مارس
10

 الكورد رقم صعب في اي نظام امن اقليمي جديد

حليم الاعرجي
منذ عدة اشهر تتواصل لقاءات واجتماعات هنا وهناك في ربوع منطقة الشرق الاوسط، وبالخصوص في الجزء الشمالي منه وفي دائرة تشمل: انقرة ودمشق وبغداد وطهران واربيل. ورغم ان هذه الاجتماعات واللقاءات تعقد عادة تحت عناوين لاصلة لها بفكرة الهدف المستتر، بيد ان النشاط بحد ذاته الذي يدور ضمن هذه الدوائر، رغم ما فيها وما بها من مشاكل وعلل وازمات. يشكل ارضية يفهم منها مدى الحاجة التي ينطوي عليها موقف هذه الجهات لاي نوع من انواع التواصل.. واذا عدنا قليلا الى الخلف، نجد ان هذا الحراك هو نفسه حصل عندما كان الهدف قيام حلف يشمل العراق وايران وتركيا وربما باكستان وافغانستان لتشكيل وحدة بين هذه الدول وذلك لحاجتها الذاتية وليس لحاجة الدول الاخرى للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي كما كان يحسب البعض.
لقد ذهب الاتحاد السوفيتي، وكما يفترض ذهبت معه تصورات وتخيلات من نمط القول بان ايجاد حلف يضم هذه الدول، هو عمل موجه الى الاتحاد السوفيتي. ولكن لماذا هذا النظام الامني الجديد ولماذا هو ما يسعى اليه الساعون ويرغب به الباحثون عن شيء ما يحقق الاطمئنان للمستقبل والرضا عن الحاضر..؟
اسئلة تطرح نفسها على ارضية الواقع تبحث عن اجوبة. واذا كان حراك الامس قد اثمر حلفا عاش عدة سنوات عجاف. فلماذا عساه ان يثمر هذا الحراك الجديد..؟
علينا اولا ان نشير الى جملة حقائق اساسية غيرت وتغير الحاضر عن الماضي، فثمرة حراك الماضي رغم توفر شخصيات قيادية له على المستوى السياسي، كمندرس رئيس وزراء تركيا ونوري السعيد رئيس وزراء العراق انذاك ودلاس مهندس نظرية سياسة الاحلاف ووزير خارجية اميركا انذاك. فان الطرف الاخر حافل بشخصيات على مستوى عال من حيث القدرة الهجومية والدفاعية والقدرة القيادية على مستوى الدعاية والتحريك ضد فكرة قيام الحلف وضد فكرة اللقاء العراقي التركي الايراني اصلا. كعبد الناصر الذي كان يدعو بدلا من ذلك الى نظام امن عربي يكون العراق جزءاً اساسياً منه. الى جانب انه ولعلاقات صداقة تربطه بالاتحاد السوفيتي، كان يرى ان وجود منظمة امن اقليمي لاتعني غير انها خط هجومي جديد على الاتحاد السوفيتي، وعلى اي تطور شرق اوسطي باتجاه تطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي وتشديد عزلة اسرائيل. بمعنى اخر ان الطرف المناقض والمضاد للساعين من اجل بناء نظام امن اقليمي جديد للشرق الاوسط في ذلك الحين، هو الطرف الاقوى، بسبب امتلاكه للشارع في كل مناطق ونواحي الشرق الاوسط.
هذا الى جانب ان القائمين بالمشروع والمروجين له، فشلوا في تقديمه على نحو مقبول. لذلك فان سؤالاً من نوع: لماذا نظام امن اقليمي جديد.. يصطدم  بفراغ كبير يغلق الفكرة، ويفسح المجال واسعا امام حيثيات وتفسيرات مناقضة تجعل منه وكأنه فكرة سيئة وانها تسعى الى تحقيق اجندة معادية.
لذلك لم يكن يستطيع ان يسأل الحكومة بعد 14 تموز 1958، لماذا تحاكم اولئك الذين سعوا وعملوا وخططوا لقيام حلف بغداد..؟ بل ان الجميع ودون استثناء وجدوا في محاكمة تلك الرموز قضية وطنية تصطف مع القضايا الوطنية العليا.. وهذا بحد ذاته يثير سؤالا من نوع.. لماذا هذا الانطباع.. ومن الذي يتضرر او تضرر من هذه الفكرة؟
من المؤكد ان هذه الحالة تعطي تفسيرا واضحا لعدد هائل من القضايا التي ارتبط التحرك باتجاهها بجهل مدقع اخذ مداه في تكريس قناعات وافكار ليست حقيقية وهي غير واقعية ابدا. ومن هنا انبثق واقع السير الى الخلف ظنا انه سير الى الامام، بالوقوف ضد قضية ما في حين كان ينبغي الوقوف معها وليس ضدها.. ومن هذا الواقع يمكن الاشارة الى امثلة كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- الوقوف ضد معاهدة بورت سموث.. في حين كان الواقع يفرض الوقوف معها لانها كانت تنهض على تغيير جوهري في السياسة البريطانية تجاه اسرائيل وبحسب صالح جبر، فان بيفن كان على وشك اصدار وعد يسمى وعد بيفن يلغي وعد بلفور ويعد باقامة وطن فلسطيني يهودي مشترك.
2- الدعوة الى اتحاد فدرالي عربي، في وقت ان الكورد لم يحصلوا بعد على حقوقهم الثقافية ولاحقهم في الشراكة بادارة ضمن الاقطار العربية الساعية للاتحاد الفدرالي او الوحدة العربية.
3- الوقوف ضد فكرة النقطة الرابعة مع انها كانت اصلا فكرة اميركية تسعى الى مساعدة بلدان المنطقة في مجال التنمية والتقدم كما حصل لدول جنوب شرقي اسيا.
4- رفض الدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل لتسوية الوضع على اساس قرار 242وقرار التقسيم الصادر عام 1948 .  5-رفض التعاطي مع مشروع الحكم الذاتي الحقيقي الذي تقدمت به الثورة الكوردية منذ اواسط الستينيات من القرن الماضي، كحل صادق وحقيقي للقضية الكوردية التي استنزفت الامكانيات والقدرات واضاعت فرصا حقيقية للتطور والتقدم والحقت اضرارا مادية وروحية في هيكل الدولة العراقية في علم النفس الاجتماعي والنسيج الوطني العراقي. نكتفي بهذا القدر، لان الاصل في ايراد هذه الامثلة هو فقط للاشارة الى ما حصل من رفض سابق لمشروع نظرية نظام الامن الاقليمي الجديد او البديل، من هنا فان المساعي المبذولة الان بهذا الاتجاه، لاتلقى ما واجهته محاولات الخمسينيات من القرن الماضي. مضاف الى ذلك جملة من المستجدات التي يمكن اعتبارها عناصر ايجابية طرأت لصالح فكرة المشروع في الشكل والمضمون منها:
1- ادراك عام للاهمية الستراتيجية التي ينطوي عليها هذا المشروع.
2- لايستهدف جهة معينة، فهو كما ينبغي ليس مؤسسة هجومية عدوانية ضد احد او جهة ما.. بل هو اصلا ليس منظمة عسكرية، بقدر ما هو مؤسسة امنية دفاعية انمائية القصد منها في المدى البعيد والقريب، هو خلق فرص اكثر واكبر واوسع واشمل للتقارب والتعاون وتبادل الخبرات والفوائد واتاحة فرص افضل للتطور السريع والمتوازن وكذلك فتح مجال للتكامل الاقتصادي والستراتيجي، فليس غريبا ان يعلن وزير خارجية تركيا امكانية الاستفادة من البصرة وميناء ام قصر والموانئ العراقية الاخرى لتصدير البضائع التركية وهي فرصة متاحة على مستوى كل الاطراف المستفيدة في النظام الجديد.
3- عدم اهمال الشعب الكوردي ودوره الحيوي في المنطقة ومن خلال حكومته التي هي جزء من العراق وفي ذات الوقت هي جزء حيوي من نظام الامن الاقليمي، اذ بدون تعاون حقيقي مع الكورد وفهم دقيق لمشكلاتهم وتأمين متطلبات اسهاماتهم الحيوية في ترسيخ مفاهيم السلام والتعاون البناء، تصبح كل المساعي غير ذات نفع حقيقي.
ان ادخال الكورد في عمليات البحث في امكانية قيام نظام امن اقليمي جديد يعبر عن نضج في فهم طبيعة الكيفية التي يمكن اعتمادها للوصول الى الصيغة المثلى المطلوبة فالخطاب الذي اعتمدته الجهات ذات العلاقة في تركيا وايران وفي غيرهما يدل على وجود تغير نوعي واضح في اطار التعامل مع الكورد كجهة لها دور لايغيب او يهمش على صعيد امن واستقرار المنطقة. وبالتالي فان ادخال كوردستان العراق كجزء اساسي ورئيس في ترتيبات نظام الامن الاقليمي امر لايمكن تجاهله.
4- لايقفز على حاجات المنطقة الاساسية والملحة، بل هو ومنذ اللحظات الاولى للتحركات المتواصلة للوصول بترتيباته الى السقف المطلوب، وضع الكثير من الامور التي تشكل نقاطاً حساسة ولها دور كبير في رسم منعطفات ومنحنيات العلاقة بين اطراف النظام الجديد، ومن بين هذه النقاط، موضوع (المياه) وارساء قواعد الاستفادة من هذه المياه في اطار الاسس التي تتناول الامور الاخرى المشمولة بسياق التفاهم والتعاون، فليس معقولا ان يكون توازن في الاستفادة من النفط ومن الغاز ومن الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والموانئ ولايستفاد من المياه رغم ان المياه لاترتقي في سلم اوليات التجارة الحرة بين الكتل الاقتصادية والسياسية في العالم الى درجة او مصاف السلع الستراتيجية كالطاقة مثلا, ولكن مع ذلك، فان الذي يريد ان يرسي علاقاته الامنية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاعلامية والتربوية والاجتماعية على اسس وثوابت ستراتيجية ثابتة ومستقرة وبعيدة عن المتغيرات والهزات المزاجية. عليه ان يضع في حسابه ان ينفتح باتجاه مبدأ الابواب المفتوحة، ولكن في سياق يضمن الاخذ بنظر الاعتبار يعطي الاقل تطورا فرصا للتطور والنمو تجعل مسألة اللحاق بالاكثر تطورا مسألة قابلة للتنفيذ والافان اللقاء يكون لقاء اعرج غير متوازن يطلق يد المتطور اي بصراحة اكثر يطلق يد تركيا اولا وبنسبة اقل ايران، في تصريف بضائعهما وامورهما الاخرى، اما العراق وبنسبة اقل سوريا مثلا فيتحولان الى مجرد سوق لتصريف فائض الانتاج الصناعي والزراعي لتركيا وايران. وهذا امر لايمكن القبول به من اية جهة في العالم. واذن فان قضايا المياه ينبغي حسمها وفعلت الجهات المعنية حسنا عندما اخذت هذه التضحية مأخذ الجد.
5-ان هناك معطيات ذاتية وموضوعية ولدت القناعة الكاملة لدى الجميع، بان نظام امن اقليمي جديد، اكثر من ضرورة كمرحلة اولى تخلق فرصاً افضل لتكتل اقتصادي بشري له امكانيات وطاقات وقدرات تصنعه في مركز دولي مهم جدا.
تلك الامور وغيرها جعلت منه قضية ممكنة التحقيق تحت ظل وقائع ومعطيات ذاتية وموضوعية. وهذه كلها امور ليست انية او شكلية، بل هي تعبير عن حاجة ملحة ليس على مستوى الحكومات وحسب، بل وايضا على مستوى الشعوب التي كانت ولاتزال تتطلع الى وجود اسس وقواعد ثابتة لتعايش سلمي ايجابي يبعدها عن حالة الاوضاع الاستثنائية المدمرة التي سادت ومازالت في مناطق شاسعة حولتها الى ساحة معارك دامية جلبت معها التعاسة والالام، ومظاهر التخلف وارجاع التأخر والحرمان من اية فرص حقيقية للتقدم والنمو.
ولكن يظل سؤال اساسي ورئيس ينتظر منا الاجابة الصريحة والواضحة وهي التي تشكل حجم الزاوية في الايمان بواقعية التفكير بضرورة وجود نظام امن اقليمي جديد، ينهض على مكونين تعامل ويتعامل معهما العراق. وهو هل يا ترى شكلت البيئة الاقليمية التي يعيش فيها العراق، دافعا حقيقيا لاقناعه بضرورة واهمية الدخول في مجال التعاون لبناء نظام امن جديد، يحل محل نظام امن ثم تنظيم شهادة وفاته يوم تركوا فيه العراق تفترسه قوى الغزو دون اية مساعدة او معونة ظاهرة او مستترة..؟ الجواب عن هذا السؤال هو موضوعنا في الحلقة الاخرى من هذا البحث.