ديسمبر
31

 في المكتبة العالمية .. القاموس المختصر لعلم الالسنيات

تأليف: بيتر ماتيوس
ترجمة: سعدون طاهر

مؤلف هذا الكتاب هو العالم البريطاني الشهير بيتر ماتيوس المختص بدراسة اللغات وعلم الالسنيات. وهو يقدم هنا قاموسا مختصرا عن علم الالسنيات الحديثة من مختلف جوانبها. ويحتوي هذا القاموس على ما لايقل عن ثلاثة الاف مادة تشمل كل اللغات المشهورة ونظريات اللغة الحديثة وتاريخ اللغة وعلم الصوتيات وعلم السيماتيك. أي الدلالات والمعاني او معظم الشخصيات التي اسهمت في تأسيس علم الالسنيات الذي اصبح في الاونة الاخيرة احد اهم العلوم الانسانية.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ان علم الالسنيات بالمعنى الواسع للكلمة يعني دراسة اللغات البشرية شكلا ومضمونا ثم المقارنة بينها لاستخراج القوانين العامة التي تتحكم بها. وينقسم علم الالسنيات الى فرعين كبيرين: فرع يدرس اللغات في حالتها الحاضرة، وفرع يدرسها من خلال التطورات او المتغيرات التي تطرأ عليها عبر العصور والازمان. وبالتالي فهناك شيء اسمه علم اللغة التاريخي وهو علم مهم جدا لانه يكشف لنا عن معاني الكلمات في كل عصر. فالكلمة في كل عصر. فالكلمة العربية مثلا قد يكون لها معنى ما في الجاهلية فاذا بهذا المعنى يتغير في الاسلام، ثم في العصور الحديثة، وقل الامر نفسه عن معاني الكلمات في اللغات الاخرى.
وبالتالي فهناك قاموس تاريخي للغة يدرس ما طرأ على معاني كلماته من تغير او تحول عبر العصور المتتالية منذ نشأة هذه اللغة وحتى يومنا هذا. ومن اشهر علماء الالسنيات يذكر القاموس اسم العالم السويسري فيردنان دو سوسير. وعنه يقول بما مناه: انه اشهر علماء الالسنيات بالاطلاق. فهو مؤسس ما يدعى بالالسنيات البنيوية التي طغت على كل العلوم الانسانية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
وقد ولد في مدينة جنيف بسويسرا عام 1857 وفيما مات عام 1913 عن عمر يناهز السادسة والخمسين. وقد اشتهر بكتابه:
(دروس في الالسنيات العامة) الذي نشر عام 1916 بعد موته من قبل تلامذته. وهذا الكتاب هو الذي اسس علم الالسنيات بالمعنى الحديث للكلمة. وفيه يبلور التمييز الواضح بين مختلف مصطلحات علم اللغة.
وقد ميز بين علم الصوتيات وعلم المعاني، فاللغة مؤلفة من حروف وكلمات وتراكيب ونحو وصرف بدون شك. ولكنها مؤلفة ايضا من المعاني والدلالات. ولولا ذلك لما اصبحت اداة التواصل الوحيدة بين البشر. وبالتالي فالدراسة الشاملة للغة، أي لغة، ينبغي ان تشمل الشكل كما المضمون في ان معا. فاللغة مؤلفة من دال ومدلول. والمدلول قد يكون واحدا في كل اللغات ولكن الدال يختلف بطبيعة الحال.
فمعنى الشجرة مثلا موجود في كل اللغات البشرية، ولكن الكلمة الدالة عليها في العربية غيرها في الفرنسية او الانكليزية او الالمانية او الروسية، الخ. من هنا تعدد اللغات وتنوعها، وهكذا يظل معنى الشجرة واحدا وتتعدد الكلمات الدالة عليها بتعدد اللغات البشرية.
ويرى المؤلف ان دوسوسير على الرغم من عمره القصير وقلة الكتب التي الفها الا انه اثر كثيرا على الفكر الحديث. فمعظم اقطاب البنيوية قرؤوه وطبقوا منهجياته ومصطلحات على مجالاتهم المعرفية. هذا ما فعله تودوردف ورولان بارت وجيرار جنيت في مجال النقد الادبي.
حيث بلوروا نظرية جديدا انطلاقا منه. وهذا ما فعله كلود ليفي ستروس في مجال علم الانتروبولوجيا. فقد استفاد كثيرا ايضا منهجيات دوسوسير ومصطلحاته، وقل الامر نفسه عن ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجاك لاكان.
واما عن مادة البنيوية فيقول القاموس ما معناه:
انها عبارة عن تيار جديد في ساحة العلوم الانسانية، وقد استفاد كثيرا من سوسير وعلم الالسنيات لبلورة منهجيته ومصطلحاته. وتتميز البنيوية كتيار كبير في النقد الادبي بما يأتي: دراسة العمل الادبي دراسة شكلانية خارجية، أي تركز على الكلمات والعلاقات الكائنة بينها اكثر مما تركز على دراسة المعنى.
انها تشرح النص تشريحا لكي تعرف كيف الفه الكاتب او كيف ركبه لغويا. والبنيوية جاءت كرد فعل على النقد التاريخي الذي ساد القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وهو نقد يركز اولا على دراسة حياة المؤلف وعصره وظروفه ويربط كل ذلك بالعمل الادبي الذي انتجه سواء اكان شعرا ام نثرا. ولايهتم كثيرا بالبنية الداخلية التي تشكل النسيج اللغوي للنص.
اما البنيوية فتركز كما قلنا على التفكيك الداخلي للنص او تحليل علاقاته اللغوية ولماذا يورد المؤلف كلمات معينة بدل كلمات اخرى، او لماذا يستخدم حروف الجر مثلا اكثر من غيره، الخ. ولكن البنيوية بدورها تطرفت جدا حتى اصبحت مملة ورتيبة.
لماذا؟ لانها تحولت الى احصائيات ومعادلات رياضية وافقدت الادب طراوته ومعناه. فالنص اصبح على يديها جثة مشرحة ميتة.
فما معنى منهجية نقدية لاتهتم الا بالشكل الخارجي وتهمل المدلول او المضمون؟
لهذا السبب فقدت البنيوية مصداقيتها في السنوات الاخيرة وانقلب عليها حتى روادها الاوائل من امثال تودوروف نفسه. فقد اصدر قبل بضعة اشهر كتابا يتوب فيه ويتراجع عن البنيوية الشكلانية الفارغة التي قتلت الادب وطراوته وجماله.
واما عن العالم الشهير رومان جاكسون الذي لايقل اهمية عن دوسوسير فيقول القاموس ما معناه: ولد عام 1896 في موسكو ومات عام 1982 عن عمر يناهز السادسة والثمانين. وكان من اشهر علماء الالسنيات في القرن العشرين الى جانب سوسير. وقد اشتهر بالتحليل البنيوي للغة، والشعر، والفن.
ومعلوم ان قام مع عالم الانثربولوجيا كلود ليفي ستروس بالتحليل البنيوي لقصيدة شهيرة لشارل بودلير. واصبح هذا التحليل النموذج الذي يحتذى بالنسبة للنقد البنيوي في كل انحاء العالم. لقد قاما بتشريح قصيدة لودلير من اولها الى اخرها تشريحا لغويا، بنيويا، شكلانيا، محضا.
ولكن ماذا بقي من هذا التشريح الان، لاشيء تقريبا. كل ما فعلاه هو انهما قضيا على طراوة القصيدة وابداعها. وهنا تتبدى لنا محدودية النقد البنيوي للادب. لاريب في انه مفيد كمرحلة اولى، ولكن لاينبغي الاكتفاء به وانما ينبغي الانتقال الى دراسة المعنى فور الفراغ منه، والا فان التحليل البنيوي الشكلاني يظل عقيما لاجدوى منه.
ثم يردف المؤلف قائلا:
لقد ولد جاكسون في عائلة روسية يهودية ثرية. ومنذ نعومة اظفاره كان مسحورا باللغة واسرارها. ولذلك راح يتخصص في علم الالسنيات بعد ان اتقن عدة لغات. ثم اصبح عضوا في الحلقة اللغوية التي تشكلت في موسكو في بدايات القرن العشرين او قل الثلث الاول منه. كما وانخرط رومان جاكسون في الاوساط الطليعية الروسية من شعرية وادبية وفنية.
ثم هاجر رومان جاكسون الى الغرب بعد الثورة البلشفية هربا من الشيوعية. واكمل شهادة الدكتوراه في مدينة براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا انذاك. وهناك اسس المدرسة اللغوية لبراغ. ثم غادر براغ في بداية الحرب العالمية الثانية متوجها نحو البلدان الاسكندنافية، وعندما وصلت الحرب الى هناك هاجر الى نيويورك.
وهناك التقى كلود ليفي ستروس وشكل معه الجامعة الفرانكفونية للادباء المنفيين. وعندئذ شكلا الحركة البنيوية هو كعالم الالسنيات وليفي ستروس كعالم انثروبولوجيا. وفي عام 1949 استقر جاكسون في جامعة هارفارد حيث اخذ يدرس هناك حتى نهاية حياته.
ويمكن ان نعد من بين البنيويين الناقد الشهير رولان بارت على الاقل في احدى مراحل حياته الفكرية. فقد مارس النقد البنيوي لبضع سنوات قبل ان يكتشف محدوديته وعقمه وينصرف عنه. فبارت كناقد كبير لايستطيع ان يمضي عمره في تشريح القصيدة وعد حروف الجر والعلة والفاصلة وهلم جرا.
لذلك ادار بارت ظهره للنقد البنيوي الالسني وراح يكتشف افاقا جديدة من خلال الاهتمام بمناهج اخرى. فالعمل الادبي غزير المعاني ولايمكن استنفاده من خلال منهج واحد ايا يكن. ومعلوم ان بارت اطلع على كل المناهج، من المنهج التاريخي، الى المنهج السوسيولوجي، الى المنهج النفسي، الى المنهج البنيوي.
وكان يعتقد بان كل منهج من هذه الناهج يسلط ضوءا خاصا على القصيدة او الرواية او أي عمل ادبي اخر. وبالتالي فلا ينبغي الاكتفاء بأحدها واهمال الاخرى. ولكن كيف يمكن لناقد واحد ان يطبق دفعة واحدة كل المناهج على العمل الادبي؟ هذا مستحيل.