مارس
10

 اتفاقية الحادي عشر من آذار .. والحقوق المشروعة للشعب الكوردي

فاضل عباس الجاف
بعد فراق دام اكثر من اثني عشر عاماً عن وطنه عاد الى بغداد البارزاني الخالد من الاتحاد السوفيتي السابق عن طريق جمهورية مصر العربية التي زارها بدعوة كريمة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نصير الشعب الكوردي، ولحين انجلاء الامر وبعد مرور عام على هذه المؤامرة وللاستفادة من تجارب الماضي قررت القيادة المؤقتة للبارتي مواصلة النضال المسلح واعلان ثورة كولان في السادس والعشرين من تشرين الاول عام 1976 التي هي امتداد لثورة ايلول المجيدة وبجهود الخيرين والمناضلين من ابناء شعبنا الكوردستاني وكان مهندس المصالحة الوطنية الفقيد ادريس البارزاني له الدور المشرف مع المناضل مسعود البارزاني واخوانهم الاخرين.
 وكان البارزاني الخالد قد وصل الى مطار المثنى يوم السادس من تشرين الاول عام 1958 عانى ورفاقه المناضلون من الحياة الشاقة والمليئة بالصعاب  وكان في استقباله الوفود الرسمية والشعبية فاق كل التطورات حيث بلغ مستقبلوه الالاف من ابناء شعبه الكوردي ومن اخوانه العرب ومن الاقليات الاخرى الذين حضروا من مختلف محافظات العراق واستقبلوه استقبال الابطال، وكان كورد بغداد وكوادر البارتي وانصاره مع جمع من وفود الاحزاب الوطنية من ضمن المستقبلين، وقد حل البارزاني الخالد ورفاقه في فندق سميراميس ضيفاً على حكومة الثورة..
وفي اليوم التالي قام البارزاني الخالد بزيارة الزعيم عبد الكريم قاسم واعضاء قيادة الثورة وقدم لهم البارزاني باسمه ونيابة عن اخوانه الاخرين الشكر والامتنان العظيمين قدم نفسه جندياً من جنود الثورة.. وكانت الثورة وطنية المبادئ والاهداف وحظيت بدعم وتأييد جميع شرائح المجتمع العراقي وقواه واحزابه الوطنية وفي مقدمتهم الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه البارزاني الخالد، وكانت حكومة الثورة قد اقرت بالقومية  الكوردية بانها ثاني قومية بعد الشعب العربي في العراق ومن ضمن المادة الثالثة من دستور جمهورية العراق واعطاء حق الممارسة العلنية للحزب الديمقراطي الكوردستاني وقوانين اخرى مفيدة للشعب العراقي- ولكن بعد استقرار الاوضاع في البلد فاذا بحكومة الثورة لم تلتزم بتلك القوانين اذ قامت اجهزة الحكومة باظهار حقدها وعدائها تجاه البارتي وقيادته وبالاخص رمز الشعب الكوردي البارزاني الخالد وكانت تلك الاجهزة تريد من ذلك تأزيم العلاقات بين عبد الكريم قاسم والبارزاني الخالد ونجحت بذلك اذ قامت الاجهزة الامنية باغلاق جريدة (خه بات) وهي لسان البارتي ومضايقة ومطاردة واعتقال الكثير من كوادر البارتي وانصاره في بغداد وفي جميع انحاء كوردستان وجرت محاولة اغتيال البارزاني الخالد بقلم عبد الكريم قاسم حيث تم قصف مقر البارزاني في مدينة سرسنك بطائرات القوة الجوية العراقية وكان البارزاني الخالد يجتمع مع وفد رسمي حكومي برئاسة العقيد الركن حسن عبود وكان من اصدقاء البارزاني لغرض تهدئة الامور وكان البارزاني قد غير موقع الاجتماع الذي كان من المفروض الاجتماع به الى مقر آخر بعيد عن الاول ولكن ارادة الله ردت كيدهم نحو نحورهم ..
 وقامت الحكومة العراقية بتحريك قطعات الجيش لمهاجمة كوردستان ومنها مدينة بارزان بالطائرات والمدفعية الثقيلة ولعدم الايفاء بتلك الطموحات لشعب كوردستان وما جرى له من تلك الاحداث قاد البارزاني ومعه قيادة البارتي ثورة ايلول الخالدة في الحادي عشر من ايلول عام 1961، ورغم ان البارزاني وقيادة البارتي كانوا دوماً مع الحل السلمي والديمقراطي للقضية الكوردية وحل المشكلات عن طريق المباحثات والتفاوض الا ان انحراف بعض قادة ثورة 14 تموز عن مسارها الوطني وعدم تنفيذهم للوعود التي قطعوها للبارزاني ولقيادة البارتي اضطرت قيادة البارتي مرغمة الى اعلان الثورة للدفاع عن الكورد وكوردستان وكان شعارها المركزي (الديمقراطية للعراق.. والحقوق المشروعة للشعب الكوردي) وكانت الثورة نبراساً انار الدرب امام الشعب الكوردي نحو الحرية والانعتاق وهي تواجه اعتى واشرس الانظمة الدكتاتورية والشوفينية، قدم خلالها الشعب الكوردي الالاف من الشهداء والجرحى والمفقودين وتحمل اكبر مآسي العصر عبر اكثر من نصف قرن من النضال الدؤوب نحو الكرامة والحرص على المبادئ السامية وصيانة التعايش الاخوي بين مختلف قوميات واطياف الشعب العراقي، (وكان البارزاني الخالد يؤكد دائماً تمسكه بالاخوة العربية الكوردية وان الصراع هو مع حكومات ظالمة وحاقدة لا تؤمن بالديمقراطية وبحقوق شعب كوردستان وان القتال كان مع تلك الحكومات وليس مع الشعب العربي الشقيق)..
 *وثورة ايلول جمعت ابناء كوردستان على اختلاف اديانهم ومذاهبهم وقومياتهم تحت مظلة الثورة والبارزاني الخالد وقيادة البارتي كانا يؤمنان بان الديمقراطية هي الطريق الوحيد لضمان الحقوق المشروعة للشعب الكوردستاني وتمكن البارزاني الخالد بحكمته وقدرته من ان ينقل الثورة من مرحلة الى مرحلة اخرى. *في العام 1969 قامت حكومة بغداد بهجوم عسكري واسع اشتركت به جميع القطعات العسكرية بجميع صفوفها على قيادة قوات بيشمركه كوردستان في قاطع بالك لغرض القضاء وشل حركة الثورة الكوردية ولكن قوات البيشمركه البطلة قامت برد مباغت وسريع على تلك القوات الغاشمة التي منيت بافدح الخسائر بالارواح والمعدات مما اضطر النظام البائد الى البدء بسلسلة من الحوارات والمفاوضات مع قيادة البارزاني انتهت بالتوقيع على اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970 وهذا الاتفاق من اهم انجازات ثورة ايلول ومن اشهر واكبر الانجازات في تاريخ الامة الكوردية والتي جرت بين قيادة الثورة الكوردية وحكومة بغداد والتي نصت على منح الشعب الكوردي مطالبه المشروعة، ومن ايجابيات الاتفاقية انها المرة الاولى التي تعترف بها الحكومة العراقية بحقوق الكورد في الدستور العراقي وان الشعب الكوردي ثاني مقوم بعد الشعب العربي وقد عرفت العالم هذه الاتفاقية بعدالة وحقوق الكورد، وكان البارزاني الخالد وقيادة الثورة الكوردية قد فتحوا ابواب المفاوضات مع حكومة بغداد وهي رغبة صادقة ومخلصة من قبل البارزاني الى الحلول السلمية ولوقف القتال الدائر انذاك، وكان الاتفاق بحق ثمرة نضال ابناء الشعب الكوردي في تلك الثورة المجيدة، وكانت الاتفاقية تنص على اكمال تنفيذها خلال اربع سنوات من تاريخ توقيعها.. في الحادي عشر من آذار عام 1974 اعلن الرئيس العراقي السابق احمد حسن البكر مشروع الاتفاقية.. اعد المكتب السياسي للبارتي رداً حول المشروع الحكومي وليبين لهم النواقص والثغرات الأساسية فيه ومن أهمها: (الصلاحيات والحدود الإدارية للإقليم واستقطاع كركوك واقضيتها ونواحيها الكوردية ومناطق اخرى وعدم شمولها بالحكم الذاتي) بالنهاية اعتبر البارتي هذا المشروع ناقصاً ومبتوراً واقترح النقاط التي تجعله متكاملاً وطالب البارتي الحكومة العراقية ان يكون الحوار السلمي لا يزال ممكنا ودعا ايضا الى السلام وتفويت الفرصة امام احتمال تجدد القتال مرة اخرى وقوع كارثة لا تحمد عقباها قد تكون اشد هولاً من السابق وكان النظام البائد اراد استغلال الاتفاقية لغرض المناورة والالتفاف على الحركة الكوردية واستهداف رموزها الوطنية وخاصة البارزاني الخالد التي جرت ثلاث محاولات لاستهدافه لكن خابت آمالهم ومسعاهم وان حكومة بغداد تخلت عن هذه الاتفاقية بعد مؤامرة الجزائر الخيانية بحق العراق والشعب الكوردي..
اتفاقية الذل والمهانة لحكام بغداد والتي جرت فصولها في الجزائر يوم السادس من آذار عام 1975 بين صدام حسين وشاه ايران وهواري بومدين حيث تنازلت حكومة بغداد الى ايران عن القسم الاعظم من شط العرب بالبصرة وعن مناطق اخرى، مقابل تنازل شاه ايران المخلوع للوقوف ضد الثورة الكوردية وبعد تلك المؤامرة اضطرت القيادة الكوردية الى وقف نشاطها مؤقتاً للحفاظ على حياة الشعب الكوردي والمقاتلين الابطال من الغدر والتآمر الاقليمي لدول الجوار العراق،
 *قام النظام البائد في العام 1979 باعتقال وتسفير واعدام الالاف من ابناء شعبنا الكوردي من الفيليين حيث تم اعتقال الشباب من هم بعمر الخامسة عشرة من عمرهم وما فوق واعدامهم في دوائر المخابرات والامن العامة والشعبة الخامسة في الاستخبارات العسكرية وسجن ابو غريب وزج بالشيوخ والاطفال مع عوائلهم الى سجن نقرة السلمان في بادية السماوة ومصادرة اموالهم وتسفير الاخرين الى ايران بحجة التبعية الايرانية وهي تهمة باطلة اراد النظام البائد من هذه الشريحة المناضلة التي قاومت الانظمة الرجعية من تطوعها في ثورات شعبنا الكوردي الى المنظمات الجماهيرية كاتحاد طلبة كوردستان واتحاد الشبيبة الديمقراطي الكوردستاني واتحاد نساء كوردستان وقام النظام باستعمال السلاح الكيمياوي في حملاته بضرب مدينة حلبجة الشهيدة واستشهاد اكثر من خمسة الاف شهيد وتدمير اكثر من (4500 قرية) واعدام اكثر من ثمانية الاف بارزاني ومن ضمنهم سبعة وثلاثين من اسرة البارزاني الخالد واكثر من مئة وثلاثة وثمانين الفاً من ابناء شعبنا في حملة الانفال سيئة الصيت.. هكذا كان النظام البائد الذي استعمل جميع الاسلحة المحرمة دولياً في حربه ضد الشعب الكوردي ولكن صمود شبعنا امام كل محاولات القهر العنصري لابد ان تؤدي به الى الطريق الذي مهد لخلاصه من هذا النظام الشوفيني.. ونحن هنا نتساءل اين الذين قاتلوا الكورد ظلماً وبهتاناً؟ انهم غابوا في غياهب التاريخ وبقى شعبنا الكوردي اقوى واصلب للدفاع عن حقوقه المشروعة. وفي آذار عام 1991 اندلعت انتفاضة اذار ضد حكومة بغداد وتم الخلاص من هذه الحكومة العنصرية..
وان المكاسب المتحققة الان لم تأت الا بالنضال والتضحيات التي قدمها الشعب الكوردي التي رواها الالاف من الشهداء بدمائهم الزكية، وان ثورتي ايلول وكولان ستغدوان نموذجاً حياً لبناء عراق ديمقراطي فدرالي تعددي برلماني يعيش فيه الانسان امناً متمتعاً بحقوق المشروعة في الحياة الكريمة، وعلينا ان نستذكر هذه المكتسبات التي تحققت لشعب كوردستان وللعراق اليوم هي ثمرة نضال القائد التاريخي للعراق وللامة الكوردية انه البارزاني الخالد الذي اسس مدرسة نضالية عريقة وهي المدرسة البارزانية التي تؤمن بالسلام والديمقراطية والفدرالية وبحقوق الانسان وتتضمن الحقوق القومية والدينية للشعب العراقي لانه كرس حياته من اجل تحقيق مطامح شعبه ولتأمين مستقبل زاهر لابنائه خال من الاضطهاد والجور والحرمان. *ان التجربة الديمقراطية في كوردستان الان من نعمة الامن والامان وهي واحة للحرية والسلام وهاهم القادة الكورد الوطنيون صمام الامان لكل التيارات السياسية في العراق.. هي ثمرة نضال شعبنا في ثورتي ايلول المجيدة وكولان التحررية وغدت كوردستان نموذجاً حياً لبناء عراق ديمقراطي فدرالي برلماني تعددي يعيش فيه الانسان امناً متمتعاً بحقوقه المشروعة في الحياة الكريمة.. وعلينا ان لا ننسى الدماء الزكية التي روت كل شبر من ارض كوردستان وستبقى والى الابد مناراً ينير الدرب للاجيال القادمة.. تحية واكبار الى البارزاني الخالد وهو في جنان الخلد ولينعم مطمئناً ان ما كان يتمناه وناضل من اجله قد تحقق بفضل وهمة ابنائه المناضلين من ابنا شعبه الكوردي وتحية وفاء الى الفقيد الغالي ادريس البارزاني مهندس المصالحة الوطنية والى كل الشهداء الذين روت دماؤهم الزكية للدفاع عن ارضهم وشعبهم.