماعيل الشيخلي, خالد الرحال,
جميل حمودي, خالد الجادر ....)
الفنان العراقي وهو يواجه هذه المعضلة حدد مهمته التاريخية: تأسيس فن وطني,
كما يراها الباحث " سهيل سامي نادر" , فراح يبحث عن ينابيع البيئة المحلية,
وفي أروقة التراث كقاعدة لتجربته الابداعية. من جانبها وفرت البيئة
العراقية بمواضيعها وقيمها الروحية وجمالياتها التشكيلية, مضامين غنية أثرت
اللوحة وبرهنت على صواب نتائج البحث, فراح كل واحد منهم يختبر قدراته على
أساس قدرات هذه البيئة على الاستجابة التشكيلية.
على أرضية هذا الواقع يقف أمامنا, بوضوح تام, الفنان جواد سليم بحساسيتة
المرهفة ازاء الحياة, وقلقه العميق ازاء نفسه, ولوعته ازاء الرسم. تشهد
أعماله الابداعية التي خلفها, وما تقوله الوثائق "الرسمية" أنه كان مهوسا
بنزعة الحداثة يفتش عن حلول جمالية لمشاكل الرسم في ركام حضارات وادي
الرافدين القديمة, التي عايشها في المتحف العراقي خلال عمله في ترميم
الأثار, وفي الحياة الاجتماعية عن ما هو مألوف بين الناس وأصبح تقليدا ذو
عراقة, أو يفتش عنه في المتوارث من رموز الحكايات والخرافات الشعبية.
جواد سليم لم يسمح للبحث الجمالي المجرد ان يكون همه الوحيد المهيمن على
تجربته الفنية, بل أخضع الهم الجمالي لمتطلبات تجربته الفنية المنسجمة في
روحها مع التجربة الاجتماعية ذاتها مما ساهم في بلورة الطابع الوطني في فنه
.
لقد حقق جواد سليم ذلك عمليا, فأعماله المكرسة للحياة الشعبية والمستوحات
من القصص الشعبي وحكايات ألف ليلة وليلة, والتي اسماها " بغداديات "
والمفعمة بروح الواسطي والزخرفة الاسلامية والأقواس والأهلة ....تستند في
بنائها على مقومات اللوحة الأسلامية ورموزها الفكرية . فيها من الفن
المغولي ما يذكرنا بالشرق أكثرمما يذكرنا ببغداد ويعيدنا الى ثقافة القرون
الوسطى ممجدا الغرف واسرارها.
ان الموضوع الشعبي في فهم جواد سليم هو وسيلة لاثبات أصالة الفنان والمحتوى
الاجتماعي للفن ودلالته الوطنية. لتعميق هذه الصلة بحث جواد في معطيات فنون
وادي الرافدين والفنون الاسلامية التي استعار منها القيم التشكيلية الأكثر
رهافة, موسعا بصيرته لتصوير الحياة الواقعية المحيطة به, والتي حصل على
خبرته المباشرة من خلال التفاعل معها بعقله وعواطفه وباحتكاكه المباشر بها.
ربط جواد تجربته الابداعية بالعملية الاجتماعية التي أساسها موضوع العمل
وتقاليد الشعب .
ان بحث جواد سليم المستمر في مجال الأشكال والمضامين الشعبية وجد انعكاساته
في اعمال كثيرة ذات موضوعات انطوت على رموز انسانية لفقراء البلاد وكادحيها,
مبرهنا بذلك على ان الحداثة لا تلغي الواقع الاجتماعي بل تصعد من تعبيريتة
وتغني محتواه الجمالي. قدم جواد نماذج من فقراء العراق امثال منحوتاته "
الانسان والأرض 1955 " " امرأة وثور" " البنّاء 1944 " " فلاح من الجنوب "
وتخطيطاته "أطفال في الطريق 1944" "الملاريا 1941" " الطفل الميت1947 "
وغيرها من الأعمال المفعمة بروائح الشوارع البغدادية وطعم الأرض وشفافية
العلاقة مع الطبيعة وتقاليد الحياة الزاعية. لقد استهدف جواد تجسيد الصلابة
الروحية للكادحين برسمه لهم وهم يكدحون , أو يتعرضون للبلايا. لقد أدرك منذ
شبابه المبكر - منذ ان نحت رليف " البنّاء " - أن العمل وحده قادر على أن
يملأ نماذجه البشرية بالثقة والقوة المعنوية. ان الغنى الانساني لأعماله
يتأتى من غنى مواضيع العمل التي رسمها وغنى شعبية النماذج التي اختارها
للرسم ( امهات, أطفال نصف عراة, عمال, فلاحين وامراض فتّاكة). فيها بلور
الفنان مفاهيمه في الوجود ونظرته الى المستقبل كما يراها " حب الحياة
والكفاح في سبيل النظام الطبيعي ". خلف لنا جواد مجموعة كبيرة من الصور
الفوتوغرافية لمراحل من حياته الخاصة تنطوي على نماذج شعبية اختارها بود
كبير ليتصور معها .. صناع صغار, رجال ليسوا ذوي حظوة أو مركز اجتماعي,
بسطاء يشكلون بحق مواضيع للصدق والوفاء والطيبة التي كان يجلها أكبر اجلال.
في عام 1944, عندما كان في الخامسة والعشرين, نحت رليف " البنّاء " وهو أول
عمل كبير له مجد فيه أول وأهم مهنة مارسها الانسان- البناء- ومن أعرقها في
وادي الرافدين والتي ارتبطت بها أقدم حضاراته, فالى جانب المعنى الفلسفي
لموضوع البناء, استهدف جواد المعنى التشكيلي فيه فجسد البنّاء يملأ كل
مساحة الرليف بينما شغل الصنّاع الصغار ما تبقى منها..وهذا نصيبهم في
الحياة.
في مذكراته التي كتبها عن تجربته في نحت الرليف يشير الى عمق مشاعر الود
التي كان يكنها للنماذج الشعبية, واعجابه الشديد بقوتهم , يقول : "أعجبني
شكله, وما رافقه من الصور والحركة والحياة واهتمامه بعمله وتأكده منه " غير
ان جواد لم تأخذه مشاهدة "الاسطة " عن مراقبة الصنّاع الصغار " أراهم
بوجوههم الحمراء المفعمة المكسوة برذاذ الجص.." , وفي طرف اخر يرى " العمال
المساكين الذين يأكلهم المرض والجوع والبؤس.. الذين لا عمل لهم ". من هؤلاء
وحدهم كان الفنان ينتظر تزكية ابداعه ومباركته. يسترسل جواد في يومياته...
" أهم يهنئة وأعمق مديح حصلته في حياتي هو عنما تسلق البناؤون المجاورون
للمعهد - يقصد معهد الفنون الجميلة - ومعهم الصنّاع لمشاهدتها واعجبوا بها
كل الاعجاب" ...في المنحوتة رقة فرعونية يحملها اسلوب الحفر الفرعوني الذي
اعتمده الفنان.
أن " انسان " جواد سليم, في كل اعماله قاطبة, يمتلك الطبيعة ويعكس في
امتلاكه هذا الوعي الجمالي للفنان نفسه, فالعلاقات التشكيلية في اعماله هي
قرين للعلاقات الاجتماعية بالواقع. انه ينظر الى مواضيع الرسم بنفس الحب
الذي يرى فيه تقاليد الشعب المحببة الى قلبه حيث تذوب رموز الحياة في
وجدانه . من حياة العراقيين اغترف جواد سليم المحبة والطيبة والفرح الدفين
واكتنزها في لوحاته.
في لوحته " بغداديات ولوري " يصور لوري يدخل شارعا ضيقا.. هكذا ببساطة!!
للوهلة الاولى ترى الشارع والبيوت كلها تكاد تركب الحافلة الملونة , وكذلك
يفعل الأطفال المشاكسون , أما اللوحة ذاتها فتكاد تنفجر من الفرح والدهشة .
يندر في تاريخ الفن العراقي فنان فكر وحلم ببغداد ورسم لها مثلما فعل جواد
سليم. تراه أحيانا يتعامل معها كما يتعامل مع عجوز ضريرة يضع بين يديها ما
فقدته في طريقها... وأحيانا كالطفلة أهملها الكبارو يضعها على كتفه وبركض
بها حتى تغرق بالضحك , وأحينا مثل ام رؤوم ينام في حضنها وهو يحلم بالعدالة.
لقد أخذ جواد من بغداد كل ما هو آيل للسقوط, مألوف حد الاهمال, فأسنده على
دعائم جمالية من روحه فأخذت المدينة تستعيد في فنه صحتها شيئا فشيئا, أقامت
أعراسها واجتذبت طبول الفرح في الطرقات, الأطفال والصبايا. عشرات الناس,
آكلي الرقي, تضيع ملامحهم في غبار الحياة اليومية وحركة الناس.. أما في
لوحة " صبيان يأكلان الرقي " فأن الصيف يستعيد جفافه وضياء الشمس الشرسة
يأكل متعة النظر الطويل للأشياء..حدود الوانه خشنة ويابسة تعرضت طويلا
للعطش. أعاد جواد سليم لجماليات بغداد التي ألقت بها الحياة على هامشها
نبضها الاجتماعي. ربطها من جديد بشريان نموها الطبيعي, بعلاقات جديدة مع
الواقع الحي . الأهلة التي ظلت منذ ولادتها تسبح في سماء الله قطفها جواد
ووضعها في أيدي الصبيان أشيافا من الرقي يأكلونها, وللنسوة رداء بدل
العباءة .. الزخارف التي أغلقت عليها نوافذ الباشوات ربطها الفنان بخيط
طويل وأطلقها في سماء اللوحة طائرات من ورق, لوحة " أطفال يلعبون 1957 ".
مأثرة جواد انه وضع رموز الماضي في مناخ اجتماعي معاش كانت تزخر به اللّوحة.
لم تكن الرموز لديه تشير الى نفسها فقط , انما ساهمت في احياء الحاضر
واغنائه , وضمن شروط الحاضر هذا, الذي استأثرت فيه الحداثة لدى جواد سليم,
استعادت الرموز دلالاتها الجمالية وأهميتها التاريخية مجددا, وبرهنت على
ديمومتها وقدرتها على معايشة الواقع بسهولة. لقد أعاد جواد , بفعلها,
الاعتبار لتواريخ منسية, ولثقافة شعبية لا غنى للثقافة الوطنية عنها.
استعمل الفنان رموز التاريخ من خلال لغة تشكيلية سلسة ساهمت في تعريف
الرموز ذاتها, مما صعد في دلالاتها مناسيب الاحساس الانساني الصادق.
جواد البياتي
جواد البياتي
فيكتور هيجو صاحب ملحمة (البؤساء) كانت له ميول فنية برزت متزامنة مع نزوعه
الادبي في الكتابة، ففي سن الحادية عشرة من عمره كان يختار لنفسه مكاناً
قصياً في الفصل ليملأ كراسه بالرسوم والصور لذاته ولمدرسيه، وظل على حبه
للرسم لحين سن الثانية والثلاثين حيث تبلورت ميوله فأعتنق الأدب بعد قيامه
برحلات طويلة في أرجاء فرنسا سجل فيها عن طريق رسومه ما كان وافياً لتلك
الرحلات وقد قيل عنه انه وريث للمدرسة التقليدية وكانت عزلته الشخصية
وانطوائيته سبباً في اتخاذ الالوان والكلمات اصدقاء له فأختزل رسومه
باللونين الابيض والاسود وكان جريئاً ومغامراً في اعماله ومن هذين اللونين
وتدرجاتهما اتخذ معبراً في كل اعماله الفنية في الرسم.
في اواسط القرن التاسع عشر أدمن فيكتور هيجو على جلسات استحضار الارواح
وغدا منزله مسكوناً بالموتى والمفقودين فاصبح يرسم ما يترآى له من خلال هذه
الجلسات من أشباح وظلال حتى أنه اصبح يرسم هواجسه وعذاباته فلامس بذلك
مواقع السوريالية والفن التجريدي فتعامل مع الرسم بشكل صوفي فكانت رسومه
خروجاً على الممكن وانغماساً في الحلم. فكان هيجو يترك رسومه تخرج من
الالوان كما يخرج التمثال من الحجر فهو لا ينطلق من معنى محدد او هدف مقصود
بل من ذاكرة مفقودة ووعي بكر فهو كالاطفال الذين يكتشفون في غيوم الربيع
المتناثرة اشكالاً يحبونها والواقع ان النقاد ينظرون الى ذلك بأنه اصل الفن
فتنظيم وترتيب وتنسيق الاشياء والبحث عن تشكيل جديد لها هو اصل العمل الفني
وهكذا كان هيجو الرسام يستخدم كل ما من شأنه ان يخلق تشكيلاً جديداً مثل
القهوة والحبر وقلم الرصاص والفحم ومعجون الاسنان وعصير بعض الفواكه فعندما
تكون فوق الورق فهي تشكيلات رائعة في إطار اهتماماته الفنية فقد خلط بذلك
بين اللهو والفن فالغى كل الحدود التي تقف بينهما بعد ان تعامل مع الرسم
بشكل عفوي بريء وعشوائية حتى ان البعض عد اعماله من قبيل التسلية وسد
الفراغ.
فيكتور هيجو (الرسام) كان يصر على ان اللون الاسود ليس لوناً واحداً فقد
استطاع وبحس متميز ان يحلل هذا اللون ويفككه ويجعله درجات فهو عنده بين
الاسود الداكن وبين الابيض الشفاف. ومع ان لوحاته كانت بحاجة الى الوان
اخرى، لكنه كان يصر على لونه المحبب حتى انه عرف باسم (اللون الهيجو لياني)
نسبة الى هيجو ولاشك ان لحياة المنفى التي قضاها في الجزر النورماندية جعله
يأنس بالنقيضين على حساب الالوان الاخرى. فلا غرابة بعد ذلك ان يعد نقاد
الفن المعاصرون فيكتور هيجو واحداً من مؤسسي المدرسة التجريدية. ولعل اكثر
اللوحات جمالاً تلك التي تمثل اسم (فكتور هيجو) حروفاًمتطايرة تجمعت حول
كلمة المنفى، وقد اعتبرها النقاد بأن فيها اشباعاً لمعاني الاحباط والهزيمة.
ولعل أكثر اللوحات جمالاً تلك التي تمثل اسم (فكتور هيجو) حروفاً متطايرة
تجمعت حول كلمة المنفى، وقد اعتبرها النقاد بأن فيها اشباع لمعاني الاحباط
والهزيمة. |