نظرة نقدية في مستقبل الهجرة الكوردية الى خارج الوطن
عمر علي اميدي
الذي دفعني للكتابة حول هذا الموضوع ، ما تناقلته بعض وكالات الانباء ،عن القاء القبض على سفينة تحمل عدداً كبيراً من المهاجرين ، في عرض البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل فرنسا ، وعلى متنها مئة مهاجر كوردي بينهم عدد من الأطفال والنساء ، مما فتح ذلك الباب مفتوحاً أمام التأويلات واللمز ،وهذا الأمر مخيف بحد ذاته ، مما يعنى أنه مازالت هناك اسباب تدفع هؤلاء لمثل هذه المجازفة ، اي المخاطر الناجمة من الهجرة بصورة عامة ، وغير القانونية بصورة خاصة ، فضلاً عن الزيارة الأخيرة للسيد رئيس الأقليم لواشنطن ، ولقائه بحشد كبير من ابناء الجالية الكوردية في الولايات المتحدة ، ومعظمهم من الذين تركوا كوردستان، لاسباب قاهرة ، ومن قراءة للقاء السيد الرئيس، يتبين لنا جلياً أن الهجرة تحمل في طياتها مقومات سلبية وإيجابية ، وتحددها الظروف الموضوعية ،وموقف الجالية من ترجيح الكفة -
تعتبر الجالية الكوردية اليوم ،من الجاليات الكبيرة في خارج وطنها ، وظاهرة الهجرة من كوردستان لم تبرز بشكل مكثف إلا بعد إتفاقية الجزائر والأنفال والهجرة المليونية ، وتوزعت على عدد غير قليل من الدول ،ولاسيما اوربا وعلى رأس القائمة تأتي المانيا والسويد والولايات المتحدة واستراليا وكندا واليونان ،وبعض الدول الأقليمية ،ويتزايد القلق يوماً بعد يوم في بعض اجزاء كوردستان ، جراء تزايد الهجرة و اتساع النزوح ،حتى باتت تشغل بال الكثيرين ، مع عدم وجود إحصاء رسمي عن عدد المهاجرين بصورة عامة ، والغريب في الامر ان هذه الهجرة ، تاتي بالذات في الوقت الذي تمرفيه كوردستان بمرحلة صعبة ، تعتبرمن المراحل الحاسمة في تاريخها الطويل .
من المعلوم ان هذه الظاهرة لا تقتصر على كوردستان وحدها ، وانما هي ظاهرة عالمية ،إلا أنها تتميز في كوردستان بخصوصية يقل نظيرها ، فلها تداعيات خطيرة، لأن أوضاع الشعب الكوردي الديمغرافية والسياسية ، تختلف كلياً عن أوضاع بقية دول وشعوب العالم ، حيث أن معظم الحكومات التي يعيش الكورد تحت حكمها، تنظر إلى الكورد ، نظرة تشوبها الريبة والحذر، وتحاول إحداث تغلغل في ديمغرافية كوردستان ،و دفع أبناءها للهجرة إلى الداخل و الخارج ، مع استيطانها واحلال شعب غريب محل الشعب الأصلي ، من منطلق قومي متطرف ، بعد خلق مبرراًت ، وذرائع شتى ،لايستسيغها حتى الجاهل.
اذكر أن بداية الهجرة القسرية لكورد العراق تمت في عهد الدولة العثمانية إلى شمال أفريقا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ولاسيما إلى ليبيا ،وبعدها أقدم ستالين على تهجير كورد جمهورية كوردستان ذات الحكم الذاتي ، من اذربيجان وارمينيا وجورجيا إلى كازاخستان وسيبريا خلال الفترة من عام 1935 -1944 ، ومن أبشع الجرائم كانت تهجير عشرات الالاف من الكورد الفيليين إلى إيران من قبل القوى الطاغية دعاة الإنسانية المزيفة إذا ما اجريت دراسة ميدانية لاسباب الهجرة في العالم ، تجد أن تدهور الحالة الإقتصادية ، تتقدم على كل الذرائع ، بخلاف كوردستان حيث قد يكون هذا السبب الأخير في الحالات الإعتيادية ،ناهيك عن الظروف الشاذة مثل ، الحصارالإقتصادي الذي فرضته الأنظمة المتعاقبة على الحكم ، ولاسيما النظام السابق بعد انتفاضة اذار 1991 ، مما خلق أزمة إقتصادية خانقة ، حيث كان غرضها عاملين الجغرافي والديمغرافي لخلق الإستياء العام في كوردستان ومضايقة الشعب الكوردي ،لاجباره على الرحيل وتفريغ كوردستان من الوجود الكوردي وكما قلنا سابقاً ، ولكن نستطيع أن نعول السبب الرئيس الى الإضطهاد القومي ، وعدم الاستقرار السياسي ، والقيود المفروضة على الحريات الفكرية والاكاديمية ،فضلاً عن النكسات المستمرة التي حلت بالشعب الكوردي، وخاصة حرب الإقتتال الداخلي ، وهناك سبب مهم اخر هو شعور الشباب بالإحباط ، ولاسيما خريجي الجامعات، لعدم توفر فرص العمل، وارتفاع تكاليف الزواج، مع فقدان الثقة على الصعيد السياسي، والتناقض الواضح ، بين ما كان في ذهن الكثيرين وماهو الواقع الجاري ، مع انتشار الفساد المالي والإداري ، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا قلما تجد من بين المهاجرين هجرة الأدمغة ، حيث ان جلهم من اصحاب التحصيل العلمي المحدود، أو بالأحرى من العمال والفلاحين والكسبة ، ولا ننسى أن الغيرة لعبت دوراً رئيسا في عملية الهجرة ، والبعض الاخر كان يحدوهم الامال والاحلام الوردية ، فوجدوا الغربة جحيما لاتطاق ، ولكن اصبح من الصعب الرجعة ،فاثروا البقاء على محنتهم ، خوفا من الشماتة ، ونستطيع ان نقول ان معظمهم ، يزاولون الأعمال الخدمية ويستنكفون مزاولة نفس العمل في وطنهم ، لاندري ماهي العبرة من هذه الإزدواحية ، وبما ان ظاهرة الهجرة اصبحت عامة تستدعي اظهار مزاياها وعيوبها ، وخاصة المتعلقة بالكورد -
1 - الكثيرون يجهلون طبيعة الخطر الذي تمثله الهجرة ، حيث ينخرطون بمرور الزمن مع المجتمع الجديد، الذي يعيشون فيه ، وستكون المحافظة على هويتهم القومية ، محل شك في المستقبل ، ولاسيما الأجيال القادمة ، وان علاقتهم بقوميتهم ستكون ضعيفة حتى ان البعض منهم لايحمل من القومية حتى الاسم ،ويضطر مرغماً على أن يكون جزءاً منها ، ويتطبع بكل العادات والتقاليد والعلاقات الإجتماعية التي تتميز بالضعف والفتور ، ويدع كل أحاسيسه القومية ولغته وآلام وأهات أبناء شعبه ، والبعض منهم إنخرط في احزاب تلك الدول من الآن ، حتى وصل القسم منهم إلى البرلمان ، ومنهم من لم يزر كوردستان منذ هجرته حتى الإن -
2 - نستطيع ان نقول ان نسبة لايستهان بها من المهاجرين من اهل القرى والارياف تركوا قراهم مما اثر بصورة مباشرة على تغيير التركيب الديمغرافي على المدن والقرى ومن المؤسف ان نقول ان نسبة الهجرة بين الاخوة المسيحيين كانت اكثر بكثير لانهم بطبيعتهم لهم ميلا شديدا للهجرة اكثر من غيرهم. 3- الهجرة أثرت بصورة مباشرة على نسبة الكورد إلى بقية القوميات الكبيرة التي تعيش معهم ، مما أحدث خللاً واضحاً في النسب ،وصعوبة إمكانية التعويض في النقص الحاصل جراء الهجرة ،لأسباب عدة منها : إنخفاض معدلات المواليد ، جراء انتشار ظاهرة، تحديد النسل جراء صعوبة مشاكل الحياة و الزواج المتاخر ، ارتفاع نسبة العزاب والعوانس جراء ارتفاع تكاليف الزواج، مع تاثير المواد الكيمياوية للانفال على إنخفاض معدلات الخصوبة ، مع إنخفاض متوسط العمر، حيث ان عدد المسنين في عد تنازلي في العقود الأخيرة وكان ذلك واضحاً عند تحديد الزيادة الحاصلة في مقاعد المحافظات ، حيث كانت اقل النسب في الأقليم ، فقد كانت نسبة السليمانية صفراً من الطبيعي أثر ذلك على النسبة الاجمالية لمقاعد الاقليم مقارنة لاجمالي المقاعد مما يقل من تاثيرها في اصدار القرارات لصالحها راينا كيف ان البعض اعترض على النسبة سبع عشرة في المئة ، عند تحديد نسبة ميزانية الاقليم 4 - من الناحية الأخرى اسهمت مدخرات المهاجرين بدور كبير في الإستثمار العقاري بصورة خاصة وفي التجارة، وتسهم في رفع القدرات الإقتصادية و أنقاذ الكثير من العوائل من براثن الفاقة و الفقر وتغطية مصاريف عوائلهم في الوطن ولاسيما قبل سقوط النظام ، أبان فرض الحصار الكلي -
5 - الكثير من أبناء وأحفاد الجالية إنخرط في التعليم ، وحصولهم على الشهادات العلمية ، بامكان من يعودإلى الوطن خدمة شعبه ، 6 - يلاحظ من عودة بعض المهجرين من اليد العاملة المتخصصة إلى الوطن ،ادخال بعض التقنيات و المبتكرات والأمور، التي تعلموها ، وهي بادرة حسنة ، 7 - لابد من الاعتراف بحقيقة جوهرية ،كان ولايزال للكثير من المهاجرين دور بارز في تعريف وإظهار الصورة الحقيقية لمعاناة الشعب الكوردي، وما يتعرضون له من اضطهاد للعالم ،مع فهم المجتمع الغربي محن الكورد وخاصة المنظمات والافراد عن طريق الندوات واللقاءات والمظاهرات وقيام البعض منهم بالتنسيق مع المنظمات المعروفة والأفراد ومنهم من له وزن في مجتمعهم على المستوى الرسمي والشعبي ،و تهيئة الفرص المناسبة لدعوتهم الى كوردستان، واستطاعوا اقناع البعض من هذه المنظمات في اقامة مشروعات خيرية ، ولايمكن إنكار دور هذه المنظمات في إعمار كوردستان والبعض الاخر إثار حقوق الشعب الكوردي في المحافل الدولية والشعبية واخيراً على حكومة الأقليم ، دراسة موضوع الهجرة دراسة علمية ، عن الاسباب التي تدعو أو تدفع المواطن إلى الهجرة بتجرد تام ، مع وضع الحلول الناجعة لها.